خالد صالح عطية - هل انتهى زمن النهايات؟ في بنية عالمٍ لا يُغلق صراعاته

بقلم: خالد صالح عطية



المشكلة لم تعد أن الحروب لا تنتهي… بل أننا ما زلنا نفكّر كما لو أنها يجب أن تنتهي.

لم يعد الاشتباك مع مفهوم “الفخّ المركّب” مجرد نقاش حول قدرة الحروب على الحسم، ولا حتى حول طبيعة النظام الدولي الذي يعيد إنتاجها، بل تحوّل—تحت ضغط التجربة وتحولات الواقع—إلى سؤال أكثر جذرية: هل نحن أمام خلل في إدارة الصراعات… أم أمام تحوّل في طبيعة العالم ذاته، بحيث لم يعد إنتاج “النهاية” ممكنًا بالمعنى الذي عرفناه تاريخيًا؟

ما يقدّمه هذا المفهوم، في صيغته الأكثر تطورًا، هو تفكيك دقيق للعلاقة بين القوة والنتيجة، وإظهار كيف تتحول أدوات الحسم نفسها إلى قيود تُعيد إنتاج الصراع. غير أن هذا التقدم النظري، على أهميته، يفتح—في لحظة اكتماله—سؤالًا يتجاوزه: هل الفخّ بنية طارئة يمكن تفكيكها، أم أنه التعبير الأكثر دقة عن نمط اشتغال عالم لم يعد يعمل وفق منطق الإغلاق أصلًا؟

في النماذج الكلاسيكية، كان يُفترض أن الصراع—مهما طال—يتجه نحو نقطة حسم، سواء عبر الغلبة أو التوازن أو التسوية. لم تكن النهايات مضمونة، لكنها كانت ممكنة، بل كانت تشكّل أفق التفكير ذاته. أما اليوم، فإن ما نواجهه لا يبدو مجرد تعثر في الوصول إلى تلك النقطة، بل تآكل في الفكرة التي تجعلها ممكنة من الأساس. لم تعد المشكلة أن الحروب لا تُحسم، بل أن شروط الحسم نفسها لم تعد قائمة كما كانت.

هنا تحديدًا، يبدأ التوتر داخل مفهوم “الفخّ المركّب” نفسه. فإذا كان يفسّر كيف تتحول القوة إلى قيد، وكيف يؤدي تداخل المجالات إلى استحالة السيطرة، فإنه يفترض—ضمنيًا—أن هذا التداخل يمكن تفكيكه، أو على الأقل تقليصه عبر استراتيجيات معينة، كما في طرح “الصمود النشط”. لكن هذا الافتراض يستدعي مساءلة لا تقل عمقًا عن المفهوم ذاته: ماذا لو لم يكن التداخل حالة يمكن الخروج منها، بل هو الشرط البنيوي لعمل النظام الدولي المعاصر؟ ماذا لو لم نكن داخل “فخ” بالمعنى الذي يسمح بتجاوزه، بل داخل بيئة لا تعمل إلا عبر هذا التداخل؟

في هذه الحالة، لا يعود الفخّ مشكلة يمكن حلها، بل يصبح اسمًا آخر لطبيعة العالم نفسه. أي أن ما نصفه بالفخّ ليس انحرافًا عن القاعدة، بل هو القاعدة وقد فقدت قدرتها على إنتاج نهايات. وهنا ينقلب السؤال من: كيف نكسر الفخّ؟ إلى: هل ما زال “الخروج” ممكنًا بوصفه فكرة مفهومية قبل أن يكون خيارًا عمليًا؟

إن ما تكشفه الحروب المعاصرة—من أوكرانيا إلى فلسطين، ومن المواجهة مع إيران إلى التوترات الممتدة في الإقليم—ليس فقط تزايد التعقيد، بل تحوّل في منطق الصراع ذاته. فالحرب لم تعد وسيلة لإنتاج نتيجة، بل أصبحت إطارًا لإدارة الاستمرار. القوة لم تعد أداة للحسم، بل آلية لضبط الإيقاع. الزمن لم يعد يقود إلى نهاية، بل يعمّق الانخراط في مسار لا يملك نقطة خروج واضحة. وحتى النجاحات التكتيكية، حين تتحقق، لا تُغلق الصراع، بل تُعاد امتصاصها داخل بنية تعيد إنتاجه.

بهذا المعنى، لا يعود “اللا-حسم” حالة استثنائية تحتاج إلى تفسير، بل يصبح الشكل الطبيعي لعمل النظام. وليس لأن الفاعلين عاجزون، بل لأنهم يعملون داخل بيئة تجعل أي محاولة للحسم منتجة لمخاطر أكبر من كلفة الاستمرار. وهنا تحديدًا، تفقد النهاية وظيفتها بوصفها أفقًا للصراع، وتتحول إلى احتمال مكلف إلى درجة تدفع النظام نفسه إلى تجنّبه.

لكن أخطر ما في هذا التحول ليس فقط ما يقوله عن الحروب، بل ما يقوله عن التفكير فيها. فإذا كان “الفخّ المركّب” إطارًا قادرًا على تفسير هذا الواقع، فإنه يواجه—في لحظة قوته القصوى—خطرًا مضادًا: أن يتحول من أداة لفهم البنية إلى جزء من تثبيتها، عبر تقديمها بوصفها نظامًا مكتملًا يمكن الإحاطة به. وهنا، يصبح السؤال مزدوجًا: هل يصف المفهوم العالم كما هو، أم يساهم—دون قصد—في إعادة إنتاج منطقه عبر تحويله إلى يقين نظري؟

من هنا، لا يهدف هذا الاشتباك إلى نقض المفهوم، بل إلى دفعه إلى حدوده التي يبدأ عندها بالكشف عن ما لا يستطيع تفسيره. فالقضية لم تعد في تفسير “الفخّ”، بل في مساءلة الشرط الذي جعله ممكنًا، وربما ضروريًا. وإذا كانت الحروب لم تعد تنتهي، فالسؤال لم يعد كيف نُنهيها، بل ما إذا كنا نعيش في عالم فقد القدرة على إنتاج النهاية—أو لم يعد يرى فيها مصلحة.

وفي هذا المستوى، لا يعود التحدي في تحليل الصراعات، بل في إعادة التفكير في المفاهيم التي نستخدمها لفهمها، دون أن نعيد—من حيث لا ندري—إنتاج البنية التي نحاول تفسيرها.

إذا كان ما نواجهه اليوم هو تآكل في إمكانية إنتاج النهاية، فإن أول ما ينبغي تفكيكه ليس أدوات الحرب، بل الفرضية التي تجعل الحسم ممكنًا أصلًا. ففي النماذج التي حكمت التفكير الاستراتيجي لقرون، كانت العلاقة بين الفعل ونتيجته—مهما تعقّدت—تظل علاقة قابلة للضبط ضمن أفق نهائي. الحرب، في هذا التصور، هي مسار ينتهي، حتى لو طال، وحتى لو أعاد تشكيل نفسه. أما اليوم، فإن ما يتكشّف تدريجيًا هو انفصال هذه العلاقة: الفعل لم يعد يقود إلى نتيجة، بل إلى سلسلة من التفاعلات التي تتجاوز الفاعل، وتعود لتقيّده داخل مسار لا يملك السيطرة عليه.

هذا الانفصال لا يمكن تفسيره فقط بتداخل المجالات أو تعدد الفاعلين، رغم أهميتهما، بل يشير إلى تحوّل أعمق في بنية السببية نفسها داخل النظام الدولي. لم نعد أمام عالم تتحقق فيه النتائج عبر تراكم الأفعال، بل أمام عالم تُعاد فيه صياغة النتائج داخل شبكة تفاعلات لا تنتهي عند نقطة محددة. كل فعل يفتح احتمالات، وكل احتمال يولّد مسارات، وكل مسار يُعاد امتصاصه داخل بنية تعيد إنتاج التوتر بدل أن تغلقه. بهذا المعنى، لا يعود الصراع مسارًا نحو نهاية، بل يصبح حالة دائمة من الاشتغال.

هنا، يتجاوز السؤال حدود “الفخّ المركّب” بوصفه شبكة من القيود، ليصل إلى طبيعة هذه الشبكة نفسها: هل هي حالة يمكن تفكيكها، أم أنها التعبير البنيوي عن عالم فقد مركزه؟ فإذا كان النظام الدولي في مراحله السابقة—حتى في لحظات الفوضى—ينتهي إلى إعادة إنتاج توازن ما، فإن ما نواجهه اليوم هو فوضى لا تنتج توازنًا، بل تعيد إنتاج ذاتها عبر التداخل المستمر. ليست فوضى غياب النظام، بل فوضى داخل نظام يعمل دون نقطة إغلاق.

وإذا أردنا تتبّع هذا التحول إلى جذوره الأعمق، فإن ما نواجهه اليوم لا يمكن فصله عن لحظة تاريخية طويلة بدأت منذ انهيار البُنى الإمبراطورية التي كانت تُنظّم العالم وفق مراكز واضحة للسيطرة والتجارة والمعنى. من انكسار الفضاء الإسلامي بوصفه شبكة مترابطة من طرق التجارة والمعرفة—من طريق الحرير إلى الممرات البحرية—إلى انتقال مركز العالم نحو الأطلسي، ثم تشكّل النظام الاستعماري الذي أعاد رسم الجغرافيا بالقوة، وصولًا إلى لحظة سايكس-بيكو التي لم تقسّم الأرض فقط، بل أعادت تعريف السياسة نفسها داخل حدود مُجزأة لا تنتج توازنًا ذاتيًا. في تلك اللحظة، بدأ العالم يفقد تدريجيًا قدرته على إنتاج أنظمة مغلقة ومستقرة، لصالح أنماط مفتوحة على التدخل والتفكيك المستمر. ومع نهاية الحرب الباردة، لم يُستبدل هذا التفكك بنظام جديد، بل تُرك ليتحوّل إلى حالة دائمة من السيولة البنيوية. بهذا المعنى، فإن ما نراه اليوم ليس انقطاعًا عن التاريخ، بل ذروة مسار طويل: انتقال من عالم تُنهي فيه الإمبراطوريات صراعاتها بإعادة ترتيب المجال، إلى عالم لم يعد يملك مركزًا قادرًا على فرض نهاية—ولا أطرافًا قادرة على القبول بها.

في هذا السياق، يمكن إعادة قراءة ما يُسمى “اللا-حسم” ليس كعجز، بل كآلية اشتغال. فالصراع لا يستمر لأنه لا يمكن إنهاؤه فقط، بل لأنه، في بنيته الحالية، لا ينتج شروط إنهائه دون أن يفتح أزمات أكبر. أي أن النهاية لم تعد مخرجًا، بل أصبحت مخاطرة. وهنا تحديدًا، تتغيّر وظيفة القوة جذريًا: لم تعد تُستخدم لإنهاء الصراع، بل لإدارته، لضبط حدوده، لمنع انفلاته الكامل، دون القدرة على إغلاقه. القوة، بهذا المعنى، لم تفقد فعاليتها، لكنها فقدت غايتها التقليدية.

وهذا ما يفسر ظاهرة تبدو للوهلة الأولى متناقضة: التوسع في استخدام القوة التدميرية، مقابل تراجع القدرة على الحسم. فاستهداف البنى التحتية، الاقتصاد، المعرفة، والمجتمع—وصولًا إلى الجامعات—لا يعكس اقتراب النهاية، بل يكشف غيابها. حين تنتقل الحرب من استهداف القدرة العسكرية إلى استهداف شروط إنتاجها، فإنها لا تختصر الطريق، بل تعيد تعريفه. لم يعد الهدف إنهاء قدرة الخصم، بل إعادة تشكيل بيئة وجوده، بما يضمن استمرار الضغط دون إنتاج نقطة حسم. وهنا، يصبح التدمير ذاته جزءًا من آلية الاستمرار، لا وسيلة لإنهائه.

لكن هذا التحول لا يعمل في اتجاه واحد. فكما تتحول القوة إلى أداة إدارة، تتحول المقاومة—بأشكالها المختلفة—إلى قدرة على تعطيل الإغلاق. ليس لأنها قادرة على الانتصار بالمعنى التقليدي، بل لأنها تمنع إنتاج نهاية مستقرة للخصم. وفي هذا التفاعل، تتكوّن بنية لا يُغلق فيها الصراع، بل يُعاد توزيعه، ويتحوّل من مواجهة محددة إلى حالة ممتدة. أي أننا لم نعد أمام صراعات تُحسم أو تُجمّد، بل أمام صراعات تُعاد صياغتها باستمرار.

هنا تحديدًا، يصل مفهوم “الفخّ المركّب” إلى حدوده الأكثر حساسية. فهو ينجح في تفسير كيف تعمل هذه البنية، لكنه يظل معلقًا أمام سؤال لماذا أصبحت ممكنة بهذا الشكل. فإذا كان يربط بين تزايد القوة وتراجع القدرة على التحكم، فإنه لا يفسر التحول الذي جعل هذه العلاقة نفسها غير خطية. أي أن المشكلة لم تعد فقط في تداخل الأدوات، بل في تغيّر منطق اشتغالها.

من هنا، فإن محاولة “تفكيك التداخل”—كما يُطرح ضمن استراتيجيات الخروج—تواجه إشكالًا بنيويًا: فهي تفترض إمكانية فصل ما أصبح، في الواقع، غير قابل للفصل. فالمجالات لم تعد متداخلة عرضيًا، بل اندمجت في بنية واحدة. الاقتصاد لم يعد خلفية للحرب، بل جزء من ساحة القتال. الخطاب لم يعد تفسيرًا، بل أداة إنتاج للواقع. الزمن لم يعد إطارًا محايدًا، بل عنصرًا فاعلًا في تعميق الصراع. وفي مثل هذا التشابك، لا يكون التفكيك مسألة تقنية، بل إعادة تعريف لشروط النظام نفسه.

وهنا، تظهر المفارقة الأكثر إرباكًا: إذا كان “الفخّ المركّب” قابلًا للتفكيك، فإن ذلك يتطلب العمل داخل البنية التي تنتجه. لكن إذا كانت هذه البنية تعيد إنتاج نفسها عبر كل محاولة للخروج، فإن السؤال لم يعد كيف نفككها، بل ما إذا كان التفكيك ذاته يعيد إنتاجها بصيغة أخرى. أي أننا لا نواجه مجرد فخ، بل منطقًا يعيد إدماج كل محاولة للهروب داخله.

بهذا المعنى، لا يعود الصراع هو ما يحتاج إلى تفسير، بل فكرة النهاية نفسها. فالنهاية، كما تشكّلت في التفكير السياسي والاستراتيجي الحديث، كانت تفترض إمكانية إغلاق المسارات، تثبيت النتائج، والانتقال إلى حالة جديدة. أما في العالم الراهن، فإن كل “نهاية” محتملة تحمل في داخلها شروط إعادة الانفجار. ولهذا، لا تُنتج النهايات، أو يتم تأجيلها باستمرار، ليس فقط لأن الأطراف لا تستطيع الوصول إليها، بل لأن النظام نفسه لا يحتمل كلفتها.

في ضوء ذلك، يمكن القول إننا لا نعيش فقط في عالم الحروب المستمرة، بل في عالم ما بعد النهايات. عالم لا تُلغى فيه الصراعات، بل تُدار دون أفق إغلاق واضح. عالم تتحول فيه القوة إلى إدارة، والزمن إلى استنزاف، والتقدم إلى حركة داخل دائرة لا تنتهي. وربما لأننا لا نحتمل فكرة أن الصراع ليس مرحلة في العالم… بل أحد شروطه، فإننا لا نزال نبحث عن نهاية لا ينتجها هذا العالم أصلًا.

في هذا المستوى، لا يعود الاشتباك مع مفهوم “الفخّ المركّب” مسألة قبول أو رفض، بل مسألة دفعه إلى النقطة التي يكشف فيها حدوده الخاصة. فهو يفسّر كيف تعمل الحروب داخل بنية معقّدة، لكنه يترك مفتوحًا السؤال الأعمق: هل هذه البنية قابلة للكسر، أم أنها التعبير الأكثر دقة عن عالم فقد قدرته على إنتاج النهاية؟

قد لا تكون الإجابة حاسمة، وربما لا يمكن أن تكون كذلك. لكن ما يبدو واضحًا هو أن التفكير في الصراعات لم يعد ممكنًا بالأدوات نفسها التي نشأت في عالم كانت فيه النهايات ممكنة. وإذا كنا لا نزال نبحث عن “الحسم”، فقد يكون ذلك لأننا نفكر بلغة لم تعد تنتمي إلى العالم الذي نعيش فيه.

وهنا، لا يكون التحدي في تفسير ما يحدث، بل في القدرة على التفكير خارج الافتراض الذي جعل النهاية ممكنة يومًا—دون أن نقع، في الوقت ذاته، داخل منطق يعيد إنتاج ما نحاول تجاوزه.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى