عبدالعزيز كوكاس - الإبستيمولوجيا المختلطة في الكتابة التاريخية: من أزمة الموضوع إلى توتر السرد والتأويل

تنطلق هذه القراءة من أن التحولات التي عرفتها الكتابة التاريخية المعاصرة -كما استعرضتها مباحث كتاب "كيف يفهم التاريخ.. مشارب وتجارب" الذي أشرف عليه الدكتوران محمد حبيدة والطيب بياض- لا يمكن فهمها بوصفها مجرد تطور منهجي، بل باعتبارها تعبيرًا عن أزمة عميقة في موضوع التاريخ ذاته. فمع تراجع مركزية الحدث، وانهيار وهم الموضوعية، وصعود الذاكرة والسرد، أصبح التاريخ مجالًا لتوتر مستمر بين نماذج إبستيمولوجية متعارضة من المعرفة. من هنا مفهوم “الإبستيمولوجيا المختلطة Mixed Epistemology الذي يبدو لي أفقًا نظريًا لفهم هذا التحول، حيث يتقاطع التاريخ مع السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا والفلسفة، ويتأرجح بين السرد والتحليل، وبين الشهادة والتأويل. ومن خلال تحليل نماذج فكرية دالة (جون لاكوتور، جاك لوغوف، فيليب أرياس، بول ريكور)، كما ورد في كتاب "كيف يفهم التاريخ"، يتبين أن منحى "الإبستيمولوجيا المختلطة" خيار منهجي يقربنا أكثر من المعرفة التاريخية المعاصرة، لا يعزل التاريخ عن سياق باقي المعارف ويحصنه أكثر من أصناف مهيمنة ولاحمة من الفلسفة إلى الفن وباقي فروع العلوم الإنسانية التي حاولت ابتلاع التاريخ.

تحولات الحقول المعرفية ومأزق الخطاب التاريخي
مع التحولات التي عرفتها العلوم الإنسانية، لم يعد بالإمكان الاستمرار في النظر إلى الماضي بوصفه موضوعًا ثابتًا يمكن استعادته عبر الوثيقة، ولا إلى المؤرخ بوصفه وسيطًا محايدًا بين ما وقع وما يُقال عنه. لقد أدّى تآكل هذا التصور إلى انتقال نوعي في طبيعة السؤال التاريخي: من سؤال المعرفة إلى سؤال شروط إمكانها، ومن سؤال الحدث إلى سؤال الخطاب الذي يصنعه.
تبرز الحاجة إلى مفهوم قادر على استيعاب هذا التحول، وهو ما نقترح تسميته ب"الإبستيمولوجيا المختلطة"، يقوم لا على نقاء المنهج بل على إدارة التوتر بين أنماط متعددة من التفكير. إنها العملية النقدية التي تُزاوج بين أدوات البحث المتباينة لإنتاج معرفة علمية أكثر شمولاً ومصداقية.
هناك وهمٌ قديم، يشبه الطمأنينة أكثر مما يشبه الحقيقة أن التاريخ شيءٌ حدث وانتهى، وأن مهمتنا- نحن المتأخرين دومًا-أن نستعيده كما كان، أن نُعيد ترتيبه، أن نضعه في كتبٍ نظيفة وأنيقة كأن الزمن لا يترك بصماته على اللغة. وعلى الذوات والرؤى.. إن فضيلة كتاب "كيف يفهم التاريخ" تبرز أن التاريخ لا ينتظرنا هناك، في الماضي، هادئًا ومستقرًا، بل يتحرّك فينا، يتغيّر معنا، ويُعاد تشكيله كلما حاولنا الإمساك به... هكذا، يتحوّل المؤرخ من جامعٍ إلى سائل. ومن ناسخٍ إلى مؤوّل. لم يعد الماضي هو ما يقودنا، بل الأسئلة التي نحملها ونحن نتجه نحوه. لم يعد السؤال الذي يؤطر التفكير التاريخي اليوم هو: كيف نعرف الماضي؟ بل هل يمكن أصلًا أن نعرفه خارج الشروط التي ننتج بها هذا “المعرفة”؟
هذا التحول يعكس من جهة تطورًا في أدوات المؤرخ، ويكشف من جهة أخرى عن انزياح جذري في طبيعة الموضوع التاريخي نفسه. إن مباحث كتاب "كيف يفهم التاريخ" تُظهر أن هذه البنية قد انهارت، لتحل محلها وضعية جديدة يصبح فيها الماضي نفسه نتاجًا للخطاب الذي يكتبه. وهنا تظهر ضرورة مفهوم الإبستيمولوجيا المختلطة كاختيار منهجي لإبراز غنى وتعدد المقاربات في المعرفة التاريخية وإلى تجاوز أزمة القراءة الأحادية للتاريخ وأدواته.
ولعل السؤال الذي استفدته من هذا الكتاب الهام، هو: هل يمكننا أن نفكر دون هذا التاريخ الذي لم يعد يَعِدُنا بالحقيقة، لكنه يمنحنا شيئًا أكثر خطورة: القدرة على الشك؟
القيمة النظرية لمفهوم يحتاج إلى تقعيد نظري
تبدو الإبستمولوجيا المختلطة في هذا الكتاب تصورا للمعرفة التاريخية باعتبارها معرفة لا تقوم على أصل واحد، ولا على موضوع ثابت، ولا على منهج نقي، بقدر ما تتشكل من تفاعل دائم بين موضوعات متحولة، وأدوات متعددة، وحقول معرفية متجاورة، ومستويات مختلفة من التحليل، بما يجعل التاريخ علمًا مفتوحًا على الاقتصاد والاجتماع والأنثروبولوجيا والديموغرافيا وتحليل الخطاب ودراسات الثقافة، دون أن يفقد، مع ذلك، خصوصيته التأويلية. هذا التعريف يسمح بفهم سبب توزيع الكتاب على “مشارب وتجارب” متعددة. تتمثل القيمة النظرية الكبرى لهذا التصور في أنه يحرر التاريخ من اختزاله القديم، ويجعله قادرًا على ملامسة الواقع الإنساني في تعقيده. يصبح أكثر دقة لأنه أكثر انفتاحًا، وأكثر خصوبة لأنه أقل نقاءً.
ينهض هذا الكتاب على قناعة عميقة بأن التاريخ لم يعد ممكنًا في صورته الأحادية القديمة؛ لأنه صار يشتغل على موضوعات متعددة، بأدوات متنوعة، وعبر حقول معرفية متداخلة، وفي مستويات زمنية وتحليلية متراكبة. ومن ثم فإن ما يقترحه هذا العمل ليس مجرد استعراض لمدارس التاريخ، بل إعادة تعريف للحقل نفسه: التاريخ ليس أرشيفًا للوقائع، ولا سردًا للماضي، ولا وصفًا للأحداث، بل هو معرفة مركبة تبني موضوعها، وتستعير أدواتها وتعيد مساءلة حدودها باستمرار. لذلك فإن مفهوم الإبستمولوجيا المختلطة ليس علامة ضعف في التاريخ، بل هي، صيغة نضجه المعاصر.
مساءلة الأدوات الإبستيمولوجية للخطاب التاريخي
تبرز مباحث كتاب "كيف يفهم التاريخ" التحولات الكبرى التي عرفها الفكر التاريخي، من مرحلة الوثيقة في القرن التاسع عشر، حيث ساد الاعتقاد بإمكانية الوصول إلى حقيقة موضوعية، إلى مرحلة الأسئلة مع مدرسة الحوليات، وصولًا إلى التصورات المعاصرة التي ترى التاريخ نصًا مفتوحًا على التأويل. لتؤكد أن التاريخ بناء معرفي ولغوي معقّد. فالمؤرخ لا يكتفي بجمع الوثائق، بل يعيد تشكيلها داخل خطاب، تحكمه أسئلته وسياقه الثقافي وزاوية نظره. إن إشكال التاريخ لا يكمن في مدى صدقه المطلق، ولكن بالأساس في شروط كتابته، وحدود موضوعيته، وإمكانات تأويله، مما يفرض إعادة التفكير في العلاقة بين الحقيقة والخطاب، وبين الذاكرة والسرد، في أفق فهم أكثر وعيًا وتعقيدًا للمعرفة التاريخية.
يشتغل كتاب "كيف يفهم التاريخ" على مساءلة الأدوات الإبستيمولوجية للخطاب التاريخي، وينطلق من فرضية ضمنية مؤداها أن التاريخ لم يعد ممكنًا بوصفه تخصصًا مكتفيًا بذاته، يعتمد على الوثيقة وحدها، ويشتغل ضمن نموذج تفسيري أحادي يقوم على السرد الخطي للوقائع أو على الوصف الكرونولوجي للأحداث. فالمؤلف لا يشتغل على “موضوعات” تاريخية منفصلة بقدر ما يشتغل على تحول في طبيعة المعرفة التاريخية نفسها. ومن هنا تبرز أهمية مفهوم الإبستمولوجيا المختلطة.
لقد عاش التاريخ طويلاً داخل طمأنينة كاذبة: أن الوثيقة تقول الحقيقة، وأن الحدث يقف في انتظار من يكتبه، وأن المؤرخ مجرد وسيط نزيه بين ما وقع وما يُقال عنه. لكن ما تكشفه التحولات التي نعبرها اليوم ليس فقط سقوط هذه الطمأنينة، بل استحالة استعادتها. فالماضي، كما يتبدى الآن، ليس موضوعًا ينتظر الكشف، بل أثرًا يتشكل داخل فعل الكتابة نفسه. وكل محاولة للقبض عليه خارج هذا الفعل، ليست سوى إعادة إنتاج لأسطورة المعرفة الخالصة.
من هنا، لا يشير مفهوم “الإبستيمولوجيا المختلطة” إلى تداخل عرضي بين تخصصات، بل إلى اهتزاز في مركز المعرفة: حيث لم يعد بالإمكان تحديد أين ينتهي التاريخ وأين يبدأ السرد، أين تتوقف الحقيقة وأين يبدأ التأويل، وأين يتوارى الماضي ليحل محله خطاب عنه. حين يدخل لاكوتور إلى التاريخ من باب الشهادة، فهو لا يفسد نقاءه، بقدر ما يكشف أن هذا النقاء لم يكن سوى قناع. وحين يوسّع لوغوف الموضوع إلى الذهنيات، فإنه لا يشتت الحقل، بل يعيد ربطه بما كان يقصيه: الإنسان في هشاشته الرمزية. وحين يكتب أرياس عن الطفولة والموت، فإنه لا يبتعد عن التاريخ، بل يقترب من حدوده القصوى: حيث يصبح ما هو حميمي أكثر كشفًا مما هو سياسي. أما ريكور، فحين يربط التاريخ بالسرد، لا يسقطه في الأدب، بل يحرره من ادعاء كان يمنعه من فهم نفسه. في هذا الأفق، لا يعود الاختلاط مشكلة يجب حلها، بل شرطًا يجب التفكير فيه.
لا يكمن الارتباك الحقيقي في أن يصبح التاريخ متعددًا، بل في أن يفقد قدرته على التمييز داخل هذا التعدد. وهنا يتحدد التحدي الإبستيمولوجي الجديد في ابتكار أشكال جديدة للتماسك داخل اللامركز. أي أن نفكر في تاريخ يعرف أنه يُكتب، ويعرف أيضًا أنه، وهو يُكتب، يعيد خلق موضوعه باستمرار.
لا يُقصد بهذا المفهوم مجرد التداخل العرضي بين التاريخ وعلوم أخرى، ولا مجرد استعارة المؤرخ لبعض أدوات الاقتصاد أو الاجتماع أو الأنثروبولوجيا، بل يُقصد به، من بنية هذا الكتاب، أن التاريخ المعاصر صار حقلًا معرفيًا مركبًا، تتداخل فيه المناهج والموضوعات واللغات التحليلية والأنظمة التفسيرية، بحيث لم يعد بالإمكان ردّه إلى أصل واحد، أو إلى منهج صافٍ، أو إلى موضوع متجانس.
يقترح كتاب "كيف يفهم التاريخ"، في العمق، تصورًا للتاريخ بوصفه معرفة هجينة، أو إبستمولوجيا مختلطة، تتأسس على خمسة مستويات متداخلة:
1. اختلاط الموضوعات
2. اختلاط المناهج
3. اختلاط الحقول المعرفية
4. اختلاط مستويات الزمن والتحليل
5. اختلاط موقع المؤرخ نفسه بين الوصف والتفسير والبناء المفهومي.
لم يعد الحدث السياسي أو العسكري هو قلب التاريخ، بل تراجع لصالح الذهنيات الحياة اليومية، الجسد، الذاكرة... مما فرض حدوث انقلاب إبستيمولوجي: التاريخ لم يعد يكتب ما وقع بل ما لم يكن يُرى. فبفعل الحوليات، أصبح الزمن يسير ضد نمطه الخطي التسلسلي، زمن متعدد الطبقات متداخل الإيقاعات وهذا التفكك يجعل من التاريخ فضاءً لا يمكن توحيده داخل نموذج واحد
يجب فهم الإبستيمولوجيا المختلطة كنمط معرفي يتأسس على استحالة ردّ التاريخ إلى نموذج واحد، ويقوم على تداخل البنيات السردية، والتحليلية، والتأويلية، في إنتاج معرفة غير مستقرة، لكنها أكثر قدرة على استيعاب تعقيد الموضوع التاريخي. منطقة بينية، يعيش فيها التوتر بدل أن يحلّه. ومن هنا، فإن قوة هذا التحول تكمن في قدرته على: إبقاء السؤال مفتوحًا.
مآزق مصاحبة للإبستيمولوجيا المختلطة
إذا كانت التحولات التي عرفتها الكتابة التاريخية قد قادت إلى ما أسميناه بـ“الإبستيمولوجيا المختلطة”، فإن السؤال الذي يظل معلقًا- والذي لا يجيب عنه الكتاب صراحة- هو: هل نحن أمام تقدم معرفي، أم أمام فقدان لمركز المعرفة التاريخية؟ إذا كان هذا “الاختلاط" يوسّع أفق التاريخ ويحرّره من اختزالاته القديمة، ألا يكشف عن شيء أكثر إرباكًا: أن التاريخ لم يعد يعرف ما هو موضوعه بدقة.
فحين يتحول الحدث إلى هامش، والوثيقة إلى أثر، والزمن إلى شبكة، والذات إلى عنصر فاعل في إنتاج المعرفة، فإن ما يحدث ليس فقط توسيعًا للمنهج، بل تفككًا للمرجع الذي كان يمنح التاريخ تماسكه. وفي هذا المعنى، فإن قوة هذا الأفق الجديد لا تكمن في قدرته على تقديم إجابات، بل في إبقائه السؤال مفتوحًا. غير أن هذا الانفتاح نفسه ينطوي على خطر مزدوج:
1. خطر الذوبان في السرد، حيث يفقد التاريخ ادعاءه المعرفي
2. وخطر التصلب في النموذج، حيث يعود إلى وهم الموضوعية
غير أن ما يمكن اقتراحه، انطلاقًا من هذه القراءة، هو التعامل مع مفهوم “الإبستيمولوجيا المختلطة” كأفق منهجي مقصود. إن التحدي الحقيقي لا يتمثل في البحث عن نقاء إبستيمولوجي مفقود، بل في تدبير هذا الاختلاط نفسه بوصفه شرطًا لإنتاج معرفة أكثر تعقيدًا وصدقًا. وهنا، ربما، يبدأ التاريخ في استعادة قوته كفكر نقدي للحاضر لا كعلم للماضي، وكأفق مفتوح لإعادة مساءلة علاقتنا بالزمن، وبالذاكرة، وبأنفسنا.
لكن هذا التصور ليس بلا مخاطر. فالإبستمولوجيا المختلطة قد تفضي أيضًا إلى تمييع الحدود بين التاريخ وغيره، تضخم التداخل إلى درجة فقدان مركز الحقل، الإفراط في الاقتراض المفاهيمي وهشاشة الضبط المنهجي إذا لم تصحبه صرامة عالية... والحقيقة أنني لا أقوى على غير التساؤل وليس بإمكان أدواتي ومعارفي المتواضعة في الحقل التاريخي المخصوص أن تقدم أي إجابة في هذا الباب.
أصل هذا المقال مداخلة لي في عرض كتاب "كيف يفهم التاريخ" بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة، نشر بالعلم الاسبوعي لعدد اليوم.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى