فنون بصرية وارد بدر السالم - الصورة الفوتوغرافية من الزمن الشخصي الى الزمن الكلّي

يكاد قلبُ الصبي يتوقف وأنفاسه محبوسة؛ ومثله العجوز ورب الأسرة، وهم يحبسون أنفاسهم أمام عدسة المصور الشمسي الحاذق. لكن لا أحد يموت في نهاية الأمر. تخرج صورهم من الصندوق الغامض مبللة بعض الشيء. انتقلت ذواتهم الشخصية الى مربعات ورقية كما هي من دون تحوير. كأنهم أُستِنْسِخُوا على الهواء الطلق بمساعدة شخص يقف خلف الكاميرا الواقفة، مثل الساحر الذي يغطي سحره بغموض لا ينتبه اليه أحد. مع إنه ليس سحراً، ولا خفة يد، بل هو تفاعلات كيمياوية تنطبع على ورقة بيضاء، تنجذب صورة الشخص اليها من ثقب العدسة.
(1)
ارتحلت كاميرا الشارع الى فكرة الزمن الماضي وصارت تراثاً شعبياً في المتاحف المحلية. لكنِ عصر الصورة لم ينتهِ بعد. لم تسيطر عليه التقنيات الإلكترونية العظمى كلياً. تصوير الذكاء الصناعي ليس بديلاً عن الصورة - الحدث التي ترافق الحياة في الحروب وكوارث الطبيعة والانقلابات العسكرية وغزوات داعش الذبّاحة. وحتى حين يتقدم عالم التكنولوجيا في كل المرافق الفنية. تبقى الصورة العفوية المباشرة هي الأقوى والأكثر ثباتاً في ذاكرة التاريخ. وحيث إن الصورة ترحلت من الصندوق الأسود الى كاميرات يدوية، بقيت تكنز تاريخها الشخصي ومرجعياتها الاجتماعية والنفسية.
لا نجزم بأن التصوير الفوتوغرافي كجنس فني يؤاخي اللوحة أو يقلدها. لكنه فريد في توثيق (الآن) ليبقى مصدراً وأرشيفاً في لحظته الخاطفة عند التقاط ما لا تستطيع السرود الجمالية الأخرى من التقاطه؛ وهو ما يبني عليه السرد بعضاً من الأحداث سواء أكانت الصورة فيلمية أم فوتوغرافية، فهي الوثيقة الذكية التي تضارع الوقت ولا تتخلى عن زمنها ومرجعها المكاني. ولنا في هذا روايات وأفلام كثيرة على مثل هذا التصور اليقيني الذي غطّى الفضاءات السردية العالمية منذ زمن بعيد.
على عكس اللوحة الفنية التي لا تحفل بالزمن والمكان وانسيابية اللحظة وتجميدها. لذلك فالفن الفوتوغرافي جنس مهم في اختيار مآثره الفريدة، لاسيما في مناطق التوترات العالمية منذ القديم، حتى الفيديوات المتاخمة للحدث غير قادرة على أن تصل الى ما يصل اليه الفوتوغراف الشخصي. فهناك تجارب عفوية تميل الى توثيق (اللحظة) بجمالية عالية. وبإمكانها إظهار الذات المحتبسة في داخلها، كما هو التصوير القديم بالكاميرا الصندوقية التي تبدو كما لو إنها تُظهر الذات الشخصية عبر عدسة غامضة بيد ممدودة الى داخل خرطوم أسود، فيه من السرية أكثر مما فيه من الوضح لنا- آنذاك.
الذات الجامدة التي تقطع الأنفاس في صيرورة صورة بالأسود والأبيض، كمن تعيد ترتيب الأشخاص الماثلين أمامها بتعبير رولان بارت. فاليد الممدودة في فوهة الخرطوم وأحشاء الصندوق الأسود، تشبه يد خالق لحظوي بمستطاعه استنساخ الأشخاص بطريقة سحرية عجيبة. فكان لكل زمن آلاته وآلياته وزاوية نظره في توثيق الأحداث ؛الشخصية والجماعية معاً.

محمد الدرّة:
صورة مقتل الطفل محمد الدرة بقيت أيقونة البراءة الفلسطينية منذ 30 أيلول 2000 وهي صورة قتل مباشر شاهدها العالم على الشاشة الفضية. كإنما أوجدها المصور لتكون شاهدة مُرّة على وحشية الرصاص الإسرائيلي. وبيّنة بأن العالم المتوحش يهيمن- بالقوة- على الحياة البريئة. ولو ابتعدنا عن المشهد الفاجع لمجاراة عمقه البعيد فإننا لا نرى الصورة كما بُثّت مباشرةً، بل نرى عمقها في الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، مثلما نرى التاريخ المعاصر بعد الحرب العالمية الثانية ومخلفاته الاستعمارية والصراع الوجودي والنفسي بين مغتصِب ومطرود. لتكون الصورة - الأيقونة؛ وهي غير مؤطرة، كونها فيلمية وسريعة ومباشرة. وحينما تحولت الى صورة فوتوغرافية ثابتة، بقيت مفتوحة الى اليوم، فالإطار معطىً من معطيات اللوحة الزيتية وليس نتاج الصورة الفوتوغرافية. الإطار يسجن الصورة بينما يتوجب أن تظل مفعّلة من دون إطار ماسك.
طفلة النابالم:
نرى عدم الانغلاق هذا في صورة مُريعة سبقت الطفل الفلسطيني، هي صورة طفلة النابالم الفيتنامية الجنوبية فان ثي كيم فوك ذات السنوات التسع، التي صورها نيك أوت عام 1972 في قرية ترانغ بانغ وهي تركض عارية، مصابة بحروق كثيرة. حينما أسقطت الطائرات الفيتنامية الجنوبية قنبلة نابالم على القرية التي تعرضت للهجوم والاحتلال من قبل القوات الفيتنامية الشمالية. وذلك البُعد البنيوي في الصورة هزّ النظريات الإنسانية والأدبية؛ وأخذت صورة النابالم مديات مؤلمة في جوهرها- ما بعد الصورة التي هزّت العالم وانسكبت أنهارٌ من الدموع لأجلها.
شربات غولا- والنسر الجائع:
لا يمكن نسيان صورة الأيقونة المخيفة للنسر والطفلة الجائعة، التي صوّرها كيفين كارتر 1993 في قرية أيود في السودان في سنوات المجاعة القاهرة، مثلما نتوقف قليلاً في اقتضاء الإشارة الى الصورة الجمالية للفتاة الأفغانية "شربات غولا" التي نشرتها مجلة ناشيونال جيوغرافيك عام 1985 بعيدة عن الحرب والمأساة، لتقف على حقيقة الجمال الأفغاني المتماسك. وكلتا الصورتين قالتا الكثير من السرد الصامت. المجاعة التي لا تُحتمل، والجمال الغارق في البراءة في الزمن الأفغاني. لهذا تستوقفنا عادةً العلاقة الضمنية ما بين اللغة والصورة في الانسجام البيْني بينهما. وإذا ما كانت اللغة بَيانَ السرديات والقصائد وعموم الكتابة، فإن الصورة صامتة على الأغلب. لا تنطق، إلا بمقدار ما نملأها نحن بالسرد والتحايلات اللغوية والتوصيفات التاريخية والنفسية.
خيال اللغة أبلغ من خيال الصورة، فهذه تكتفي ببلاغتها المباشرة الصادمة، وليست بها حاجة الى إنشاء لغوي. ومع ذلك فإنها أكثر مضاء من اللوحة الزيتية التي سبقتها منذ عصور قديمة جداً، ولأن الكيميائي هو مخترع الصورة وليس ملتقطها، لذلك بقيت بلا إطار، حتى الحوامض المظهٍّرة لها تبخرت، وبالتالي فهي حرّة. عفوية. ما بعد الإطار التجميلي أو الحاصر لموضوعها، على نقيض من اللوحة التي تحصر ذاتها في إطار خشبي أو معدني، وقلما نشاهد لوحات من الزيت حرة وطليقة خارج أسوار الإطار، كونها رُسمت بزمن يقصر أو يطول. فهي لا تحفل بالزمن كثيراً، ففي بعض الأحيان تبدو صناعة وفذلكة لونية إطارية. بينما صورة الفوتوغرافي دخلت في الزمن الكلي من خلال زمنها الشخصي. كما هي الأفغانية شربات غولا بعينيها الخارقتين، والفلسطيني محمد الدرة بدراما مقتله، وطفلتا النابالم الفيتنامية الجنوبية والسودانية الجائعة التي يترقب موتها نسر جائع هو أيضاً.. نجتا من الموت، لكنهما لم تنجوا من الحياة..!
كافكا:
يستلهم كافكا من رؤى التصاوير الكثيرة التي رآها " نصور أشياء لكي نطردها من الذهن." هذا عكس العفوية في اقتناص اللقطة المحددة بلحظتها وزمنها, فالقصدية التصويرية إذن ليست احترافية، صحيح إن التصوير يتطلب عيناً استثنائية، لكنه بالمقابل يتطلب ذهناً حراً ووعياً في اقتناص الحدث والمشكلة قبل أن ينفقد؛ لا لطرد المشهد، بل لتكريسه لاحقاً، والعبور الزمني به الى الأجيال التي لم تعشْه. بمعنى نقل التجربة الحسية- الميدانية الى واجهات الزمن المتعاقب.
ولو فحصنا مآثر الماضي في التصوير الفوتوغرافي، سنجدها متمركزة على نسقين: الحرب والجوع. فهما الأكثر درامية في التقاطهما واقتناصهما، وهذا من الصحيح الذي ذكره رولان بارت من أن التصوير يمتلك علاقة مع التاريخ. فما من صورة تاريخية إلا ولها وقْعٌ في الأنفس التالية بين الأجيال، بالرغم من إن الحروب وكوارث الطبيعة ما تزال قائمة ومحتدمة في كل مكان. لكن رافقتها في العصور الأحدث، الأكثر تحضراً (وهذه مفارقة غبية) بأن عصر الصورة هو عصر سياسي وعسكري وثوري. وهو ما يريد تأكيده رولان بارت أيضا، عندما يشير الى حاشية على التصوير الفوتوغرافي في كتابه " غرفة التظهير" ويذكر بأن الزمن هو زمن الثورات والاحتجاجات والاغتيالات والانفجارات. أي تحولت الصورة من صمتها المعبّر الى صرختها السياسية والاجتماعية التي التحقنا بها في مناسبات كثيرة، ليس أقلها ثورة تشرين الشبابية في العراق عام 2019

مصدر:
غرفة التظهير- رولان بارت- ترجمة: د. منذر عياشي- دار نينوى- دمشق 2017

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى