يحيى بركات - أمريكا بين رئيسها… ومرآتها بين الدستور… والمنصة

حين لم تعد تعرف نفسها
لا يبدأ المشهد من البيت الأبيض…
بل من الشارع المقابل له.
أصوات ترتفع،
لافتات تقول ببساطة: “لا ملك هنا”…
وجوه شابة،
طلاب جامعات،
فنانون،
وأناس لا يبحثون عن خبر…
بل عن معنى.
في بلدٍ كُتب في دستوره أن السلطة ليست تاجًا،
بل مسؤولية،
وأن الكلمة حق،
وأن الإنسان—أي إنسان—يملك أن يقول “لا”…
يقف رئيس،
لا يشبه هذا النص.
دونالد ترامب،
رئيس أقوى دولة في العالم،
لكن في هذا المشهد…
لا يبدو أنه يقف فوق الدستور،
بل في مواجهته.
في القاعات الجامعية،
لم تعد السياسة مادة،
بل سؤال.
طلاب يخرجون من مقاعدهم،
لا ليتعلموا النص،
بل ليختبروا إن كان ما زال حيًّا.
في الاستوديوهات،
ممثلون يرفضون الصمت،
مخرجون يكتبون ما لا يُقال،
وصورة تُعاد قراءتها—
ليس ضد دولة،
بل ضد ما يُفعل باسمها.
هذا ليس هامشًا.
هذا… بداية.
وفي الداخل،
لا يسير كل شيء بهدوء.
في الكونغرس،
أصوات لا تتفق،
انتقادات علنية،
حديث يتصاعد—مرة بعد مرة—
عن المساءلة،
عن العزل،
عن حدود السلطة.
ليس إجماعًا…
لكن ليس صمتًا أيضًا.
خلافات،
تسريبات،
استقالات في مواقع حساسة،
قيادات تغادر،
وأخرى تصمت.
كأن الدولة،
بكل مؤسساتها،
تحاول أن تمسك التوازن…
بينما القرار ينزلق.
في الخارج،
الصورة أكثر قسوة.
مع حلف شمال الأطلسي،
لم يعد الحلف تحالفًا،
بل حسابًا.
من يدفع؟
ومن يستفيد؟
ومن عليه أن يثبت ولاءه؟
لغة تُفكك الثقة،
حتى لو بقيت الاتفاقيات.
ومع دولٍ عربية،
خطاب لا يخلو من التلميح،
من الاستهزاء،
من تلك النبرة التي لا تقول كل شيء…
لكنها تُفهم.
كأن العلاقة ليست توازنًا،
بل حاجة من طرف…
وقوة من طرف آخر.
وفي المنطقة،
الخطاب أكثر وضوحًا.
ما يقوله بنيامين نتنياهو،
يُقال في واشنطن،
بصوت مختلف…
لكن بالكلمات نفسها.
نفس التبرير،
نفس الحرب التي لا تُسأل،
نفس العدو الذي لا يُرى فيه إنسان.
وهنا،
لا تبدو أمريكا قائدًا،
بل صدى.
ثم تأتي الجملة التي وُضعت في الواجهة:
“أمريكا أولًا”.
لكن في هذا المشهد،
تبدو كأكبر خدعة سياسية.
حرب تُفتح،
لا لأن الداخل يفرضها،
بل لأن الإيقاع يدفع إليها.
تصعيد،
تهديد،
لغة عنف،
حديث عن إعادة دولٍ إلى “العصر الحجري”،
كل ذلك،
لا يعكس دولة تحمي نفسها،
بل دولة…
تدفع العالم إلى حافة أخرى.
حين يقول إن دولةً بكاملها يمكن أن تُعاد إلى “العصر الحجري”،
فهو لا يخاطب نظامًا فقط،
بل يهدد شعبًا،
حياةً كاملة،
بكهربائها،
ومائها،
ومستشفياتها.
وحين يلوّح بضرب البنية التحتية،
الجسور،
محطات الطاقة،
فهو لا يتحدث عن معركة،
بل عن حياةٍ تُقطع.
وفي غزة،
لا تختلف اللغة كثيرًا.
حديث عن التدمير،
عن الحسم،
عن حرب لا تُسأل عن كلفتها الإنسانية،
كأن الشعب ليس جزءًا من المعادلة،
بل هامشًا فيها.
وهنا،
لا يعود الخطاب مجرد سياسة،
بل يتحول إلى مرآة.
مرآة تكشف طريقة نظر.
حين يُهدَّد شعبٌ كامل،
لا يكون الهدف نظامًا فقط،
بل الحياة نفسها.
لكن المشهد لا يُختصر في المنصة.
لأن في الطرف الآخر،
هناك من يرى.
شباب لا يقبلون هذه اللغة،
فنانون يرفضون هذه الصورة،
طلاب يعيدون قراءة النص…
من البداية.
جيل،
لا يرى في هذا الخطاب قوة،
بل انحطاطًا.
وربما،
هنا تبدأ القصة الحقيقية.
ليس في الحرب،
ولا في القرار،
بل في الانقسام بين أمريكا…
ونفسها.
بين ما كُتب في الدستور،
وما يُقال من المنصة.
بين فكرة الحرية،
وممارسة القوة.
قد لا تسقط الدول فجأة،
ولا تنهار الإمبراطوريات بضربة واحدة.
لكنها تبدأ بالتآكل،
حين تفقد صورتها،
حين لا تعود تعرف نفسها،
حين يقف رئيسها…
ولا يشبهها.
هذا ليس سقوطًا بعد،
لكنه بداية.
بداية فصل،
سيُكتب لاحقًا،
ليس كخطأ سياسي فقط،
بل كلحظة
انكشفت فيها المسافة
بين ما تقول أمريكا إنها عليه…
وما أصبحت عليه فعلًا.
وفي الشارع،
حيث بدأ المشهد،
لا يزال الصوت يرتفع:
“هذا لا يشبهنا”
وربما،
هذا الصوت—وحده—
يكفي…
ليغيّر النهاية.

يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
3/4/2026

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى