طارق حنفي - ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾

﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى: ٥]
خواطر
.......
(ليست القضية بين سؤالٍ وعطاء، بل بين حالٍ وحال، ومقامٍ ومقام)

سأل موسى عليه السلام ربَّه:
﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦)﴾ [طه]
ثم ساق لسؤاله عللًا:
﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (٣٤)﴾ [طه]..
كأن الوعي هنا لا يزال يتحرك داخل منطق الأسباب؛ يطلب، ويعلّل، ويبرّر، ويبحث عن الطريق عبر الفعل..
أما محمد صلى الله عليه وسلم، فلم يبدأ من السؤال، بل من الاصطفاء؛ لم يُعطَ لأنّه طلب، بل لأنّه صار موضع العطاء..
فكانت ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١]، ليست استجابةً
لطلب، بل كشفٌ عن حال.

هنا ينتقل المعنى من "العبادة بوصفها وسيلة" إلى "العبادة
بوصفها تجلّيًا"؛ ومن السعي إلى القرب، إلى الحضور في القرب.
ويتجلّى فرق المقامين:
وقف موسى عليه السلام عند ظاهر الأسباب والعلل، وتجاوزها محمد صلى الله عليه وسلم إلى مقام التسليم والتلقّي؛ لا طلبًا يُساق، بل عطاءً يُفاض.
لم يكن ذلك انتقالًا من التلقي إلى الفهم فحسب، بل إلى رسم الطريق وكيفية التطبيق، وتجسيد المنهج؛ فكان صلى الله عليه وسلم السراج المنير.
ترك موسى أوامر، وترك محمد منهجًا.

وبين قوله تعالى:
﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى (٨٣) قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (٨٤)﴾ [طه]
حيث يظل الرضا غايةً تُطلب..
وبين حال النبي صلى الله عليه وسلم، الذي بكى لا لنفسه، بل لأمته، حتى جاءه الوعد:
"إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك فيهم"..
يتحوّل الرضا من مقصدٍ يسعى إليه العبد، إلى عطاءٍ يُساق إليه.
﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ (٥) — الضحى
ليست وعدًا بقدر ما هي كشفٌ عن مقام؛ مقامٍ يفيض فيه العطاء حتى يَسكُن به القلب، ويكون الرضا نتيجةً لا طلبًا.
ومن هنا كان تمام العطاء: الشفاعة؛ لا كمنحةٍ منفصلة، بل كامتدادٍ لحالٍ امتلأ رحمةً حتى فاض.

اللهم صلِّ وسلم وبارك على الخليل، والكليم، والحبيب الشفيع، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين.

طارق حنفي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى