نجمة عمر علي كراتة - حروف هاربة...

لم يكن هناك أحد يُصغي لصوتها. كان الجميع يتنقّل بين ثنايا الكتب بلا اقتراب، يمرّون على الصفحات كما تمرّ الريح على زجاجٍ مغلق، دون أن يلمسوا ما خلفه. كانت هناك صفحة معنونة بعنوانٍ خافت لا يلفت النظر، صفحة تسكنها حروف تنتظر من يقرأ ما بين السطور لتعود الحياة إلى جوفها، لكن الانتظار طال حتى صار صمتًا ثقيلاً.
وذات صباح، قرّرت الحروف المنسيّة أن تغادر صفحة الكتاب. لم يكن خروجها هروبًا بقدر ما كان نجاة. ما إن تحرّكت حتى وقعت، فتهشّمت المعاني، وانكسرت كزجاجٍ مطروق يتصدّع قبل أن تلمسه الأيدي. زحف المكسور منها نحو زاويةٍ بها ظل، كأن الظلّ وحده يفهم وجع الشظايا، بينما واصلت بقيّتها السير نحو المجهول، بلا خريطة سوى الإحساس.
كانت الحروف تمشي بين الحشود ولا أحد يراها، لكنها كانت تُصغي، تُصغي بعمق لصوت القلوب غير المسموع. كانت تلتقط ما لا يُقال، وتترجم الشعور المكتوم بلا تردّد، ثم تلتصق بصاحب ذلك الشعور كأنها ظله الذي تأخر في الظهور. صارت ترتوي من المشاعر، من القلوب المتعبة، من الأرواح التي أنهكها الصمت، حتى بدأت تدرك أن لها طريقًا خارج ذلك الكتاب المظلم المنسي فوق الرفوف. عندها فقط، قرّرت ألا تعود.
وذات يوم، جلست سيّدة على الرصيف، وبين يديها صندوق كبير… ساخن. لم يكن دفؤه طبيعيًا، كأنه يحمل أنفاسًا محبوسة. نادت بصوتٍ هادئ: اقتربوا… أبيع الحروف. اقترب الجميع، مندهشين وصامتين، كأنهم يعرفونها دون أن يسبق لهم لقاؤها.
كانت تسمع الصوت الداخلي لكل واحد منهم، لا تحتاج إلى اعتراف، كانت ترى ما لا يُقال. فتحت الصندوق وتمتمت كلماتٍ غير مفهومة، كأنها تعويذة قديمة، ثم بدأت تسحب من جوف الأرواح تلك الحروف التي التصقت بها. تشبّثت الحروف بالقلوب، قاومت، ارتجفت، لكنها لم تقوَ على الصمود طويلًا. تساقطت حرفًا حرفًا داخل الصندوق المظلم الصامت، وكأن كل سقوط كان اقتلاعًا خفيًا.
ومع كل حرفٍ يُنتزع، كانت الأجساد تصمت أكثر، حتى صارت خاوية على عروشها، تمشي بلا صدى، بلا ارتجاف داخلي، بلا أثر يدلّ على حياة كانت هنا يومًا.
امتلأ الصندوق، فأغلقته السيّدة بإحكام، كما يُغلق سرّ لا يُراد له أن يُفهم، ثم اختفت عن الأنظار، كأنها لم تكن.
ومنذ ذلك اليوم البارد، لم يعد للروح صدى في تلك المدينة الموحشة. لم يعرف أحد أين اختفت حروف تلك الصفحة، ولا كيف سُرقت أصواتهم دون أن يشعروا.
وظلّ السؤال معلقًا في الفراغ:
ماذا كانت تحكي تلك الحروف حتى تقوم من أجلها حرب… وتعويذة؟
كان العنوان: فلسطين.






FB_IMG_1775815704339.jpg

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى