كواليس: بفأسٍ تتشعب رؤوسها انقض صاحب الظل الطويل على ظله كي يتكسر.. نسيَ جودي بلا سندٍ ولا متكأ ولا حتى رسالةٍ تربت على الأحلام.
بأسنانٍ كالسكين عض الأمير على فردة الحذاء لتتفتت، تاركًا سندريلا لسياط الخالة.
بانشداه البُلَهاء حدق الصياد في الذئب إذ يأكل ليلى والجدة..
بسكون الخائن باع الأقزام الكوخَ لجنود الملكة الغيورة تاركين بياض الثلج تبتلع الفجيعة..
بمرارة علك الأحلام راقبتهن وناديتُ بالدموع جدتي فغابت.. كانت تجدل من خيوط الخيبة ضفائرَ الحكايات الجديدة.. حيث لا حضن تلوذ به الأميرات غير التيه المشرع في الغابة.
حكاية-1
كانت أمي جائعةً وموجوعةً، قبل أن يفجعها نبأ كوني أنثى. انكفأت على حبل السرة تقضمه فغمر وجهَها دمي. بينما قفزت الداية التي أجفلتها البغتة وراحت تهيم في شوارع بلدتنا تقسم أننا سلالة متوحشة، تاركةً نصف الحبل منطلقًا من بطني كذكر عجوزٍ خانته رجولته. ظلت أمي تعلك ما ابتلعت من القطعة المعضوضة. وعبثًا راح أبي يضربها، لعلها تقتنع بتناول وجباتٍ بديلة. كانت تحلف أنها لن تغفر لذاتها إنجاب من تحمل كل هذه الأوزار.
فيما قضيتُ أنا سنوات عمري أعيد محاولاتي بقطع الحبل الذي تعفن. كلما تخلصتُ من بعضه سالت منه دماءٌ جديدة.
ما زال صوت الداية يصفعني بصداه. وضربات أبي المنهالة على فم أمي لم تمنع مني الصراخ. فيما أسناني التي كلما نبتت تكسرَت، تظل تسخر من مساعي الفاشلة.
حكاية-2
كانوا فريقَ خياطين يرتقون ما تمزق من صرخاتي كي يثبتَ فوق شفاهي الثوب كاملاً: ما هو الحب؟ ولماذا لا يعرفه إلهكم الغريب؟ منذ عفرَت رأسي انتباشاتُ السؤال. وسمعتُ رنين الصفعة الأولى على خدي قبل أن تعكس المرآة ما بصمَت فيه الأصابع. حدة التوبيخ في نبرات أمي: لا تمسحي غبار الأسئلة. وصياح معلمةٍ ثار منها الحنق على طفلة خانت أغانيَ اليقين إذ فتحت لذاك السؤال كوةً فأطل منه الرأس كجنينٍ يركل رحم أمه أملًا بتذوق الحياة.
جاءوني بشيخ ردد تعوذياته على شرشفٍ غطاني كيلا يفتنه صدري الذي ما نتأ بعد. «مسكونةٌ هي بعاشقٍ لن يبيح للرجل الحلال أن يمارس حقه الشرعي». قال «لن يدع للنوم سبيلاً إليها ولا إلى الكلام ما ينمق الكلام». وتركني للعتمة وهذيان ظلا رفيقي عمرًا بعدها. وكبرتُ وسلمتُ لحقهم جسدي فاحتفوا راقصين. وابتسامة الرضى على وجه الشيخ كلما التقاني حاملًا: ها هي حرة بفضل التمائم. ها هي تجلي انتصاري عليه.
وكنت أحبل بالسؤال يتوالد في كل يومٍ كل لحظةٍ كل همسةٍ أو صمت.
فصرخت بعد عقودٍ أربعة: خذوا يقينكم فهذا السؤال لم يعد رأسًا يطل من عنق رحم يخنقه. بات مولودًا رضع حليب أفكارٍ فنبتت له أسنانٌ وأنياب نهشت مني السكون.
قالوا وقد بلغت ارجموها.. وكبوتُ يشج رأسي ما يتقاذفون فوقه من حجارتهم.. كل الذي تهشم فيّ لم يدفن ما صار حديقةً يانعةً من احتفاء اللايقين أورثتُها صغيرتي. أما نظرات أبي الموجوعة فظلت تكفن استحياءه: كيف نخرس عار من سكنته الأسئلة؟
حكاية- 3
كنتُ مثلهن أحاول توسيعَ السجن بتبييض جدرانه. بنيتُ وسط ساحته حديقتي وغرستُ فيها الأشجارَ والأزهار، ورويتُ ترابها بماء البئر المحفورة عند البوابة الحديدية العالية. حرصتُ على تنظيف بقعتي وشطف أرضيتها كل يوم، وتسامرتُ معهن في ظل الشجرة المقدسة.
كنا نتسابق في تزيين الأسيِجة بلهفة. تلك ترسم على القضبان لوحاتٍ ملونة وتلك ترش الأسياخ بالبريق واللمعان. وآمنا جميعًا أن في القفص جنتنا المدهشة.
يوم باغتتني المرآة وراودني الحلم، وأقسمتُ أن أتسلق السور أو أحطمه اتحدنَ جميعًا لردعي. ربطت أمي معصمي لئلا أتسلق، وشدت أختي وثاق ساقي كيلا تسعفني الخطوات، فجلدَتني حماتي بالسوط وسط تصفيقهن ورددَت تعاويذ ابنها ليكررن :آمين، فيما لعنتني جارتي ونعتتني بأقذع السباب، وأفتت زوجة شيخنا على لسانه بجواز قتلي. وحدها طفلتي المذهولة ظلت تحدق فيّ فاغرةً عينيها قبل الفم، ومن ملامحها يفيض أملٌ بانتصاري فزادتني مقاومة.
يوم نجحتُ بهدم السور، وأسرعتُ أجري حرةً وصغيرتي، لاحقتني شتائمهن واللعنات. بيد أن البكاء لم يحرقني، إلا إذ رأيتهن يسارعنَ لإعادة بناء الركام، وتزيين القضبان من جديدٍ بالألوان.
حكاية-4
كنتُ أرشو القطط بقطع اللحم الطري كيلا تمارسَ هوايتها في نبش أكياس القمامة ونثر البقايا على جوانب الطريق. وحدها تلك الهرة عاندَتني كل مرة بغدرٍ جديد. تأكل الشرائح ثم تصر على فتح ما رميتُ. مراتٍ راوغتني وألقت بما خبأتُ فانفضح السر، حين تلصص الجيران على المهملات. مرةً، هتف شامتٌ من المتجمعين هناك: هذي الملعونة تخفي أسرار الحياة! كان في المطمور أناواتٌ كثيرة خلعتُها مني. أنا التي كلما قضمَتني الحياة أكلتُها ابتلاعًا نهمًا وكلما ارتشفتني تجرعتُها ثم تجشأتُ كي أنقي منها ما أريد وأدفع بالباقي إلى النسيان.
هتفتُ في وجهه مزهوة: سر الحياة أن تخلع عنك ذاتك لتعتنق أنواتك المقبلة أرحب وأعمق وأسمى في آن، أن تنتزع ما حسبتَه يومًا حقيقةً لتؤمن بالشك وحده سبيلًا إليك. تهدم الماضي لتبنيَ الغد، تركل البائت لتصير ما لم تكن بعد. وقبل أن أتم حروفي عادوا اجتمعوا عليّ جميعًا من جديد، إذ اكتشفوا السر فسعَوا لسلبي أعظمَه: كبلوا أصابعي بكل ما استطاعوا من قيودٍ كيلا أتمكن من ارتداء أثوابي الجديدة.. أما أنا فازددتُ عنادًا، وسرتُ بينهم بشموخٍ عارية.
قبل الستار:
لم أكن كاتبة، ولم أسع لأن أكون. كانت الكتابة رديفَ الاحتراق، صوتَ قرقعة النيران التي لا يراها الآخرون. وحده من ذاق لهيبَ مجمرةٍ في صدره يدرك وجع أن يصفق أحدهم لوهج احتراقك ظنا خائبًا أنك تضيء. وحين انطفأ السعير واستحال رمادًا لم يعد للحرف من وجود. فهمتُ أن ما حسبته موهبةً لم يكن غير صرخةٍ موؤودة من اختناق الكبح فيها.
في العقود التي بذلتُها كي أتحرر كانت تخاتلني صور كتاباتي المقبلة. كنت أهذي بأنني يوم أنزع عني كل القيود سأكتب حروفًا محلقة. لم أفعل. حطمتُ ما صبوا حولي من جدران إسمنتية. تخلصتُ من الدين والوطن والقضايا والأيديولوجيا. نزعتُ عني أنوثتي وأعباءها. وهجرتُ حتى الله الذي سكنني طوال سنوات القهر،لأعتنقَ آخرَ لا يطالبني بالموت شرطًا ليمنحني الحياة. بيد أني إذ خلعت آخر الأصفاد فقدتُ حروفي.
تحولتُ إلى عصفورة. رأيتُني أعشق الغناء. حلمتُ بأن لصوتي عمقَ نبرات آندريا بوتشيلي حين تمتزج بعلو طبقات سارة برايت، ثم اكتشفت أن سنوات التحرر سرقت مني اللب فصار صوتي أجوف. لا حرف يسكن فيه أو يحركه. وحده شق الأفق بشبق شهوة التحليق ظل صامدًا معي. قلتُ سأرسم في رقصات عناق السماء لوحاتٍ من الدهشة. سرعان ما خانتني الألوان وفرت هاربة. كيف يرسم لوحةً من غدا بياضًا كاملا؟ لا يحلم بالسماء الحرة إلا من أوجعته أسياخ القضبان.
وأنا لم تعد توجعني منذ كسرتها بأسناني قبل أن تستحيل منقارًا ضئيلا. فكرت لوهلة أن أصيرَ راقصة باليه، وبعد جهودٍ مميتة تجلى لي الجذل: كي تنتصر في رقصةٍ لا بد من أرضية تسعى للتغلب عليها. لا يعرفها من حطم الجاذبية وطار. علقتُ نفسي في السماء كنجمةٍ تتدلى. منقاري خارج الكون وريشاتي تهف على القمر مداعبة. لم أجد سوى حروف أربعة تتطاير من بين أجنحتي مع كل دوران : ح ر ي ة .. وكنت كثيرًا ما ألقي من الياء نقاطها فأراها تتمدد أو أُبدلها بالراء بعد تقويمها.. هي الحرية أن تحيا الحياة.
لم أكن كاتبة. لا رسامة ولا مغنية ولا راقصة. كنتُ كلهن كلما سعيت أن أحيا الحياة، وكنت لا شيء كلما حسبتُ وهمًا أنني بلغت.
٭ كاتبة من فلسطين
حواء تغش الحكاية
بأسنانٍ كالسكين عض الأمير على فردة الحذاء لتتفتت، تاركًا سندريلا لسياط الخالة.
بانشداه البُلَهاء حدق الصياد في الذئب إذ يأكل ليلى والجدة..
بسكون الخائن باع الأقزام الكوخَ لجنود الملكة الغيورة تاركين بياض الثلج تبتلع الفجيعة..
بمرارة علك الأحلام راقبتهن وناديتُ بالدموع جدتي فغابت.. كانت تجدل من خيوط الخيبة ضفائرَ الحكايات الجديدة.. حيث لا حضن تلوذ به الأميرات غير التيه المشرع في الغابة.
حكاية-1
كانت أمي جائعةً وموجوعةً، قبل أن يفجعها نبأ كوني أنثى. انكفأت على حبل السرة تقضمه فغمر وجهَها دمي. بينما قفزت الداية التي أجفلتها البغتة وراحت تهيم في شوارع بلدتنا تقسم أننا سلالة متوحشة، تاركةً نصف الحبل منطلقًا من بطني كذكر عجوزٍ خانته رجولته. ظلت أمي تعلك ما ابتلعت من القطعة المعضوضة. وعبثًا راح أبي يضربها، لعلها تقتنع بتناول وجباتٍ بديلة. كانت تحلف أنها لن تغفر لذاتها إنجاب من تحمل كل هذه الأوزار.
فيما قضيتُ أنا سنوات عمري أعيد محاولاتي بقطع الحبل الذي تعفن. كلما تخلصتُ من بعضه سالت منه دماءٌ جديدة.
ما زال صوت الداية يصفعني بصداه. وضربات أبي المنهالة على فم أمي لم تمنع مني الصراخ. فيما أسناني التي كلما نبتت تكسرَت، تظل تسخر من مساعي الفاشلة.
حكاية-2
كانوا فريقَ خياطين يرتقون ما تمزق من صرخاتي كي يثبتَ فوق شفاهي الثوب كاملاً: ما هو الحب؟ ولماذا لا يعرفه إلهكم الغريب؟ منذ عفرَت رأسي انتباشاتُ السؤال. وسمعتُ رنين الصفعة الأولى على خدي قبل أن تعكس المرآة ما بصمَت فيه الأصابع. حدة التوبيخ في نبرات أمي: لا تمسحي غبار الأسئلة. وصياح معلمةٍ ثار منها الحنق على طفلة خانت أغانيَ اليقين إذ فتحت لذاك السؤال كوةً فأطل منه الرأس كجنينٍ يركل رحم أمه أملًا بتذوق الحياة.
جاءوني بشيخ ردد تعوذياته على شرشفٍ غطاني كيلا يفتنه صدري الذي ما نتأ بعد. «مسكونةٌ هي بعاشقٍ لن يبيح للرجل الحلال أن يمارس حقه الشرعي». قال «لن يدع للنوم سبيلاً إليها ولا إلى الكلام ما ينمق الكلام». وتركني للعتمة وهذيان ظلا رفيقي عمرًا بعدها. وكبرتُ وسلمتُ لحقهم جسدي فاحتفوا راقصين. وابتسامة الرضى على وجه الشيخ كلما التقاني حاملًا: ها هي حرة بفضل التمائم. ها هي تجلي انتصاري عليه.
وكنت أحبل بالسؤال يتوالد في كل يومٍ كل لحظةٍ كل همسةٍ أو صمت.
فصرخت بعد عقودٍ أربعة: خذوا يقينكم فهذا السؤال لم يعد رأسًا يطل من عنق رحم يخنقه. بات مولودًا رضع حليب أفكارٍ فنبتت له أسنانٌ وأنياب نهشت مني السكون.
قالوا وقد بلغت ارجموها.. وكبوتُ يشج رأسي ما يتقاذفون فوقه من حجارتهم.. كل الذي تهشم فيّ لم يدفن ما صار حديقةً يانعةً من احتفاء اللايقين أورثتُها صغيرتي. أما نظرات أبي الموجوعة فظلت تكفن استحياءه: كيف نخرس عار من سكنته الأسئلة؟
حكاية- 3
كنتُ مثلهن أحاول توسيعَ السجن بتبييض جدرانه. بنيتُ وسط ساحته حديقتي وغرستُ فيها الأشجارَ والأزهار، ورويتُ ترابها بماء البئر المحفورة عند البوابة الحديدية العالية. حرصتُ على تنظيف بقعتي وشطف أرضيتها كل يوم، وتسامرتُ معهن في ظل الشجرة المقدسة.
كنا نتسابق في تزيين الأسيِجة بلهفة. تلك ترسم على القضبان لوحاتٍ ملونة وتلك ترش الأسياخ بالبريق واللمعان. وآمنا جميعًا أن في القفص جنتنا المدهشة.
يوم باغتتني المرآة وراودني الحلم، وأقسمتُ أن أتسلق السور أو أحطمه اتحدنَ جميعًا لردعي. ربطت أمي معصمي لئلا أتسلق، وشدت أختي وثاق ساقي كيلا تسعفني الخطوات، فجلدَتني حماتي بالسوط وسط تصفيقهن ورددَت تعاويذ ابنها ليكررن :آمين، فيما لعنتني جارتي ونعتتني بأقذع السباب، وأفتت زوجة شيخنا على لسانه بجواز قتلي. وحدها طفلتي المذهولة ظلت تحدق فيّ فاغرةً عينيها قبل الفم، ومن ملامحها يفيض أملٌ بانتصاري فزادتني مقاومة.
يوم نجحتُ بهدم السور، وأسرعتُ أجري حرةً وصغيرتي، لاحقتني شتائمهن واللعنات. بيد أن البكاء لم يحرقني، إلا إذ رأيتهن يسارعنَ لإعادة بناء الركام، وتزيين القضبان من جديدٍ بالألوان.
حكاية-4
كنتُ أرشو القطط بقطع اللحم الطري كيلا تمارسَ هوايتها في نبش أكياس القمامة ونثر البقايا على جوانب الطريق. وحدها تلك الهرة عاندَتني كل مرة بغدرٍ جديد. تأكل الشرائح ثم تصر على فتح ما رميتُ. مراتٍ راوغتني وألقت بما خبأتُ فانفضح السر، حين تلصص الجيران على المهملات. مرةً، هتف شامتٌ من المتجمعين هناك: هذي الملعونة تخفي أسرار الحياة! كان في المطمور أناواتٌ كثيرة خلعتُها مني. أنا التي كلما قضمَتني الحياة أكلتُها ابتلاعًا نهمًا وكلما ارتشفتني تجرعتُها ثم تجشأتُ كي أنقي منها ما أريد وأدفع بالباقي إلى النسيان.
هتفتُ في وجهه مزهوة: سر الحياة أن تخلع عنك ذاتك لتعتنق أنواتك المقبلة أرحب وأعمق وأسمى في آن، أن تنتزع ما حسبتَه يومًا حقيقةً لتؤمن بالشك وحده سبيلًا إليك. تهدم الماضي لتبنيَ الغد، تركل البائت لتصير ما لم تكن بعد. وقبل أن أتم حروفي عادوا اجتمعوا عليّ جميعًا من جديد، إذ اكتشفوا السر فسعَوا لسلبي أعظمَه: كبلوا أصابعي بكل ما استطاعوا من قيودٍ كيلا أتمكن من ارتداء أثوابي الجديدة.. أما أنا فازددتُ عنادًا، وسرتُ بينهم بشموخٍ عارية.
قبل الستار:
لم أكن كاتبة، ولم أسع لأن أكون. كانت الكتابة رديفَ الاحتراق، صوتَ قرقعة النيران التي لا يراها الآخرون. وحده من ذاق لهيبَ مجمرةٍ في صدره يدرك وجع أن يصفق أحدهم لوهج احتراقك ظنا خائبًا أنك تضيء. وحين انطفأ السعير واستحال رمادًا لم يعد للحرف من وجود. فهمتُ أن ما حسبته موهبةً لم يكن غير صرخةٍ موؤودة من اختناق الكبح فيها.
في العقود التي بذلتُها كي أتحرر كانت تخاتلني صور كتاباتي المقبلة. كنت أهذي بأنني يوم أنزع عني كل القيود سأكتب حروفًا محلقة. لم أفعل. حطمتُ ما صبوا حولي من جدران إسمنتية. تخلصتُ من الدين والوطن والقضايا والأيديولوجيا. نزعتُ عني أنوثتي وأعباءها. وهجرتُ حتى الله الذي سكنني طوال سنوات القهر،لأعتنقَ آخرَ لا يطالبني بالموت شرطًا ليمنحني الحياة. بيد أني إذ خلعت آخر الأصفاد فقدتُ حروفي.
تحولتُ إلى عصفورة. رأيتُني أعشق الغناء. حلمتُ بأن لصوتي عمقَ نبرات آندريا بوتشيلي حين تمتزج بعلو طبقات سارة برايت، ثم اكتشفت أن سنوات التحرر سرقت مني اللب فصار صوتي أجوف. لا حرف يسكن فيه أو يحركه. وحده شق الأفق بشبق شهوة التحليق ظل صامدًا معي. قلتُ سأرسم في رقصات عناق السماء لوحاتٍ من الدهشة. سرعان ما خانتني الألوان وفرت هاربة. كيف يرسم لوحةً من غدا بياضًا كاملا؟ لا يحلم بالسماء الحرة إلا من أوجعته أسياخ القضبان.
وأنا لم تعد توجعني منذ كسرتها بأسناني قبل أن تستحيل منقارًا ضئيلا. فكرت لوهلة أن أصيرَ راقصة باليه، وبعد جهودٍ مميتة تجلى لي الجذل: كي تنتصر في رقصةٍ لا بد من أرضية تسعى للتغلب عليها. لا يعرفها من حطم الجاذبية وطار. علقتُ نفسي في السماء كنجمةٍ تتدلى. منقاري خارج الكون وريشاتي تهف على القمر مداعبة. لم أجد سوى حروف أربعة تتطاير من بين أجنحتي مع كل دوران : ح ر ي ة .. وكنت كثيرًا ما ألقي من الياء نقاطها فأراها تتمدد أو أُبدلها بالراء بعد تقويمها.. هي الحرية أن تحيا الحياة.
لم أكن كاتبة. لا رسامة ولا مغنية ولا راقصة. كنتُ كلهن كلما سعيت أن أحيا الحياة، وكنت لا شيء كلما حسبتُ وهمًا أنني بلغت.
٭ كاتبة من فلسطين
حواء تغش الحكاية