التَّفاوت بين الإسلام الوارِد في القرآن الكريم والإسلام الذي يتلقاه المتعلِّمون في الأسرة والمدرسة ثم المجتمع

المُتعارَف عليه هو أن التَّنشئة الاجتماعية للأطفال تبدأ في الأسرة وتستمر، في آنٍ واحدٍ، في المدرسة والمجتمع. غير أن التنشئةَ الإجتماعية التي يُعوَّل عليها، هي تلك التي تدور أطوارُها في الأسرة والمدرسة. لماذا؟

لأن المجتمع فيه الصالِح والطالِح، بينما التَّنشئة الاجتماعية التي يتعلَّم، من خلالها الطفلٌ، القِيَمَ الإنسانية السامية، هي تلك التي، من المفروض، أن تلقِّنَها لهذا الطفل الأسرةُ ثم المدرسةُ. والأشياء التي، من المفروض، أن يتعلَّمها الطفلُ، في الأسرة ثم في المدرسة، كثيرة، أذكر من بينها ما يفرضه العقل فيما يلي :

1.لا أحدَ قال ويقول للأطفال، سواءً في الأسرة أو في المدرسة، إن الدينَ الذي جاء به القرآن الكريم دين واحد، وهو الإسلام. وهذا الدين بدأ في الانتشار منذ نوح عليه السلام واستمر في الانتشار عبر الرسل والأنبياء، ومن ضمنهم موسي وعيسى، إلى أن اختار الله، سبحانه وتعالى، آخرَ الرسل والأنبياء، محمد (ص) وأنزل عليه الوحيَ، أي القرآن الكريم، الذي دخل في تفاصيل الإسلام ليتعرَّفَ عليه جميع الناس، وليس فئة دون أخرى.

2.لا أحد بيَّن ويُبيِّن للأطفال، سواءً في الأسرة أو في المدرسة، الفرقَ بين الدين والتَّديُّن. الدين هو المنصوص عليه في القرآن الكريم والمُفصَّل فيه، وهو الدين الذي أراده اللهُ، سبحانه وتعالى، للبشرية جمعاء. وهذا الدينُ، المنصوصُ عليه في القرآن الكريم، يوجد في صيغتِه النظرية، ويحتاج إلى تفكيرٍ عميق (تدبُّر) لإدراك معانيه. أما التديُّن، فهو انتقال أو تحويل هذا الدين المنصوص عليه في القرآن الكريم من صيغتِه النظرية إلى ممارسات وطقوس. ثم لا أحدَ قال ويقول للاطفال، سواءً في الأسرة أو في المدرسة، إن تديُّنَ الأطفال مُتوارث عن الأباء والأمهات، وبالتالي، فهو تقليد للعبادات والطقوس التي يمارِسها هؤلاء الأباء والأمهات.

3.لا أحدَ قال ويقول للأطفال، سواءً في الأسرة أو في المدرسة، إن التَّديُّنَ، المتوارث، بالتقليد، عن الأباء والأمهات، فردي واختياري. بمعنى أن هذا التَّديُّنَ هو نوع من التَّقرُّب من الله. وهو فردي، أي يخص الفردَ وليس الجماعة، وبالتالي، فأطوارُه تدور بين خالِقٍ هو الله، ومخلوق هو الإنسان (الطفل). وهو اختياري، أي أن الإنسانَ (الفردَ) ليس مجبرا أن يتَّخذَه، كدين. بل له الاختيار، بعد أن اطَّلع على فوائد ومحاسن هذا الدين، أي بعد أن اطَّلع على طريق الخير الذي جاء به هذا الدين، وعلى طريق الشر الذي ينهى عنه نفس الدين. وفي تلكي الحالتين، الفردُ يكون مسؤولا عن اختيارِه.

4.لا أحدَ قال ويقول للأطفال، سواءً في الأسرة أو في المدرسة، أن المغربَ، كدولةٍ، اختارَ الحداثةَ la modernité لتدبير شؤونِه العامة. بمعنى أن نظامَه السياسي يعتمِد على الحداثة وليس على الدين (الشريعة وأحكامُها). والدليل على ذلك أن دستورَه مدني وقوانينُه المُنظِّمة للمجتمع، هي الأخرى مدنية، أي غير مُستمدة مباشرةً من الشريعة الإسلامية، ولو أن بعض بنود هذه القوانين لا تزال مُستمدَّة من هذه الشريعة. وهذه البنود، كلها لها علاقة، بأحوال الأسرة المغربية. غير أن هناك محاولات لتكييف هذه البنود مع ما يجري في الواقع المدني للمواطنين (رجالاً ونساءً وأطفالاً). المحاولة الأولى حدثت سنة 2004 بينما المحاولة الثانية انطلقت في نهاية 2022. وهتان المحاولتان، الهدف منهما، هو تحويل البنود، المرادُ تغييرُها، من صيغتِها الدينية إلى صيغة تتلاءم مع القوانين المدنية… والائحة طويلة.

بعد هذه التَّوضيحات الضرورية لإدراك ما سأقولُه لاحقاً، ورجوعاً إلى عنوان هذه المقالة، أي : "التَّفاوت بين الإسلام الوارِد في القرآن الكريم والإسلام الذي يتلقاه المتعلِّمون في الأسرة والمدرسة ثم المجتمع. فأين يوجد هذا التَّفاوتُ؟

يوجد التَّفاوتُ بين الإسلام الوارد في القرآن الكريم وذلك الذي تنقلُه المدرسةُ إلى المتعلِّمين. والذي يتجسَّد في نُقَطٍ كثيرة، أذكر من بينها ما يلي :

1.الإسلام الوارد في القرآن الكريم، لا إكراهَ فيه، بمعنى أن القرآنَ يضمن حرية العقيدة، بينما الإسلام الذي تبلِّغه المدرسةُ للمُتعلِّمين فيه إكراه وتخويف وترهيبُ وترعيب، أي أن الشخصَ الذي يريد أن يتديَّنَ، لا اختيارَ له. وهذا يعني أن التَّديُن بالإسلام إجباري. ومَن يتَّخذ غير هذا الإسلام، دينا، فهو كافرٌ ومصيره جهنم. والإرادة الإلهية واضِحة في هذا الشأن. قال ويقول، عزَّوجلَّ، في الآية رقم 256 من سورة البقرة : "لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِ". كما قال ويقول، سبحانه وتعالى، في الآية رقم 99 من سورة يونس : "وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ".

في الآية الأولى، "لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ" تعني أن مَن أراد أن يُسلمَ لا يجب قهرُه أو تخويفُه أو ترهيبُه أو إخضاعُه للقوة أو التهديد ليعتنقَ الإسلام، وخصوصا، أن طريق الخير (الرُّشْدُ) واضحٌ وطريق الشر (الْغَيِ) واضح، كما بينتُ ذلك أعلاه.

في الآية الثانية، كلام الله، سبحانه وتعالى، موجَّه للرسول محمد (ص). وهو نوعٌ من اللوم كي لا يُجبِرَ الرسول (ص) الناسَ على الدخول في الإسلام.

2.الدين الذي تقدِّمه المدرسةُ للمُتعلمين دينٌ جماعي، أي يخص جماعةَ الناس وليس الأفراد، علماً أن أفراد الجماعة لا يمكن، على الإطلاق، أن يُدرِكوا الدينَ أو يفهموه، بنفس المستوى الفكري. بمعنى أن كل فردٍ له مستوى فكري معيَّن. وهذا المستوى هو الذي يعطيه القدرة أو عدم القدرة على إدراك الدين الوارد في القرآن الكريم.

هذا من جهةٍ، ومن جهةٍ أخرى، قال ويقول، سبحانه وتعالى، في الآية رقم 164 من سورة الأنعام : "وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ"، أي أن الفردَ مسئولٌ عن ما ارتكبه من ذنوب، ولن يُسألَ يوم الحساب عن ما ارتكبه فردٌ آخر من ذنوب. وقال ويقول، كذلك، عزَّ وجلَّ، في الآية رقم 268 من سورة البقرة : "لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ". كلام الله، سبحانه وتعالى، موجَّه للنفس البشرية التي ستستفيد يومَ الحساب مما فعلته من خير، وستُجازى على ما ارتكبته من ذنوب. إذن الدينُ، حسب ما ورد في القرآن الكريم، يخصُّ الأفرادَ وليس الجماعة.

وبصفة عامة، الدين (الإسلام) الذي يتعلَّمه الأطفال، بغض النظر عن أركانِه الخمسة، في الأسرة وفي المدرسة وحتى في المجتمع، مخالِف، بمائة وثمانين درجة، عن الدين الوارد في القرآن الكريم. وهذا الاختلاف يمكن تلخيصُه في النقط التالية :

القرآن الكريم يقول بأن العقيدةَ (الإيمان) اختبار شخصي وليس مفروضا على الناس بالقهر. لكن، عندما يصبح الناسُ مسلمين، فهم ملزمون بأداء أركانه الخمسة. وهذا يعني أن الفردَ بعد إيمانِه بالإسلام، يصبح مسئولاً عن اختياره. في هذه الحالة، يكون إيمانُ الفرد معنوياً وروحِيا.

"معنويا" تعني صادر عن سابق تفكير ووعي عميقين. "روحيا" تعني صادر من عمق النفس البشرية. وعموماً وكما ورد ذلك في القرآن الكريم، الدين (الإسلام) يُسرٌ facilité وليس عسراً une difficulté. الإسلام دين مُتسامحٌ ومُتوازنٌ une religion tolérante et équilibrée. قال ويقول سبحانه وتعالى، في هذا الصدد، في الآية رقم 286 من سورة البقرة : "لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا…" Dieu n'impose pas à une âme une charge supérieure à ses capacités.

وفي الختام، الدين (الإسلام)، بغض النظر عن ثوابتِه، والذي يتعلَّمه الأطفالُ (المُتعلِّمون) في الأسرة ثم في المدرسة وأخيراً في المجتمع، مخالِفٌ، كما سبق الذكر، لذلك الذي نصَّ وينصُّ عليه القرآن الكريم.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى