عبدالمنعم الهراق - يوميات بائع كتب... حراس الذاكرة، عندما تتحول المدن إلى كتب .

وصلتني اليوم إصدارات جديدة تحمل رائحة التراب البعيد، كتب من تأليف المؤرخ المغربي محمد بوزيان بنعلي، الذي آثر أن يجعل من منطقته "فجيج " ذاكرة مكتوبة، بعد أن راكم عدة مصنفات ، كأنما يخشى على الحكاية من الضياع إن لم تُقيد بالحبر.
وأنا أقلب هذه العناوين وأرتبها في الرفوف ، وجدتني أستعيد في صمت مهيب سيرة أولئك الذين آمنوا أن المدن تعيش بأسوارها وأسواقها، وبأقلام من يؤرخون لها. من الذين سكنت مؤلفاتهم أجنحة التاريخ ، وتعرفت عليها عن قرب ، تصفحتها وقدمتها للقراء عبر ثلاثة عقود خلت ، أستعيد شريط ذكرياتي معهم ، كوكبة منهم مرّوا من هنا :
العلامة محمد المختار السوسي، الذي جعل من جهة سوس عالَما قائما بذاته، وخلّدها في موسوعته "المعسول"، حتى غدت مرجعا لا يُجارى.
المؤرخ محمد داود، الذي أعاد بناء تطوان بالحروف في موسوعته "تاريخ تطوان"، و أبو العباس الرهوني في سلسلته " عمدة الراوين " ، و أحمد بن محمد المرير في موسوعته " النعيم المقيم " ، كما لا يمكن أن تُذكر مراكش دون ابن إبراهيم المراكشي، صاحب "الإعلام بمن حل بمراكش وأغمات من الأعلام" ، وحسن جلاب الذي تتبع تاريخ أعلام المدينة الحمراء ، وعراصيها وتراثها المادي واللامادي .
أما فاس، فقد تناوب على تدوين ذاكرتها ثلة من الأعلام: مثل الجزنائي في "كتاب تاريخ مدينة فاس المعروف بزهرة الآس" ، عبد الكبير الكتاني في " زهر الآس في بيوتات أهل فاس "، محمد بن جعفر الكتاني في "سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس" ، و علي بن أبي زرع في " الأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس "، فصارت المدينة بفضلهم نصا مفتوحا على قرون من العلم والحياة.
وفي مدينة سلا، تطل أسماء مؤرخين مثل : محمد الدكالي في " الاتحاف الوجيز تاريخ العدوتين " ، عبد العزيز بنعبد الله في "سلا أولى حاضرتي أبي رقراق" ، والمستشرق جان كوستي في " بيوتات مدينة سلا"، و محمد السعديين في " إضاءات تاريخية حول سلا من التأسيس إلى الوقت الراهن" ، كلهم شاهدين على ذاكرة مدينة ظلت قريبة من النهر والتاريخ معا.
أما مكناس، فقد احتفظت لنفسها بمجدها عبر قلم المؤرخين ، عبد الرحمان ابن زيدان في "إتحاف أعلام الناس" ، محمد ابن غازي المكناسي في "الروض الهتون "، والمصطفى بن فايدة في" مكناس جولة في التاريخ والمعالم".
ولم يكن هذا الشغف حكرا على المدن الكبرى، فـالمؤرخ مصطفى عربوش أفنى عمره في توثيق منطقة أزيلال بني ملال ، أصدر عدة مصنفات في تاريخ تلك الجهة ، بينما جعل المؤرخ خليل جزوليت مدينة الرباط مشروع حياة، لا يترك شاردة ولا واردة إلا ودوّنها في مؤلفاته التي تجاوزت العشرين، وكأنه يعيد كتابة العاصمة مرة بعد أخرى.
تبرز أيضا جهود البحاثة محمد العربي العسري ومحمد أخريف ، في المجهود الجبار الذي قدماه في توثيق ذاكرة مدينة القصر الكبير تحت غطاء جمعية البحث التاريخي والاجتماعي القصر الكبير .
هؤلاء جميعا لم يكونوا مجرد مؤرخين، لكنهم تحولوا إلى حرّاس ذاكرة، كل واحد منهم وقف في وجه النسيان، ليلتقط ما يتساقط من حكايات الناس في مدينته ، ويعيد نسجه في كتب تصير مع الزمن أوطانا بديلة.
وأنا، بائع الكتب، لا أملك إلا أن أكون حلقة صغيرة في هذه السلسلة: أمدّ يدي بكتاب من رفّ صامت، وأنا أعلم ، أنني أقدّم مدينة كاملة، وليس مجرد صفحات.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى