تنهض هذه اللوحة بوصفها بيانا بصريا حول جدلية الاختلاف والتكامل، حيث لا يفهم حضور الرجل والمرأة كقطبين متقابلين، بل ككيانين يتخلقان داخل وحدة تتجاوزهما. ان التباين الصارخ في الملامح والانماط والزخارف لا يفضي الى صراع، بل يعاد تنظيمه داخل بنية دائرية مغلقة، تحيل الى كمال رمزي تصهر فيه الفوارق دون ان تمحى. وفي هذا السياق، تكتسب الدائرتان المتداخلتان فوق راسيهما بعدا يتجاوز الزخرف الى الاشارة الميتافيزيقية، اذ تنقلب العلاقة الى مجال قدسي، تتعالق فيه الذوات لا باعتبارها افرادا مستقلين، بل كطاقتين تتشاركان افقا روحيا واحدا. اما الانشطار اللوني في الوجهين، حيث يتجاور النور مع العتمة، فيحضر كاستعارة كثيفة عن الازدواجية الكامنة في الكينونة الانسانية، وعن ذلك الظل الذي لا يرى الا في مرآة الاخر، ليغدو اللقاء فعل كشف بقدر ما هو فعل اقتران. وياتي اختلاف الالات الموسيقية ليعمق هذا الطرح، فالعود بوصفه امتدادا لحركة داخلية حرة، يقابله الايقاع كترجمة لزمن جسدي منتظم، وبينهما يتشكل نسيج سمعي متكامل، لا يتحقق الا بتجاور النقيضين. ضمن هذا الحيز الزخرفي المشحون بايقاعات هندسية ونباتية، تتاسس رؤية تشكيلية ترى في العلاقة الانسانية نظاما كونيا دقيقا، حيث لا يكون الانسجام نفيا للاختلاف، بل اعلى تجلياته، وحيث تتحول الثنائية الى وحدة مشروطة بالتعدد، لا تلغيه بل تحتضنه في افق لا نهائي من التوازن.
غادة العسكري ..
غادة العسكري ..