العقيد بن دحو - الإحتكار الأدبي و لعبة (المجايلة)

من أصعب التعايش ما بين الأجيال الفنية و الثقافيةالفكرية فما بالك الأجيال الأدبية ؛ الأكثر تعقيدا سلوكيا سيكولوجيا سوسيولوجيا.
ليتها كانت حلما ميثولوجيا جمعيا ، نفسا جماعيا لسهل الأمر ، و لما كانت " الفردانية" الصفة السائدة ، تصير دراسة كل حالة طقسا بشريا قائما بذاته.
طبيعي جدا حسب جميع سوسيولوجية الأدب التي قام بها الدارسون في حقل الأدب الإجتماعي ، أن يمارس الجيل القديم احتكارا أدبيا على الجيل الجديد ، الذي يليه ، بل و يمنعه من الوصول.
الجيل القديم -أحببنا أم كرهنا- يمارس عنصرية لغوية ، اجتماعية على الجيل الشاب الجديد ، يحتكر المشهد الأدبي الفكري الثقافي الى سنين طويلة. لذا لا غرو ان وجدت الاتحادات و الجمعيات و الرابطات تتولاها عصبة أو كارتل ، عناصر من نفس النوع و من نفس العرق و التاريخ و البيئة ، حتى أنهم يتحسسون و يتوجسون من أي قربى أو مصلى تقربهم و تصلهم بالجيل الجديد. من الأسهل كيما يحافظون على مرماهم خالية من أية تسديدات اهداف انتقاد توجه لهم ، و حتى يصفى لهم وجه السلطة!
هم يدركون بالفطرة الحكمة السائدة : لودامت لكم ما وصلت اليكم. أيضا هذا يتم في الأدب مادام الأدب يمتاز بالظاهرة الإجتماعية رغم الظروف و تقلبات الأزمنة و العصور.
يلجأون الى جدار الدفاع المسبق ، على أن الجيل الجديد أقل خبرة ، و لا يقأرن بهم. معاديا للمقروئية و حتى أن قرأ لا يفهم ، و كأنهم هم أوجدوا أنفسهم بأنفسهم ، أنزلوا من السماء ، وخلقوا كما شاءوا ، كتاباتهم منزهة عن كل اخطاء وعيوب!.
حتى قيل عنهم أبان التسعينيات و هم يستولون و بغتنمون الغنائم و الأسلاب باكثر راديكالية و في اعز الإنفتاح الليبرالي السياسي ، ينتقدون الحزب الواحد ، وهم أكثر احادية عن أية احادية سياسية اقتصادية اجتماعية ثقافية عمودية موجهة.
حتى أن الصحافة المتقدمة يومذاك أطلقت عليهم شعار : "أصحاب الحق الإلهي الأدبي" أو ذاك الشعار الدرامي حُوّر و حُوِّل تهكما و سخرية الى الفئة الإنتلجنسيا المحافظين الجدد : "في يوم واحد و في مكان واحد يتم فعل واحد لشخص واحد" !
بمعنى هم الذين استفادوا من الريع الثقافي الأدبي الفني ، هم الذين كانوا يمثلون البلد في اهم عواصم البلدان العربية و الغربية ، بإسم الثقافة الجزائرية ، و بالتالي سقط عليهم ما سقط على الطبقة السياسية الحاكمة انداك من فساد و افلاس و ليته كان افلاسا ماليا ماديا ترجى معالجته بأثر رجعي ما (...) ! لكنه افلاس و فساد أدبي فني ثقافي ، و من هنا بزغ مصطلح آخر طغى على المشهد الثقافي " مثقف السلطة" ! مصطلحا ميكيافليا ماكلوهانيا أكثر ميكيافلية حتى من (الأمير) الذي برر مبرر الغاية و الوسيلة ، بل الغاية ذاتها هي الوسيلة. Exitus acta probat ، حين تولى بعض من الادباء مسؤوليات ثقافية على المستوى المحلي و الوطني و اعتبروها امتيازا في حين هي حق أريد به مغالطة و سوء فهم !
في الأصل مهما أسندت السياسات الحاكمة مسؤوليات لأديب أو فنان أو مثقف ، حتى درجة وزير او سفير دبلوماسي أو برلماني أو مدير مركزي أو مستشار أو غيرها أقل أو عظم من ذلك ، لا يندرج إلا تحت باب رعاية الأداب و الفنون ليس إلا عالما .
وقد رأينا في كتابات سابقة نماذج عالمية في مجرى التاريخ تصب في هذا الإتجاه. على العكس لو أسندت هذه المهام الى أشخاص آخرين من دوائر وفئات أخرى من قطاعات اجتماعية أو اقتصادية....
ثم لماذا يقع كل هذا اللوم على الجيل القديم (الأب) المتهم بالإحتكار !؟
هم يرون الجيل الجديد كسول ، وٌلِّدَ و ملعقة ذهب بفمه ، مشوها ، جاء الى هذه الدنيا مستعجلا بالادب السريع ، بالذكاء الإصطناعي ، تحمل عليه كافة العوائق و الصعوبات الاخطاء اللغوية ز التقنية و الفنية ، بين عشية و ضحاها صار شاعرا ، كاتبا ، و روائيا !
لم ينفى منهم احدا ، لم يسجن احدا ، و لم يغتال احدا ...!
جيل البروستوريكا ، جيل العولمة ، و جيل الحراك العربي ، وجيل صفر ورقة !
أطلقوا بدورهم على هذه المرحلة "الأدب الإستعجالي" !.
ثم يرى الجيل القديم من حقه أن يحتكر المشهد (...) هم وحدهم من واجهوا العشرية السوداء ، و كانت الحصيلة المأسوية الكبيرة دما ودموعا ، حين قدموا العشرات القرابين من الشهداء ، بينما هذا الجيل الجديد وجدها بردا و سلاما....!
ولا زال بمنطق دم بارد يدعو الى ضرورة (قتل الأب) ! أو لن يعيش في جلباب أبيه !.
الإحتكار الأدبي تاريخيا يكون متفهما عليه ، و طبيعي جدا حسب جميع الدراسات السوسيولوجية الأدبية .
قد يستمر هذا الإحتكار الى غاية (50-60) سنة ، لكن عند ما يسمى (عتبة التوازن) ، أين يبدأ تقل قوة و طاقة الجيل القديم ، و بحكم عامل السن البيولوجي و السن الادبي أيضا، أين يختل التوازن ، و تفتح ثغرة على جدار سُلّم الدفاع ، مما يسمح بعض أفراد الجيل الجديد من التسلل و التوغل ضمن لعبة التكامل المجايلاتي و يستمر...وهكذا يتم التداول بين سائر الاجيال الأدبية ، بين جيل و جيل آحر ، بين جيل قديم متمسك بالسلطة الأدبية (مانا) / Mana نسبة الى "الماناليزم" Manaleisme و من جهة اخرى جيل جديد يكافح و يناضل ، يجد و يكد من أجل الوصول.
يجب أن يشار اليه ، ليس كافة افراد الجيل الجديد يصل انما الأغلبية تتساقط في بداية ووسط الطريق، و لن يصل إلا من أصحاب العمر الطويل ، و الذيم عرفوا كيف تتم (اللعبة) و لعبوها بحبكة و ذكاء الى أقصاها.
من الصعب جدا أن يجد مبدعا جديدا مكانته مع جيل أدبي خرج من تحت برنس الحزب الواحد عمر طويلا و احتكر كافة السلطات في بد واحدة ، قبضة من حديد وقفاز من حرير لا تزال ندوب اثاره باقية حتى اليوم !.
الطريق رغم كافة الوسائل و المعدات الإلكترونية الحديثة مفروشة بالورود و الزهور.
الحديث في الوطن العربي عن أي (جيل) أو (مجايلة) درب من المستحيل.
الجيل (25 - 30) سنة ، من دون هذا المفهوم لا يمكن التقدم في أي دراسة أو عملية احصاء أدبية محتملة.
كما أن لا يمكن الإعتماد على عامل الوقت أو الزمن لحلحلت عاملي الإحتكار ز المؤدي الى البلوكاج الفعل الأدبي ، ان لم تتدخل الدولة و أن تمنع الترشح لأولئك الذين ترأسوا الإتحادات و الرابطات و الجمعيات الادبية و الفنية الثقافية لأكثر من عهدة وتوارثوها ، تماما كما تدخلت في الإستحقاقات المحلية و الوطنية و منعت بعض الإنتهازيين من البقاء في السلطة أو الترشح اليها مجددا.
الأدب أيضا سلطة ، يهم الدولة ، اذ علاقته المباشرة بالإنسان و تحسين المحيط ، تجعل الدولة الراعي الرسمي و الداعم ليس ماليا وماديا ، انما اجتماعيا و أمتيا.
و بما أن ليس كل ما يلمع ذهبا ، فبالمقابل ليس كل ما يكتب أدبا !.
الإحتكار الأدبي علميا قضاء و قدر ثقافي ، طبيعيا ، لا يمكن تفاديه ، لكن يمكن التقليل منه وفق برنامج دولة تقييمي تقويمي ، و من خلال سن و تسطير و تحيين القوانين المسيرة و المهيكلة و المنظمة للجمعيات الادبية.
قد يشير اجدهم الى ندخل الدولة بهكذا طريقة بيروقراطية ممنهجة ز ديكتاتورية ناعمة. و لتكن فالأدباء احيانا اكثر من هذا بكثير ، و عليه الدكتاتورية على الدكتاتورية حضارة ديمقراطية ، حرية و مساواة و عدالة. حين يعرف الفرد دوره في الجماعة أساسه حريته ، و دوره مع افراد آخرين اساسها مساواة. احتكارا
حتى لا يصير (بلوكاج) معرقلا أو مشينا للوضع الحضاري الثقاقي العام أو معرقلا له.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى