مساهمتي في ملف أنجزته مجلة المنظمة المغربية لحقوق الإنسان بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة.
حرية الصحافة، في جوهرها العميق، أكبر من مجرد حق قانوني يُنصّ عليه في الدساتير والمواثيق الدولية، إذ هي، قبل ذلك وبعده، ممارسة وجودية تُعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والحقيقة. فهي حرية في القول وحرية في إنتاج المعنى داخل عالم يتكاثر فيه الزيف بقدر ما تتكاثر فيه الوقائع.
لقد تمّ النظر دوما إلى حرية الصحافة باعتبارها امتدادًا طبيعيًا لحرية التعبير، كما نصّت عليها المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. غير أن هذا التصور، رغم أهميته التأسيسية، يظلّ كلاسيكيا وقاصرًا عن استيعاب التحولات العميقة التي مست طبيعة الحقيقة ذاتها في عصرنا الرقمي. لم تعد المسألة متعلقة فقط بحق الصحفي في الوصول إلى المعلومة ونشرها، بل أصبحت مرتبطة بقدرته على مقاومة ما يمكن تسميته بـ"تضخم الواقع"، حيث تختلط الوقائع بالتأويلات، والأخبار بالتمثيلات، والحقيقة بالسرديات المتنافسة.
تواجه حرية الصحافة اليوم مفارقة مزدوجة: فمن جهة، هناك توسّع غير مسبوق في إمكانيات التعبير والنشر بفضل الوسائط الرقمية، ومن جهة أخرى، هناك تضييق خفي يتخذ أشكالًا أكثر تعقيدًا من الرقابة التقليدية. لم تعد الرقابة دائمًا قرارًا سياسيًا مباشرًا (اعتقال، إغلاق، منع، سجن...)، بل تحوّلت إلى بنية منتشرة داخل الاقتصاد الإعلامي نفسه، حيث تتحكم الخوارزميات في ترتيب الأولويات، وتفرض المنصات منطقها الخاص في إنتاج القابلية للرؤية.
لم يعد سؤال "هل الصحافة حرة؟" ناجعا بل أصبح التساؤل عن "أي نوع من الحرية تمارسه الصحافة؟" هو المحوري، هل تُنتج حرية الصحافة المعرفة، أم هي حرية تُعيد تدوير الانتباه؟ هل نحن أمام صحافة تشتغل بوصفها سلطة مضادة، أم بوصفها امتدادًا لمنطق السوق؟
لذلك يكتسب النقاش حول حرية الصحافة في المغرب خصوصيته المركبة. فبين نصوص قانونية تُقرّ بحرية التعبير وممارسة ميدانية تُظهر تفاوتًا في هوامش الحرية، تتشكل منطقة رمادية تحتاج إلى قراءة دقيقة. لا يمكن اختزال الإشكال في ثنائية القمع/الحرية، بل ينبغي التفكير فيه كحقل توتر بين الدولة، والسوق، والمجتمع، حيث تتقاطع اعتبارات الأمن، والاستقرار والشرعية، مع رهانات الاستقلالية المهنية وأخلاقيات المهنة.
غير أن التحدي الأكبر لا يكمن فقط في الضغوط الخارجة عن المهنة، بل أيضًا في التحولات الداخلية التي مست بنية العمل الصحفي ذاته. فمع تسارع الإيقاع الإخباري، وتراجع الزمن التأملي، أصبحت الصحافة مهددة بفقدان عمقها التحليلي لصالح السرعة. وهنا تبرز مفارقة أخرى: فحرية الصحافة قد تتحقق شكليًا، بينما تفقد جوهرها المعرفي، مما يفرض ألاّ يظل الدفاع عن حرية الصحافة، محصورًا في الأفق التقليدي: المطالبة برفع القيود القانونية وتوسيع هوامش الحرية، بل ينبغي أن يتوسع ليشمل الدفاع عن شروط إنتاج معرفة صحفية حقيقية: صحافة قادرة على التحقيق، على الشك، على بناء السرديات المعقدة، وعلى مقاومة التبسيط المخلّ.
إن حرية الصحافة ذات مسؤولية مزدوجة: مسؤولية المجتمع في حماية الصحفيين، ومسؤولية الصحفيين في حماية روح المجتمع وقيمه والانفتاح على كل مكتسب كوني. لأن أخطر ما يهدد حرية الصحافة اليوم ليس فقط الرقابة والمنع، بل التفاهة والامتثال غير الواعي لمنطق السطح.
قد يكون من المفيد هنا استحضار البعد الفلسفي للحرية كما طرحه هيدغر، حين ربط الحرية بانكشاف الحقيقة (Aletheia)، لا بمجرد غياب الإكراه. فالصحافة الحرة ليست تلك التي تقول ما تشاء، بل تلك التي تفتح أفقًا لانكشاف ما يجب أن يُقال، حتى وإن كان ذلك مزعجًا أو غير مرغوب فيه.
وفي عالم تتكاثر فيه الأصوات ويتعاظم فيه الضجيج والثرثرة، تصبح القيمة الحقيقية لحرية الصحافة في قدرتها على التمييز. إنها فنّ الإنصات للتحولات الكبرى والتعبير عنها.
لم تعد حرية الصحافة معركة قانونية في تقديري، على أهمية بعد الانفتاح وتغيير القوانين المكبلة لحرية التعبير، بل معركة على مستوى أعمق: معركة من أجل الحقيقة، ومن أجل الحق في عالم قابل للفهم. وهي ليست امتيازًا للصحفيين وحدهم، بل شرطًا لوجود مجتمع قادر على التفكير في ذاته.
حين نتحدث عن حرية الصحافة في المغرب، فإننا لا نقارب مجرد حق دستوري أو مطلب حقوقي، بقدر ما نلامس سؤالا عميقا عن شكل الحقيقة الممكنة داخل فضاء سياسي تحكمه، في الآن ذاته، إرادة الانفتاح ومنطق الضبط.
لقد عرفت الصحافة المغربية، منذ نشأتها الحديثة، توترًا بنيويًا بين وظيفتين: وظيفة التعبير ووظيفة الوساطة. فهي، من جهة، فضاء لإنتاج خطاب نقدي، ومن جهة أخرى، أداة لإعادة توزيع الشرعية داخل الحقل السياسي. هذا التوتر ظل جزءا من تاريخ تشكّل الدولة الحديثة نفسها، حيث لم تكن الصحافة سلطة رابعة مكتملة الاستقلال، بل فاعلًا يتحرك داخل شبكة من التوازنات الدقيقة بين المركز والهامش، بين الرسمي والمعارض، بين المسموح والمسكوت عنه.
في هذا الإطار، لا يمكن فهم وضع حرية الصحافة دون استحضار ما يمكن تسميته بـ"اقتصاد الحقيقة" في المغرب. حيث تُعاد صياغة الحقيقة داخل منظومة من الاعتبارات السياسية، والأمنية، والاجتماعية، وحتى الرمزية. ولذلك، فإن الصحفي لا يجد نفسه فقط في مواجهة سؤال "ماذا أكتب؟"، بل أيضًا "كيف أكتب؟" و"إلى أي حد يمكن أن يُقال ما سأكتب؟"
لقد شهد المغرب، خلال العقود الأخيرة، تحولات مهمة على مستوى الإطار القانوني والمؤسساتي، خاصة مع دستور 2011 الذي رسّخ، نظريًا، حرية التعبير والصحافة. غير أن هذه المكتسبات، على أهميتها، تظلّ محكومة بحدود الممارسة، حيث تستمر أشكال من الضبط غير المباشر في التأثير على العمل الصحفي. فإلى جانب القوانين، هناك ما يمكن تسميته بـ"الرقابة الناعمة": ضغط الإشهار، هشاشة المقاولات الإعلامية، التبعية الاقتصادية، والخوف من العزلة المهنية.
لذلك فإن التحدي الحقيقي لحرية الصحافة يكمن في البنية التي تُنتج الصحافة نفسها. فكيف يمكن الحديث عن صحافة حرة في سياق يعاني فيه الإعلام من ضعف الاستقلال الاقتصادي؟ وكيف يمكن للصحفي أن يمارس دوره النقدي في ظل سوق إعلامي غير متوازن، حيث تصبح الاستمرارية مرهونة أحيانًا بالامتثال أكثر من الجرأة؟ إننا أمام مفارقة دقيقة: حرية تعبير متاحة نظريًا لكنها مشروطة عمليًا. وهذا ما يجعل من حرية الصحافة في المغرب حالة "حدّية": فهي ليست قمعًا صريحًا كما في الأنظمة المغلقة، ولا حرية مكتملة كما في الديمقراطيات المستقرة، بل وضعًا بينيًّا يتطلب أدوات تحليل تتجاوز الثنائيات الجاهزة.
غير أن التركيز على الدولة وحدها لا يكفي. فالمجتمع نفسه يلعب دورًا في تشكيل حدود الحرية. ففي سياق تتداخل فيه القيم التقليدية مع تحولات الحداثة، تصبح بعض المواضيع حساسة ليس فقط سياسيًا، بل اجتماعيًا وثقافيًا أيضًا. وهنا يجد الصحفي نفسه أمام رقابتين: رقابة السلطة ورقابة المجتمع.
ثم إن التحول الرقمي أضاف طبقة جديدة من التعقيد. فقد وسّعت المنصات الرقمية من إمكانيات التعبير، لكنها في الوقت ذاته أدخلت الصحافة في منطق جديد تحكمه السرعة، والسبق وجذب الانتباه. وهكذا، أصبحت الحقيقة نفسها مهددة بالاختزال، وأصبح الصحفي مطالبًا بالتوفيق بين مطلب العمق وضغط اللحظة.
لذلك تبرز الحاجة اليوم إلى إعادة التفكير في حرية الصحافة بوصفها ممارسة معرفية قبل أن تكون حقًا قانونيًا. فالصحافة، في جوهرها، ليست مجرد نقل للأخبار، بل منح الناس نصيبهم من الحقيقة. وحين تفقد هذا البعد، فإنها قد تظل "حرة" شكليًا، لكنها تفقد وظيفتها النقدية حيث لا تكتفي بالكشف، بل تُنصت لما يتوارى خلف الوقائع.
إن مستقبل حرية الصحافة في المغرب لن يُحسم فقط عبر الإصلاحات القانونية، بل عبر بناء بيئة صحفية قادرة على الاستقلال الاقتصادي، وعلى ترسيخ أخلاقيات مهنية صلبة، وعلى إنتاج معرفة تتجاوز السطح. كما أنه يظل رهينًا بمدى قدرة المجتمع على تقبّل الاختلاف، وعلى اعتبار النقد شرطًا للتقدم لا تهديدًا له.
تعتبر حرية الصحافة معيارا لمدى نضج المجال العمومي. وكلما اتسعت مساحة السؤال، اتسعت معها إمكانيات الفهم. وربما، في هذا تحديدًا، تكمن المهمة الأعمق للصحافة: أن تجعل المجتمع قادرًا على أن يرى نفسه، لا كما يريد أن يكون، بل كما هو.
حرية الصحافة، في جوهرها العميق، أكبر من مجرد حق قانوني يُنصّ عليه في الدساتير والمواثيق الدولية، إذ هي، قبل ذلك وبعده، ممارسة وجودية تُعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والحقيقة. فهي حرية في القول وحرية في إنتاج المعنى داخل عالم يتكاثر فيه الزيف بقدر ما تتكاثر فيه الوقائع.
لقد تمّ النظر دوما إلى حرية الصحافة باعتبارها امتدادًا طبيعيًا لحرية التعبير، كما نصّت عليها المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. غير أن هذا التصور، رغم أهميته التأسيسية، يظلّ كلاسيكيا وقاصرًا عن استيعاب التحولات العميقة التي مست طبيعة الحقيقة ذاتها في عصرنا الرقمي. لم تعد المسألة متعلقة فقط بحق الصحفي في الوصول إلى المعلومة ونشرها، بل أصبحت مرتبطة بقدرته على مقاومة ما يمكن تسميته بـ"تضخم الواقع"، حيث تختلط الوقائع بالتأويلات، والأخبار بالتمثيلات، والحقيقة بالسرديات المتنافسة.
تواجه حرية الصحافة اليوم مفارقة مزدوجة: فمن جهة، هناك توسّع غير مسبوق في إمكانيات التعبير والنشر بفضل الوسائط الرقمية، ومن جهة أخرى، هناك تضييق خفي يتخذ أشكالًا أكثر تعقيدًا من الرقابة التقليدية. لم تعد الرقابة دائمًا قرارًا سياسيًا مباشرًا (اعتقال، إغلاق، منع، سجن...)، بل تحوّلت إلى بنية منتشرة داخل الاقتصاد الإعلامي نفسه، حيث تتحكم الخوارزميات في ترتيب الأولويات، وتفرض المنصات منطقها الخاص في إنتاج القابلية للرؤية.
لم يعد سؤال "هل الصحافة حرة؟" ناجعا بل أصبح التساؤل عن "أي نوع من الحرية تمارسه الصحافة؟" هو المحوري، هل تُنتج حرية الصحافة المعرفة، أم هي حرية تُعيد تدوير الانتباه؟ هل نحن أمام صحافة تشتغل بوصفها سلطة مضادة، أم بوصفها امتدادًا لمنطق السوق؟
لذلك يكتسب النقاش حول حرية الصحافة في المغرب خصوصيته المركبة. فبين نصوص قانونية تُقرّ بحرية التعبير وممارسة ميدانية تُظهر تفاوتًا في هوامش الحرية، تتشكل منطقة رمادية تحتاج إلى قراءة دقيقة. لا يمكن اختزال الإشكال في ثنائية القمع/الحرية، بل ينبغي التفكير فيه كحقل توتر بين الدولة، والسوق، والمجتمع، حيث تتقاطع اعتبارات الأمن، والاستقرار والشرعية، مع رهانات الاستقلالية المهنية وأخلاقيات المهنة.
غير أن التحدي الأكبر لا يكمن فقط في الضغوط الخارجة عن المهنة، بل أيضًا في التحولات الداخلية التي مست بنية العمل الصحفي ذاته. فمع تسارع الإيقاع الإخباري، وتراجع الزمن التأملي، أصبحت الصحافة مهددة بفقدان عمقها التحليلي لصالح السرعة. وهنا تبرز مفارقة أخرى: فحرية الصحافة قد تتحقق شكليًا، بينما تفقد جوهرها المعرفي، مما يفرض ألاّ يظل الدفاع عن حرية الصحافة، محصورًا في الأفق التقليدي: المطالبة برفع القيود القانونية وتوسيع هوامش الحرية، بل ينبغي أن يتوسع ليشمل الدفاع عن شروط إنتاج معرفة صحفية حقيقية: صحافة قادرة على التحقيق، على الشك، على بناء السرديات المعقدة، وعلى مقاومة التبسيط المخلّ.
إن حرية الصحافة ذات مسؤولية مزدوجة: مسؤولية المجتمع في حماية الصحفيين، ومسؤولية الصحفيين في حماية روح المجتمع وقيمه والانفتاح على كل مكتسب كوني. لأن أخطر ما يهدد حرية الصحافة اليوم ليس فقط الرقابة والمنع، بل التفاهة والامتثال غير الواعي لمنطق السطح.
قد يكون من المفيد هنا استحضار البعد الفلسفي للحرية كما طرحه هيدغر، حين ربط الحرية بانكشاف الحقيقة (Aletheia)، لا بمجرد غياب الإكراه. فالصحافة الحرة ليست تلك التي تقول ما تشاء، بل تلك التي تفتح أفقًا لانكشاف ما يجب أن يُقال، حتى وإن كان ذلك مزعجًا أو غير مرغوب فيه.
وفي عالم تتكاثر فيه الأصوات ويتعاظم فيه الضجيج والثرثرة، تصبح القيمة الحقيقية لحرية الصحافة في قدرتها على التمييز. إنها فنّ الإنصات للتحولات الكبرى والتعبير عنها.
لم تعد حرية الصحافة معركة قانونية في تقديري، على أهمية بعد الانفتاح وتغيير القوانين المكبلة لحرية التعبير، بل معركة على مستوى أعمق: معركة من أجل الحقيقة، ومن أجل الحق في عالم قابل للفهم. وهي ليست امتيازًا للصحفيين وحدهم، بل شرطًا لوجود مجتمع قادر على التفكير في ذاته.
حين نتحدث عن حرية الصحافة في المغرب، فإننا لا نقارب مجرد حق دستوري أو مطلب حقوقي، بقدر ما نلامس سؤالا عميقا عن شكل الحقيقة الممكنة داخل فضاء سياسي تحكمه، في الآن ذاته، إرادة الانفتاح ومنطق الضبط.
لقد عرفت الصحافة المغربية، منذ نشأتها الحديثة، توترًا بنيويًا بين وظيفتين: وظيفة التعبير ووظيفة الوساطة. فهي، من جهة، فضاء لإنتاج خطاب نقدي، ومن جهة أخرى، أداة لإعادة توزيع الشرعية داخل الحقل السياسي. هذا التوتر ظل جزءا من تاريخ تشكّل الدولة الحديثة نفسها، حيث لم تكن الصحافة سلطة رابعة مكتملة الاستقلال، بل فاعلًا يتحرك داخل شبكة من التوازنات الدقيقة بين المركز والهامش، بين الرسمي والمعارض، بين المسموح والمسكوت عنه.
في هذا الإطار، لا يمكن فهم وضع حرية الصحافة دون استحضار ما يمكن تسميته بـ"اقتصاد الحقيقة" في المغرب. حيث تُعاد صياغة الحقيقة داخل منظومة من الاعتبارات السياسية، والأمنية، والاجتماعية، وحتى الرمزية. ولذلك، فإن الصحفي لا يجد نفسه فقط في مواجهة سؤال "ماذا أكتب؟"، بل أيضًا "كيف أكتب؟" و"إلى أي حد يمكن أن يُقال ما سأكتب؟"
لقد شهد المغرب، خلال العقود الأخيرة، تحولات مهمة على مستوى الإطار القانوني والمؤسساتي، خاصة مع دستور 2011 الذي رسّخ، نظريًا، حرية التعبير والصحافة. غير أن هذه المكتسبات، على أهميتها، تظلّ محكومة بحدود الممارسة، حيث تستمر أشكال من الضبط غير المباشر في التأثير على العمل الصحفي. فإلى جانب القوانين، هناك ما يمكن تسميته بـ"الرقابة الناعمة": ضغط الإشهار، هشاشة المقاولات الإعلامية، التبعية الاقتصادية، والخوف من العزلة المهنية.
لذلك فإن التحدي الحقيقي لحرية الصحافة يكمن في البنية التي تُنتج الصحافة نفسها. فكيف يمكن الحديث عن صحافة حرة في سياق يعاني فيه الإعلام من ضعف الاستقلال الاقتصادي؟ وكيف يمكن للصحفي أن يمارس دوره النقدي في ظل سوق إعلامي غير متوازن، حيث تصبح الاستمرارية مرهونة أحيانًا بالامتثال أكثر من الجرأة؟ إننا أمام مفارقة دقيقة: حرية تعبير متاحة نظريًا لكنها مشروطة عمليًا. وهذا ما يجعل من حرية الصحافة في المغرب حالة "حدّية": فهي ليست قمعًا صريحًا كما في الأنظمة المغلقة، ولا حرية مكتملة كما في الديمقراطيات المستقرة، بل وضعًا بينيًّا يتطلب أدوات تحليل تتجاوز الثنائيات الجاهزة.
غير أن التركيز على الدولة وحدها لا يكفي. فالمجتمع نفسه يلعب دورًا في تشكيل حدود الحرية. ففي سياق تتداخل فيه القيم التقليدية مع تحولات الحداثة، تصبح بعض المواضيع حساسة ليس فقط سياسيًا، بل اجتماعيًا وثقافيًا أيضًا. وهنا يجد الصحفي نفسه أمام رقابتين: رقابة السلطة ورقابة المجتمع.
ثم إن التحول الرقمي أضاف طبقة جديدة من التعقيد. فقد وسّعت المنصات الرقمية من إمكانيات التعبير، لكنها في الوقت ذاته أدخلت الصحافة في منطق جديد تحكمه السرعة، والسبق وجذب الانتباه. وهكذا، أصبحت الحقيقة نفسها مهددة بالاختزال، وأصبح الصحفي مطالبًا بالتوفيق بين مطلب العمق وضغط اللحظة.
لذلك تبرز الحاجة اليوم إلى إعادة التفكير في حرية الصحافة بوصفها ممارسة معرفية قبل أن تكون حقًا قانونيًا. فالصحافة، في جوهرها، ليست مجرد نقل للأخبار، بل منح الناس نصيبهم من الحقيقة. وحين تفقد هذا البعد، فإنها قد تظل "حرة" شكليًا، لكنها تفقد وظيفتها النقدية حيث لا تكتفي بالكشف، بل تُنصت لما يتوارى خلف الوقائع.
إن مستقبل حرية الصحافة في المغرب لن يُحسم فقط عبر الإصلاحات القانونية، بل عبر بناء بيئة صحفية قادرة على الاستقلال الاقتصادي، وعلى ترسيخ أخلاقيات مهنية صلبة، وعلى إنتاج معرفة تتجاوز السطح. كما أنه يظل رهينًا بمدى قدرة المجتمع على تقبّل الاختلاف، وعلى اعتبار النقد شرطًا للتقدم لا تهديدًا له.
تعتبر حرية الصحافة معيارا لمدى نضج المجال العمومي. وكلما اتسعت مساحة السؤال، اتسعت معها إمكانيات الفهم. وربما، في هذا تحديدًا، تكمن المهمة الأعمق للصحافة: أن تجعل المجتمع قادرًا على أن يرى نفسه، لا كما يريد أن يكون، بل كما هو.