خالد صالح عطية - حين يُستنزف الفخّ: من تآكل الإغلاق إلى صراع على تعريف النهاية

لا يبدأ هذا النص من اختلاف مع ما طرحته الدكتورة غانية ملحيس في مقالها الأخير المنشور على منصة الأنطولوجيا،
(يمكن الاطلاع عليه عبر الرابط: غانية ملحيس - ما بعد تآكل الإغلاق، أم إعادة تموضع الفعل؟ اشتباك في حدود التحول وإمكاناته داخل الفخّ المركّب)
بل من النقطة التي يبلغ فيها طرحها أعلى درجات قوته: حين تُقدَّم الوقائع لا بوصفها شواهد، بل بوصفها آليات اشتغال حيّة تكشف أن الفعل لم يفقد قدرته، بل يعيد تعريف شروطه داخل الصراع.
غير أن هذه القوة ذاتها تفتح السؤال الذي لا يمكن تجاوزه: هل ما نراه هو استعادة للحسم داخل شروط جديدة، أم أننا نعيد قراءة أثر الفعل بلغة الحسم، بينما يتغيّر معنى الحسم نفسه؟

في غزة، لا يمكن إنكار ما تشير إليه الدكتورة: إسرائيل—رغم تفوقها المطلق تقنيًا—فشلت في فرض نهاية؛ لا استسلام، لا انهيار، ولا إعادة تشكيل نهائية للمجال. لكن هنا تحديدًا يقع مفصل الخلاف: هل يعني ذلك أن “الحسم تغيّر شكله”، أم أن ما انهار هو نموذج الحسم نفسه؟ لأن ما يحدث فعليًا ليس فقط “تعجيز الخصم”، بل دخول الصراع في حالة لا يستطيع فيها أي طرف تحويل إنجازه—مهما كان—إلى نهاية قابلة للتثبيت. إسرائيل لا تستطيع إنهاء المقاومة، والمقاومة لا تستطيع إنهاء إسرائيل، لكن الأهم أن كل فعل من الطرفين يعيد إنتاج شروط الاستمرار بدل أن يغلق المسار. هذا ليس توازن ردع بالمعنى الكلاسيكي، بل بنية لا تنتج نقطة خروج، حيث يصبح الصمود—في آن واحد—قوة فعلية ودليلًا على أن الفعل لم يعد يقود إلى نهاية.

وفي جنوب لبنان، منذ 2006 وحتى اليوم، لم تستطع إسرائيل فرض حسم، لكن في المقابل لم يتحول هذا التعطيل إلى نهاية لصالح المقاومة، بل إلى إدارة مستمرة للصراع على الحافة. وفي اليمن، رغم سنوات الحرب والتدخلات، لم يُنتج الاستنزاف نهاية، بل أعاد توزيع الصراع جغرافيًا وسياسيًا دون إغلاقه. هنا يتكرر النمط نفسه: الفعل المقاوم يفرض كلفة عالية، والفعل التقني يفشل في الحسم، لكن النتيجة صراع مستمر بلا نهاية. إذا كان “التعب المعدني” يقود إلى الانهيار، فأين هي لحظة الانهيار في هذه النماذج الممتدة؟ ما نراه ليس غياب التأثير، بل غياب التحول إلى نهاية.

الحرب في أوكرانيا تقدّم مثالًا معكوسًا لكنه كاشف: روسيا لم تستطع الحسم رغم القوة العسكرية، والغرب لم يستطع كسرها رغم التفوق الاقتصادي والتقني. النتيجة ليست انتصارًا مؤجلًا، بل صراعًا يعيد إنتاج نفسه عبر العقوبات وإعادة توجيه الاقتصاد، والدعم العسكري والاستنزاف المتبادل، والتصعيد الذي يعيد توزيع خطوط التماس. هنا لا يعمل “الفخّ المركّب” ضد طرف واحد، بل يبتلع الجميع، ولا أحد يقترب من نهاية.

وإذا كانت الحرب في أوكرانيا تكشف حدود الحسم في مواجهة متكافئة نسبيًا، فإن ما يجري في إيران يقدّم نموذجًا أكثر تعقيدًا: قوة عسكرية وتقنية عالية تواجه فاعلًا قادرًا على امتصاص الضربة وإعادة توزيعها، لا عبر المواجهة المباشرة فقط، بل عبر توسيع مسرح الصراع وإدخاله في شبكة مترابطة من التأثيرات الإقليمية والاقتصادية.
فالهجوم لا يُنتج انهيارًا، والرد لا يُنتج حسمًا، بل سلسلة متواصلة من التفاعلات التي تمتد من المجال العسكري إلى أسواق الطاقة والممرات الحيوية، بما يجعل كل تصعيد مدخلًا لإعادة تشكيل التوازن، لا لإنهائه.
هنا، لا يتعطل الحسم فقط، بل يتبدد عبر تعدد مستوياته، حيث يصبح من الصعب تحديد أين يبدأ الصراع وأين يمكن أن ينتهي.

أما على مستوى الاقتصاد، فإن ما تشير إليه أزمة الطاقة لا يكشف فقط فشل الإغلاق السريع، بل دخول العالم في نمط تكيف مستمر دون نقطة استقرار. تحويل مسارات النفط، إعادة تشكيل التحالفات، وصعود قوى جديدة—كل ذلك لا ينتج نهاية للنظام القديم، بل يعيد تشكيله داخل حالة سيولة دائمة. ما يحدث أقرب إلى إعادة توزيع مستمر، لا إلى انتقال حاسم.

وإذا استدعينا التاريخ—الجزائر، فيتنام، جنوب أفريقيا، أفغانستان—فإننا نجد نمطًا مختلفًا: كان هناك دائمًا نقطة يتحول فيها التراكم إلى انهيار واضح، إلى لحظة يمكن أن يُقال عندها “انتهى”. أما اليوم، فالسؤال لم يعد هل يحدث الاستنزاف، بل لماذا لا يقود إلى لحظة كسر حاسمة كما في السابق؟ لماذا لا يتحول التراكم إلى نهاية؟

حتى فكرة “الثقب الأسود”، التي تفترض أن الفعل المقاوم يستنزف البنية حتى انهيارها، تكشف مفارقة مختلفة في الواقع المعاصر: الفعل يستنزف البنية، لكن البنية تعيد امتصاص هذا الاستنزاف. الاقتصاد يتأقلم، الأنظمة تعيد ضبط نفسها، والتحالفات تتغير دون أن تنهار. أي أن الاستنزاف لا يُنتج الانهيار، بل يعيد إدخال النظام في مدار جديد من الاستمرار.

هنا تحديدًا يقع الاختلاف الحقيقي: ليس في تقييم قوة الفعل، بل في تفسير علاقته بالنهاية. فبينما يُنظر إلى الفعل المتراكم بوصفه حسمًا نوعيًا يتبلور ببطء، يظهر احتمال آخر: أن الفعل المتراكم ينتج تأثيرًا متزايدًا دون ضمان التحول إلى نهاية. الصمود حقيقي، والاستنزاف فعّال، لكن العلاقة بينهما وبين الإغلاق لم تعد مضمونة كما كانت.

قد يكون الأدق أن نقول إن ما يتآكل ليس فقط قدرة العدو على فرض النهاية، بل قدرة أي طرف على إنتاج نهاية مستقرة. وهنا تتشكل المفارقة: العدو لا يستطيع الحسم، والمقاومة تمنع الحسم، لكن النتيجة ليست نهاية جديدة، بل استمرار بلا نهاية.

لسنا أمام عالم فقد الفعل، ولا أمام عالم استعاد الحسم، بل أمام عالم تغيّرت فيه العلاقة بينهما. عالم يُنتج أفعالًا كثيفة وتأثيرات عميقة، لكنه لا يُنتج نهايات قابلة للتثبيت.

وفي هذا المستوى من الاشتباك، لا يعود السؤال متعلقًا فقط بطبيعة الصراع أو حدود الفعل داخله، بل يمتد إلى الإطار الأوسع الذي تُنتج فيه هذه الصراعات معانيها ونتائجها. ذلك أن العالم الذي يتشكل اليوم—بفعل التحولات التكنولوجية المتسارعة، وصعود الذكاء الاصطناعي، وتنامي نفوذ الكيانات العابرة للسيادة—لم يعد يعمل ضمن نفس البنية المفاهيمية التي نشأت فيها أفكار “الحسم” و”النهاية” و”الانتصار”. لم تعد الدولة، بوصفها وحدة مركزية للقرار، هي الفاعل الوحيد القادر على إنتاج النتائج، ولم تعد القوة تُمارس فقط عبر أدواتها التقليدية، بل عبر شبكات معقدة من الاقتصاد والمعرفة والتكنولوجيا والبيانات. وفي مثل هذا العالم، لا تتآكل فقط قدرة الفاعلين على فرض النهايات، بل تتآكل أيضًا اللغة التي تجعل هذه النهايات ممكنة من حيث التفكير.

وفي هذا السياق، لا تبدو بعض القراءات المعاصرة بعيدة عن هذا التحول بقدر ما تعكسه من زاوية مختلفة. فحين يتحدث كريس هيدجز عن عالم يفقد قواعده، وعن عنف يتجاوز كل أطر الضبط، فإنه لا يصف مجرد انفلات أخلاقي، بل يلتقط—بلغة صادمة—النتيجة الظاهرة لتحول أعمق: انفصال متزايد بين الفعل وقدرته على إنتاج نهاية قابلة للتثبيت.
غير أن هذا الطرح، في حدّته، يفتح إشكالًا موازياً: هل نحن أمام عالم فقد إمكان الفعل، أم أمام لحظة انكشاف قصوى لبنية لم تعد قادرة على تحويل القوة إلى إغلاق؟
بهذا المعنى، يمكن فهم ما يبدو كـ“انهيار أخلاقي شامل” ليس بوصفه نهاية الإمكان، بل كعرض لتحول بنيوي يعيد تشكيل العلاقة بين الفعل والنتيجة، حيث يتكثف التأثير دون أن يبلغ لحظة النهاية.

بهذا المعنى، قد لا يكون ما نواجهه مجرد تعقيد في الصراع، بل تحوّل في شروط إدراكه ذاتها: انتقال من عالم كانت فيه النهايات ممكنة—حتى إن تعذّرت—إلى عالم تتوزع فيه القوة إلى درجة تجعل تثبيت أي نتيجة نهائية أمرًا شديد الكلفة، أو حتى غير قابل للتصور ضمن الأطر القديمة.

ولهذا، فإن السؤال الذي يبقى ليس: هل الفعل قادر على التأثير؟—فالإجابة نعم وبقوة—بل: هل ما زال قادرًا على إنتاج “نهاية” كما عرفناها؟ أم أننا نعيش لحظة تاريخية ينفصل فيها التأثير عن الإغلاق؟

الاشتباك هنا ليس بين الفعل والعجز، بل بين تصورين للنهاية: تصور يرى أن الحسم تغيّر شكله، وتصور يرى أن معنى الحسم نفسه يتآكل. وربما يحمل الواقع الاحتمالين معًا: فعل يتصاعد، وبنية تتآكل، لكن دون أن يلتقيا—حتى الآن—في لحظة يمكن أن تُسمى “انتهى”.

ولهذا، قد لا يكون التحدي في إثبات أن الفعل يعمل، بل في فهم لماذا لم يعد—رغم كل ما يفعله—ينتج نهاية كما كان يفعل. وهنا، لا يعود السؤال: من سينتصر؟ بل: هل ما زلنا نعيش في عالم تُنتج فيه الصراعات نهايات، أم في عالم تغيّر فيه معنى النهاية نفسها؟

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى