محمود خطاب - الإتلاتي من دواوينه

أذكر أن كانت بدايتي في التعرّف على شعر الشاعر الكبير **حسني الإتلاتي** عام ٢٠١٦ ، وذلك من خلال موقع *فيسبوك*. شدّني منذ اللحظة الأولى كل ما تخط يده شعرا كان أو نثرا ، فقد كان ذا نفَس مختلف ، مخالف لكل ما كان يُنشر في ذلك الوقت ، سواء في الفكرة أو اللغة أو الإحساس .

كنت أقرأ قصائده وأقف أمامها متأملًا روعة التعبير ورقّة المشاعر ، وأجدني عاجزًا عن وصفها وصفًا يليق بها ، فهي قصائد استثنائية و بناء عليه كان يستحق أن أصفه بالشاعر الاستثناء

ومع الاطلاع على صفحته الشخصية، اكتشفت أنني لست وحدي من وقع في هوى هذا الشاعر ؛ فمحبّوه ومريدوه – ما شاء الله – بالآلاف ، وشعره يستهوِي المنتديات في معظم أقاليم مصر ، فكان نجمها اللامع مما دفع كبار الأدباء والنقاد في مصر والعالم العربي للكتابة عنه لقيمته و تميزه ، وحاز عن جدارة واستحقاق العديد من الجوائز الأدبية ، فازداد إحساسي بقدره وتأكد إعجابي به .

أحببت أن أكتب عن هذا الشاعر ، رغم علمي بأن العشرات سبقوني ، وأيقنت أن قلمي لن يستطيع الإحاطة بوافر حصاده الشعري الجميل .
وتأكد لي أن كبار الأدباء والشعراء والأكاديميين هم الأقدر على هذه المهمة .

لكن ما جذبني إليه أكثر هو تلك الروح الصافية و النفس النقية مما جعلني أنجذب إلى حسني الإتلاتي الإنسان قبل الشاعر ، فمال قلمي إلى البحث عن ظروف نشأته التي أنتجت تلك الأشعار المفعمة بالمعاني الطازجة و الصور البلاغية الفائقة الجمال ، المنبثقة من عمق تربة الأرض الطيبة فتنبت أزاهير و رياحين تطرب لها النفوس و تنتشي منها الأرواح و تطيب بها القلوب ، وتلك اللغة الشعرية الفريدة التي تميز أشعاره فيحس القارئ بأنفاسه بمجرد أن تقع عيناه على عمل من أعماله فلا يساوره شك في نسبة العمل له فاستحق أن يكون استثناءً .

---


received_1272857481128588.jpeg


# الشاعر والأرض
...........
فكان السؤال:
من هو هذا الشاعر الذي يقول في إحدى نثرياته :

" الغيطان بتاعتنا كانت بعيدة حوالي ساعة مشيا أو أقل كنت أذهب لحاجة أو لغير حاجة وانا ذاهب ، الطريق إلى الغيط يمر على مصرف وأشجار الكافور وحديقة برتقال واسعة وممتدة ما زالت صور الفلاحين يمتطون الحمير ويجرون وراءهم الأبقار والجاموس مازال صور الفلاحين يسقون الارض بالطنبور ويعزقون الأرض بالطواري والشكارف ويقطعون عيدان القطن أو الذرة يحصدون القمح بالمناجل ويدرسونه في الهجير كنا نزرع مع أبي رحمه الله القطن والقمح والذرة الشامية والطماطم والبامية كان الطريق إلى الغيطان طويلة

أرأيت هذا التصوير البديع
إنه لا يذكر الأرض والغيطان ذكرًا مجردًا ، بل يذكرها بكل الحب يعانقها و يتمرغ بها حتى لتكاد خلاياه تمتزج بذرات ترابها ، يغوص في باطنها كالمحراث ، يستخرج أسرارها
فيقول في إحدى قصائده :

" كان لنا عشرون قيراطًا من الكرامة ، وشجرة صفصاف ، ومحراث يعرف قلب الأرض لكنها تملك القلب كله "
فهو قد تعلّم الغوص في النفس البشرية كغوص المحراث في قلب الأرض .
وما العجب في ذلك؟ أليس الإنسان من طين الأرض؟ ومنها يستخلص رؤيته للإنسان يقول :

" ليس مطلوبا منك أن تذكر لي شجرة عائلتك لأعرف أنك شريف سوف نعرف طيب أصلك من عملك ، عملك وأخلاقك هم شجرة العائلة "
---
#ّ الأسرة
............
وصحبتني القصائد في رحلة عميقة داخل هذا الإنسان ، وتوقفت أمام سرّ عظيم لا يدانيه سر :
** الأسرة… البيت… البيئة الطيبة.**

القصائد التي مست شغاف القلوب واستولت على مشاعري شخصيا ، هي تلك التي كتبها عن ( أبيه وأمه وأخيه ) .

---

# الأب
............
هذا الأب الذي زرع الكبرياء والشموخ في نفس الشاعر، حتى ليظن أنه من شيّد الأهرام و أنه من نبلاء هذا الوطن .
ذلك الولي الصالح الذي لم يُدخل الحرام إلى بطون أولاده ، فكبروا على العزة والكرامة والانتماء ، وحب الأرض والوطن .

" وكان أبي تعرف الأرض رائحة فأسه
وتحن كامرأة أصيلة لطعنته المخلصة
أبي ليس كألف غياب غيابك ..
كفك الخشنة التي زرعت وردا على خدي
كلما تخذتها وسادة
وشايك الثقيل علمني السهر
أبي أيها النورج الذي شق صدري وزرع حكمته
أيها الولي الصالح لم تدخل بطوننا الحرام
فكبرنا ننحاز لتراب الوطن "

" أبي
لطعمِ الشايِ من كفيكَ .. فوق مواقدِ الحطبِ
لعينكَ حين تنظرُ لي .. لثغركَ حين يضحكُ بي
لصوتكَ حين تَندهُني .. لقلبي إذ أقول أبي "

" نحن نذبل كالأشجار عند فقد ٱبائنا
كل القصائد هي محاولة لتمجيد الشخص الذي افتقدناه
هي محاولة للإبقاء عليه حيا
الأب الكائن الوحيد الذي يريدك أغنى الناس ولا يريد منك جنيها واحدا ويريدك اسعد الناس ولا يشكو ابدا لك مواجعه "

- إن هذه الصور التي يرسمها بقلمه للأب تفصح لنا عن تأثير أب بتلك الصفات في رسم شخصية الإنسان الشاعر أو الإنسان الشاعر .
---

# الأم
...........

وهذه الأم…
الأم التي تمثل الأم والزوجة المصرية الصالحة ، الحانية، العابرة الحياة بالتعب
، التي تجمع أبناءها حول أبيهم حين يعود إلى البيت حاملًا الخير كله .
الناصحة لابنتها بالعفاف والموصية لابنها بالصلاة ، الناهية له عن الكذب .
أمّ تصنع بيئة نقية تُربّي على الطهر والسماحة والإيثار

هذه الأم الأميّة التي تدفع ابنها إلى التعلم ، و تزرع فيه الإنسانية

" قبل ما عمري يتخطى السادسة
صنعت أمّيَ لي
بعضَ كيسِ الأسمدةْ
جعبةً
وعبّأتها
قلما من الرّصاص
وبقايا من ورقْ
يا بُنيّ ـ وأنا في حجرها ـ
كن طبيبا كي تداوى المتعبينْ
و الغصون اليابسةْ "
...

- تلك التي حين رحلت لم يسمح الأب ( الزوج ) أن تحل محل الشمس ... شمعة !!!

" ذاتَ يومْ
قال طلاب المدارسْ
: إن هذا شهرُ مارسْ
عيدُ أمّْ ...
لم يكن لي غير دمعة
وأب لم يبدل الحب القديمْ
لم يرد يأتي مكان الشمس شمعة
كان ليلتها يعاني ويعاني من ألمْ
لم يكن معنا نقودْ
قال لي :
يا بُنيّ
كن طبيبا
كي تداوي المتعبين
والغصون اليابسة "
فلا عجب أن ينجب هذان الأبوان شاعرًا بحجم حسنى الإتلاتي .

# الأخ
............

أما أسمى علاقة ؛ علاقة الأخوة
فإنها تتجلى في أرفع درجاتها في شعر

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى