خالد الحديدي - من تفكيك الدولة إلى تفكيك الوعي: الحفر في مأزق النهضة العربية

إنّ ما يجري اليوم في العالم العربي ليس سوى تتويجٍ لمسارٍ طويل من تفكيكٍ منهجيٍّ لبُنى الدولة الوطنية الحديثة، عبر تخليق الانفصالات الداخلية وإشعال الفتن التي تُعيد المجتمعات إلى مكوّناتها الأولية، قبيلةً وطائفةً وإثنيةً. هذا التفكيك لا يأتي من الخارج فحسب، بل يجد في الداخل من يُغذّيه، سواء بدافع الجهل، أو المصلحة، أو الإحباط من مشروع الدولة ذاته.
صحيح أننا في العالم العربي نعاني من مشكلات بنيوية كثيرة، لا تتعلق فقط بسوء الفهم الأيديولوجي أو بالاصطفاف بين يمين رأسمالي ويسار ماركسي، بل بجذرٍ أعمق يتمثل في عطب الوعي الثقافي ذاته. فالقضية ليست صراعًا بين أنظمة اقتصادية بقدر ما هي صراع على المعنى كيف نفهم الحرية؟ كيف نتصور الإنسان؟ وما هي الغاية من التقدم؟
الليبرالية، حين تُنقل إلى فضاءٍ لم يكتمل فيه بعدُ وعي الذات التاريخية، تتحول إلى شعار استهلاكي أكثر من كونها مشروعًا ثقافيًا. والرأسمالية، حين تُستورد دون بنية قيمية تؤمن بالمسؤولية الأخلاقية، تتحول إلى فسادٍ مقنَّنٍ باسم الحرية. والماركسية، حين تُزرع في تربةٍ لم تعرف بعدُ معنى الفرد وحقّه في الاختلاف، تتحول إلى سلطةٍ عقائديةٍ جديدةٍ تحرس المساواة بالسيف وتقتل الوعي باسم العدالة.
لكنّ الخطر الأعمق الذي استثمر في فشل الطرفين معًا هو الإسلام السياسي، الذي ملأ الفراغ الذي خلّفته الحداثة الناقصة، فحوّل الدين من قيمةٍ روحيةٍ إلى أداةٍ للصراع السياسي. لقد خرج من رحم الفشل الاجتماعي والاقتصادي العربي، متغذّيًا على شعورٍ جمعيٍّ بالهزيمة، فاستثمر الإحباط ليقدّم ذاته بديلاً خلاصياً يَعِدُ باستعادة المجد الضائع. غير أنّ هذا الخطاب، الذي بدأ بشعار الإحياء، انتهى إلى منطق الإقصاء، إذ استبدل الإيمان بالولاء، والعبادة بالطاعة، والفكر بالشعار.
الإسلام السياسي في صورته التنظيمية لم يكن مشروعًا إصلاحيًا للدولة بقدر ما كان مشروعًا بديلًا لها؛ إذ رأى في الجماعة نموذج الدولة الموازية، وفي البيعة بديلاً عن العقد الاجتماعي، وفي السمع والطاعة بديلاً عن الحرية والمواطنة. هكذا تحوّل الدين إلى هوية سياسية مغلقة، لا تُقاس فيها التقوى بالضمير، بل بالانتماء التنظيمي، ولا يُحدَّد الصالح بالخلق، بل بالموقف الأيديولوجي.
وكلما ازداد الإسلام السياسي انخراطًا في السلطة، ازداد انفصالًا عن الروح التي أنشأته. لقد تبنّى أدوات الدولة الحديثة من إدارة وبيروقراطية وإعلام، لكنه حوّلها إلى أجهزة دعائية تخدم "المشروع" لا الإنسان. واستعار خطاب المظلومية ليبرّر استبداده، كما تستعير الأنظمة الشمولية خطاب الأمن القومي لتبرير القمع. ومن هنا نشأت المفارقة الكبرى تيار جاء باسم التحرر من الطغيان انتهى إلى إعادة إنتاج الطغيان في ثوبٍ مقدّس.
الإسلام السياسي، في جوهره، لا يؤمن بالفرد الحرّ، بل بـالمؤمن المنضبط، ولا يرى في المجتمع تنوعًا مشروعًا، بل ساحةً للفرز بين نقيّ ومنحرف، بين نحن وهم وكافر ومؤمن. وهكذا يصبح الدين، الذي كان في أصله خطابًا للتحرر، وسيلةً لإعادة إنتاج الاستبداد في صيغةٍ رمزيةٍ تخلط بين المطلق الإلهي والمطلق الحزبي، وتحوّل النصّ إلى أداة شرعنةٍ لا إلى فضاء تفكيرٍ وتأويل.
ما نحتاجه اليوم ليس تكرار المدائح لأي نظام اقتصادي أو ديني، بل إعادة بناء مفهوم الإنسان الحرّ من داخل ثقافتنا؛ الإنسان الذي يملك ذاته لا لأن السوق منحه ذلك، ولا لأن الجماعة باركته، بل لأن وعيه بثقافته وكرامته جعله حرًّا في الاختيار والتفكير. فالرأسمالية حين تفقد بعدها الإنساني تتحول إلى غابةٍ للمضاربة، والماركسية حين تفقد بعدها الروحي تتحول إلى سجنٍ للجماعة، والإسلام السياسي حين يفقد بعده الإيماني يتحول إلى سلطةٍ تراقب الضمائر وتكمّم العقول.
تقوم استراتيجية تفكيك الدول على آلية مزدوجة ضرب الثقة الرأسية بين المواطن والدولة، وضرب الثقة الأفقية بين مكوّنات المجتمع نفسه. في الحالة الأولى، تُصوَّر الدولة بوصفها عدوًّا لمواطنيها، لا إطارًا جامعًا لهم؛ وفي الحالة الثانية، يُعاد تعريف الجار على أنه تهديد، والمواطن المختلف على أنه خصم. وهكذا يُعاد بناء الخوف الجماعي على أسسٍ جديدةٍ تُفكّك الشعور بالمصير المشترك.
أما تخليق الانفصالات، فهو ليس مجرد حدثٍ سياسيٍّ، بل عملية ثقافيةٍ عميقةٍ تُعيد تشكيل الوعي الجمعي. إذ تُبنى السرديات الجديدة على فكرة المظلومية والخصوصية، فيتحول الانقسام من نزاعٍ مرحليٍّ إلى هويةٍ قائمةٍ بذاتها. هنا تتحوّل اللغة إلى أداة فصلٍ لا وصل، والإعلام إلى أداة تحريضٍ لا وعي، والدين إلى رايةٍ لتقسيم الأمة بدل توحيدها.
نحن أمام مفترقٍ تاريخيٍّ يتطلب أن نمارس الحفر الثقافي في وعينا الحديث، لا لنهاجم الليبرالية أو نُمجّد الماركسية أو نُجرّم الإسلام السياسي، بل لنفهم كيف تشكّل وعينا الاقتصادي والديني والسياسي تحت تأثير منظوماتٍ وافدة أو مشوّهة لم تُفكَّك بعد. صحيح أن الغرب نجح في عقلنة الرأسمالية وتطويعها لصالح الإبداع والتطور، لكنّنا لم ننجح بعد في عقلنة الحرية نفسها داخل ثقافتنا، ولم ننجح أيضًا في تحييد الدين عن ابتزاز السياسة له باسم الهوية.
إننا بحاجة إلى نقدٍ ثلاثيٍّ متكامل نقد التبعية العمياء لكل ما هو غربي باسم الحداثة، ونقد الانغلاق الشعبوي الذي يُلبس الجهل لبوس الأصالة، ونقد الإسلام السياسي الذي صادر الدين ليحوله إلى مشروع سلطة. ما لم نُنجز هذا النقد الحفري العميق، ستظل المجتمعات العربية تائهةً بين ليبراليةٍ مشوّهةٍ تُشرعن الهيمنة، ويسارٍ عقيمٍ يعيش على أوهام الثورة المؤجلة، وتديّنٍ سياسيٍّ يقدّس الانقياد ويُشيطن الحرية.
لقد تحوّل الوطن العربي إلى خريطةٍ من الفجوات النفسية والاجتماعية، أكثر منه خريطة جغرافية. نحن نعيش زمن ما بعد الدولة، حيث تغيب المؤسسات الحامية، وتُستبدل بالعشائر، والمليشيات، والمنظمات العابرة للحدود. وتصبح الفوضى في هذه الحالة نظامًا جديدًا له قواعده، وله سادةٌ جدد يملكون مفاتيحه.
الحلّ ليس في اختيار أحد الطرفين، ولا في العودة إلى المثال الديني المغلق، بل في تأسيس حداثةٍ شرقيةٍ عاقلة، تُعيد تعريف الحرية والملكية والعدالة والإيمان من داخل طبقاتنا الثقافية العميقة، لا من قوالب الأيديولوجيات المستوردة أو الشعارات الدعوية. إنّ استعادة الدولة ليست مسألة سياسية فقط، بل ثقافيةٌ وروحيةٌ في آنٍ واحد. إنها تبدأ من استعادة الثقة بالعقل الجمعي، وبالقدرة على صياغة معنى جديدٍ للمواطنة، معنى لا يقوم على الطاعة ولا على الهوية الدينية الضيقة، بل على الشراكة الواعية والمسؤولية الأخلاقية. فالدولة لا تُبنى بالشعارات، بل بالوعي، ولا تُحمى بالقوة، بل بالمشترك الإنساني الذي يجعل الناس يشعرون أنّهم جزءٌ من كيانٍ لا يمكن استبداله.

خالد الحديدي كاتب وباحث من مصر

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى