هدنة الـ45 يوماً بين واشنطن وطهران ؟؟؟ إدارة للصراع أم بوابة لتسوية إقليمية؟

هدنة الـ45 يوماً بين واشنطن وطهران ؟؟؟ إدارة للصراع أم بوابة لتسوية إقليمية؟

بقلم: المحامي علي أبو حبلة

تتواصل المباحثات بين الولايات المتحدة وإيران، بوساطة إقليمية ودولية، حول مقترح وقف إطلاق نار لمدة 45 يوماً، في محاولة لاحتواء التصعيد المتسارع في المنطقة. ويقوم المقترح على مرحلتين: هدنة مؤقتة تتيح فتح مسار تفاوضي، تليها مرحلة ثانية تستهدف التوصل إلى اتفاق شامل ينهي الحرب، مع إمكانية تمديد الهدنة وفق تطورات المفاوضات.

تعكس هذه المبادرة إدراكاً متنامياً لدى الأطراف بأن كلفة المواجهة المفتوحة باتت مرتفعة على المستويات كافة، في ظل اتساع رقعة الاشتباك وتداخل الساحات، بما في ذلك الخليج ولبنان. غير أن قراءة دقيقة لبنية المقترح تشير إلى أنه لا يشكل حتى الآن إطاراً لتسوية نهائية، بقدر ما يمثل أداة لإدارة الصراع ومنع انزلاقه إلى مواجهة شاملة.

استراتيجياً، توفر هدنة الـ45 يوماً فرصة لخفض التوتر وإعادة ترتيب الأولويات، لكنها في الوقت ذاته تتيح للأطراف إعادة تموضع عسكري وسياسي. فالولايات المتحدة تسعى إلى احتواء التصعيد، وضمان استقرار أسواق الطاقة، والحفاظ على أدوات الضغط التفاوضي، فيما تنظر إيران إلى الهدنة من زاوية مختلفة.

طهران، التي لم تعلن رفضاً مباشراً للمبادرة، تتعامل معها بحذر محسوب، باعتبارها فرصة لتخفيف الضغوط العسكرية والاقتصادية، دون المساس بثوابتها الاستراتيجية. وتؤكد المواقف الإيرانية، في مجملها، على ضرورة أن يقترن أي وقف لإطلاق النار بضمانات واضحة، تشمل وقف الضربات، واحترام السيادة، وعدم فرض شروط تتعلق ببرنامجها النووي أو دورها الإقليمي. ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة الموقف الإيراني بوصفه قبولاً مشروطاً، يوازن بين الحاجة إلى التهدئة والحفاظ على أوراق القوة.

أما على المستوى الإقليمي، فإن دور الوسطاء يعكس تحولاً متزايداً نحو الانخراط الفاعل في إدارة الأزمات، مدفوعاً بمخاوف حقيقية من انتقال المواجهة إلى الداخل الإقليمي، خاصة في ظل هشاشة التوازنات الأمنية.

وفيما يتعلق بلبنان، فإن إدراجه ضمن إطار وقف إطلاق النار يبقى رهناً بطبيعة التفاهمات الأشمل. فالجبهة اللبنانية ترتبط بتوازنات دقيقة وبحسابات تتجاوز الإطار الثنائي الأمريكي–الإيراني، ما يجعل شمولها بالهدنة احتمالاً قائماً لكنه غير محسوم، وقد يتطلب ترتيبات أمنية وضمانات متبادلة تشمل أطرافاً إقليمية متعددة.

في المقابل، يشكل موقف حكومة بنيامين نتنياهو عاملاً مؤثراً في مسار المبادرة. إذ تنظر إسرائيل بتحفظ إلى أي اتفاق لا يتضمن قيوداً واضحة على البرنامج النووي الإيراني ونفوذ طهران الإقليمي. وقد يدفع هذا الموقف الحكومة الإسرائيلية إلى محاولة التأثير على مسار التفاوض، أو الإبقاء على هامش تحرك عسكري مستقل، بما يعكس تبايناً في أولويات الحلفاء ويضيف مزيداً من التعقيد أمام فرص التوصل إلى اتفاق شامل.

في ضوء هذه المعطيات، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية:

أولها، نجاح محدود يفضي إلى تثبيت الهدنة وفتح مسار تفاوضي طويل؛

ثانيها، تعثر سريع يعيد التصعيد إلى الواجهة؛

أما ثالثها، وهو الأكثر ترجيحاً، فيتمثل في تمديد متكرر للهدنة دون حسم نهائي، بما يكرّس حالة من “اللا حرب واللا سلام”.

اقتصادياً، تكتسب المبادرة أهمية خاصة في ظل الضغوط على أسواق الطاقة العالمية، حيث يشكل استقرار الممرات البحرية عاملاً حاسماً في استقرار الاقتصاد الدولي، الأمر الذي يفسر الدعم الدولي لأي مسار يفضي إلى خفض التصعيد.

في المحصلة، تبدو هدنة الـ45 يوماً أقرب إلى آلية لإدارة التوازنات ومنع الانفجار، أكثر من كونها خطوة حاسمة نحو تسوية نهائية. وبين حسابات القوة وتباين المصالح، سيبقى نجاحها مرهوناً بمدى استعداد الأطراف للانتقال من إدارة الصراع إلى معالجته جذرياً، وهو تحول لم تنضج شروطه بالكامل حتى الآن.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى