يزخر المجال المغاربي بكمّ كبير من الإمكانيات الاقتصاديّة التي يمكن أن تساعده على بناء تكتل إقليمي مثل البعض من التكتلات ةالإقليمية في العالم مثل الاتحاد الأروروبي خاصة.
وتبدو فكرة الوحدة المغاربية ظاهريا شبيهة بفكرة " القوميّة العربيّة" التّي ظهرت خلال القرن العشرين، ودعا عديد المفكرين مثل شكيب أرسلان وساطع الحصري وميشال عفلق. وظلّت هذه الفكرة لا صلة لها في أرض الواقع لأسباب متعددة. لكن الوحدة المغاربيّة يمكن أن تكون مجسّدة على أرض الواقع لاعتبارات كثيرة. والمتأمل في التاريخ يلاحظ أنّ هذه الفكرة تراود المغاربيين منذ فترة الأربعينات بعد تأسيس جامعة دول العربية حين تمّ تأسس مكتب المغرب العربي بالقاهرة في شهر فيفري 1947 وأسندت رئاسة المؤتمر الشرفية لعبد الرحمان عزام باشا الأمين العام للجامعة العربية وكان هدف مكتب المغرب العربي التعاون بين الأقطار المغاربية الثلاثة المحتّلة على تحرير أوطانهم من الاستعمار والمطالبة بالاستقلال.
تمتلك دول المغرب العربي مقوّمات اقتصاديّة وثقافية وجغرافية ولغوية وتاريخية يمكن أن تجعل منها من أهّم قوى العالم شرط أن تجد أرضيّة ملائمة لتبلور مشروع الوحدة.
تتشابه دول المغرب العربي من الناحية الطبيعيّة في التضاريس والمناخ، وتتميّز بموقع استراتيجي إذ تطل هذه الدول على البحر الأبيض المتوسط الذّي يحدها من جهة الشمال. كما يتميّز المغرب العربي أيضا بقربه من دول الاتحاد الأوروبي. وتطلّ دولتا المغرب الأقصى وموريتانيا على المحيط الأطلسي. ويتوسط المغرب العربي قارّتي إفريقيّا وأوروبا. ويعدّ هذا الموقع بمثابة ثروة هامة إذ لا يفصل بين أقطاره أي حاجز طبيعي.
إضافة إلى ما تقدم تعدّ هذه الدول نقطة عبور هامة إلى دول القارّة الإفريقيّة. وتشترك هذه الأقطار أيضا في وحدة التضاريس، حيث تعتبر التضاريس عاملا مشتركا بين الدول المغاربيّة، إذ تشترك كل من تونس والجزائر والمغرب بوجود سلسلة جبليّة هما الأطلس التلّي والأطلس الصحراوي يفصل بينهما السهول الداخليّة الساحليّة في المغرب الأقصى والسهول العليا في الجزائر والسهول الشمّالية في تونس. وأمّا ليبيا وموريتانيا فهما دولتان صحراويتان بالأساس.
لا تتشابه الأقطار المغاربيّة في وحدة التضاريس بل تشترك أيضا في عديد المقومات الطبيعيّة الأخرى لعلّ أبرزها المناخ فهو يجمع بين المناخ الرطب و الجاف حيث تتسم مناطقه الجنوبيّة بمناخ جاف تقلّ فيه كميّة التساقطات في أغلب الأحيان عن 200 مم سنويّا. وأمّا مناطقه الشماليّة فتتميّز أغلبها بمناخ رطب.
كما يجمع بين أقطار المغرب العربي تاريخ مشترك حيث شهدت المنطقة المغاربيّة منذ العصر القديم توطن العديد من الغزاة كالفينيقيين والرومان والوندال و البيزنطيين والعرب و الإسبان والأتراك والفرنسيين.
وهكذا يمكن القول أنّ فكرة وحدة المغرب العربي متجذرة في التاريخ وليست وليدة القرن العشرين لأنّها فكرة مجردة ظلّت بعيدة عن أرض الواقع. ففي العصر الوسيط يعدّ المغرب العربي منطقة تابعة للإمبراطوريّة الأمويّة ثم العبّاسيّة بل إنّ مجال المغرب العربي حاليّا في العهد الأغلبي كان ولاية واحدة عاصمته السياسيّة " القيروان".
إضافة إلى ما سبق تشترك العناصر البشريّة في دول المغرب العربي في الأصول العرقية إذ تتكون من بربر( السكان الأصليون للمنطقة ) و عرب ( الوافدون من شبه الجزيرة العربيّة) وتجتمع هؤلاء الأصول العرقيّة عديد المقوّمات المشتركة مثل اللغة والتاريخ والدين و العادات و التقاليد.
شهد المغرب العربي خلال الفترة المعاصرة عديد الأزمات السياسيّة بين بعض الأقطار. وقد أدّت هذه الأزمات إلى قطع العلاقات الديبلوماسيّة بين البلدان المغاربيّة من ذلك يمكن ذكر قضيّة الصحراء الغربيّة التي ساهمت في تعكر العلاقات بين الجزائر والمغرب الأقصى في مناسبات متعددة.
وللتذكير فإنّ الصحراء الغربيّة كانت مستعمرة إسبانيّة قبل توقيع معاهدة مدريد في 14 نوفمبر 1975. وشهدت بروز حركات سياسيّة محليّة مناهضة للاستعمار منذ ستينات القرن العشرين. وتنقسم هذه الحركات إلى شقين، شق موالي للمغرب الأقصى مثل " حركة الطليعة" وشقّ ثاني موالي لموريتانيا.
وأمّا الشق الثالث فقد نادى بقيام دولة صحراوية مستقلة. وفي هذا السيّاق تأسست جبهة البوليساريو( الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب) في ماي 1973 التي رفعت شعار الاستقلال واتبعت النضال المسلح للتحرّر من الاستعمار الإسبّاني.
نصّت اتفاقية مدريد الموقعة يوم 14 نوفمبر 1975 بين إسبانيّا والمغرب وموريتانيا على تسليم الصحراء الغربيّة لدولتي المغرب وموريتانيا، منح منطقة وادي الذهب في الجنوب لموريتانيا ومنطقة وادي الساقية الحمراء في الشمال للمغرب . ورفضت الجزائر وجبهة البوليساريو اتفاقية مدريد واعتبروها " مؤامرة" على الصحراويين.
تسببت اتفاقية مدريد في اندلاع الصراعات المسلحة بين جبهة البوليساريو و المغرب وموريتانيا بعد إمضاء المغرب وموريتانيا اتفاقية لتقسيم الصحراء الغربيّة. ولقيت جبهة البوليساريو دعما من الجزائر وليبيا وبعض الأنظمة الشيوعيّة في العالم.
شهدت دولة موريتانيا انقلابا عسكريا يوم 10 جويلية 1978 أسقط نظام المختار ولد داده أول رئيس للبلاد، وسارعت بعد ذلك إلى توقيع معاهدة سلام مع جبهة البوليساريو في الجزائر يوم 5 أوت 1979 وانسحبت بعدها من منطقة وادي الذهب.
هكذا يمكن القول أنّ أزمة ملف الصحراء الغربيّة كانت عائقا أمام بناء مشروع الوحدة المغاربية حيث تسببت هذه الأزمة في توتر العلاقات بين الدول المغاربيّة، انطلقت بقطع العلاقات الديبلوماسيّة بين دولتي الجزائر والمغرب خاصة بعد اعتراف الجزائر بالجمهورية العربية الصحراوية بل إنّ المغرب الأقصى سحب عضويته من بعض المنظمات الإقليميّة بسبب هذا الملف من ذلك انسحاب المغرب من منظمة الوحدة الافريقية يوم 12 نوفمبر 1984 كردة فعل على منح العضويّة في هذه المنظمة للجمهورية العربيّة الصحراوية.
وأمّا الأزمة المغاربية الثانيّة فتتمثل في فشل اتفاقية الوحدة بين ليبيا وتونس في إطار " الجمهورية العربيّة الإسلاميّة". وجاء مشروع الوحدة في إطار تمسك العقيد معمر القذافي بأحلامه الثوريّة الوحدوية تأثرا بالزعيم المصري جمال عبد الناصر الذي تمكن سنة 1958 من تحقيق الوحدة بين مصر وسوريا في إطار دولة واحدة سميّت ب"الجمهورية العربيّة المتّحدة". واستمرّت هذه الدولة ثلاث سنوات لتنتهي سنة 1961 إثر انقلاب عسكري في سوريا ضدّ نظام شكري القوتلي.
وما يثير الحيرة في هذا السيّاق هو التساءل الآتي " ما الذي غيّر موقف الزعيم الحبيب بورقيبة من رفص الوحدة واعتبارها فكرة طوباوية إلى القبول بمشروع " الجمهوريّة العربيّة الإسلاميّة" بجربة؟ فالمعلوم أنّ الرئيس الحبيب بورقيبة رفض الوحدة في خطاب البلمريوم الشهير سنة 1972 وسخر من أفكار العقيد معمر القذافي التي بدت بعيدة كل البعد عن أرض الواقع.
وضمن هذا السيّاق أكدّ عديد السياسيين التونسيين الذّين عاصروا الرّئيس الحبيب بورقيبة أنّ إعلان الوحدة بين تونس وليبيا هي مجرّد مؤامرة وقع جرّ بورقيبة إليها من بعض المحيطين به في القصر عند غياب الوزير الأول الهادي نويرة حينما كان في زيارة عمل إلى طهران.
قرّر الزعيم الحبيب بورقيبة بعد نقاش طويل مع وزيره الأول التراجع عن مشروع الوحدة بين البلدين. ولم يتمكن العقيد معمر القذافي من إبقاء المشروع قائما على أرض الواقع حتّى أنّه سافر إلى جنيف ليلتقي بورقيبة و يحاول اقناعه بتنفيذ ما جاء في اتفاق جربة يوم 12 جانفي 1974 .
أدّى فشل مشروع الوحدة إلى توتر العلاقات الديبلوماسيّة بين تونس وليبيا وبدأ معمر القذافي في إعداد مؤامرات للإطاحة بالنظام البورقيبي لعلّ من بين هذه المؤامرات " أحداث قفصة 1980".
وكانت عمليّة قفصة المسلّحة 1980 من أهمّ المؤامرات التّي أعدّها العقيد معمر القذافي للإطاحة بنظام الرئيس الحبيب بورقيبة. وتسبب ذلك في قطع العلاقات الديبلوماسية بين البلدين من 1980 إلى 1987 تاريخ تولي زين العابدين بن علي الحكم في تونس.
ظلّ حلم الوحدة المغاربيّة يراود رجال الفكر والثقافة في المغرب العربي وفي مقدمتهم الوزير والكاتب التونسي " مصطفى الفيلالي" الذي يعتبر من السياسيين العرب القلائل المدافعين عن فكرة الوحدة المغاربية اي وحدة أقطار المغرب العربي ( ليبيا، تونس، الجزائر، المغرب وموريتانيا). وضمن هذا السيّاق أكدّ مصطفى الفيلالي في كتابه " المغرب العربي الكبير نداء المستقبل" أنّ الكفاءات المغاربيّة يمكن تكون حلاّ للنهوض بالمجتمع المغاربي. ويرى مصطفى الفيلالي الذّي تولى منصب الأمين العام لاتحاد المغرب العربي بالجزائر بين 1967 و1971 أنّ الوحدة المغاربيّة تمثل الحلّ الأنجع لبناء تقدّم المجتمعات المغاربيّة سياسيّا واقتصاديا واجتماعيا.
ظلّ المفكر مصطفى الفيلالي مؤمنا بالوحدة المغاربيّة وداعٍ إلى تحقيقها من أجل النهوض بالتنمية الاقتصادية و الاجتماعيّة بالأقطار المغاربيّة. كما كان يدعو دائما إلى محاربة الجهل والتخلّف بالمغرب العربي وخير دليل على ذلك ما جاء في رسالة وجهها إلى العقيد معمّر القذافي قال فيها ما يلي:" فلننتشل شعبنا المغاربي من طابور السفاهة والتخلّف، ونغرس بأرضنا الطيّبة الشجرة المباركة التّي أصلها ثابت وفرعها في السماء."
ختاما يمكن القول إنّ فكرة الوحدة المغاربيّة بقيت على أرض الواقع حبرا على ورق بسبب كثرة الخلافات بين أقطار المغرب العربي، لاسيّما بين المغرب الأقصى والجزائر إضافة إلى توتر العلاقات بين ليبيا وتونس في بعض الأحيان. كما أن نشاط اتحاد المغرب العربي الذي تأسس سنة 1989 باعتباره منظمة عربية رسمية ذات طابع وحدوي بقي محدودا بمثابة نادٍ عاجز على تفعيل الصيغ الوحدوية الإقليمية سياسيا واقتصاديا مثل خلق سوق اقتصادية مشتركة بين الأقطار المغاربية.
* باحث في التاريخ المعاصر
وتبدو فكرة الوحدة المغاربية ظاهريا شبيهة بفكرة " القوميّة العربيّة" التّي ظهرت خلال القرن العشرين، ودعا عديد المفكرين مثل شكيب أرسلان وساطع الحصري وميشال عفلق. وظلّت هذه الفكرة لا صلة لها في أرض الواقع لأسباب متعددة. لكن الوحدة المغاربيّة يمكن أن تكون مجسّدة على أرض الواقع لاعتبارات كثيرة. والمتأمل في التاريخ يلاحظ أنّ هذه الفكرة تراود المغاربيين منذ فترة الأربعينات بعد تأسيس جامعة دول العربية حين تمّ تأسس مكتب المغرب العربي بالقاهرة في شهر فيفري 1947 وأسندت رئاسة المؤتمر الشرفية لعبد الرحمان عزام باشا الأمين العام للجامعة العربية وكان هدف مكتب المغرب العربي التعاون بين الأقطار المغاربية الثلاثة المحتّلة على تحرير أوطانهم من الاستعمار والمطالبة بالاستقلال.
تمتلك دول المغرب العربي مقوّمات اقتصاديّة وثقافية وجغرافية ولغوية وتاريخية يمكن أن تجعل منها من أهّم قوى العالم شرط أن تجد أرضيّة ملائمة لتبلور مشروع الوحدة.
تتشابه دول المغرب العربي من الناحية الطبيعيّة في التضاريس والمناخ، وتتميّز بموقع استراتيجي إذ تطل هذه الدول على البحر الأبيض المتوسط الذّي يحدها من جهة الشمال. كما يتميّز المغرب العربي أيضا بقربه من دول الاتحاد الأوروبي. وتطلّ دولتا المغرب الأقصى وموريتانيا على المحيط الأطلسي. ويتوسط المغرب العربي قارّتي إفريقيّا وأوروبا. ويعدّ هذا الموقع بمثابة ثروة هامة إذ لا يفصل بين أقطاره أي حاجز طبيعي.
إضافة إلى ما تقدم تعدّ هذه الدول نقطة عبور هامة إلى دول القارّة الإفريقيّة. وتشترك هذه الأقطار أيضا في وحدة التضاريس، حيث تعتبر التضاريس عاملا مشتركا بين الدول المغاربيّة، إذ تشترك كل من تونس والجزائر والمغرب بوجود سلسلة جبليّة هما الأطلس التلّي والأطلس الصحراوي يفصل بينهما السهول الداخليّة الساحليّة في المغرب الأقصى والسهول العليا في الجزائر والسهول الشمّالية في تونس. وأمّا ليبيا وموريتانيا فهما دولتان صحراويتان بالأساس.
لا تتشابه الأقطار المغاربيّة في وحدة التضاريس بل تشترك أيضا في عديد المقومات الطبيعيّة الأخرى لعلّ أبرزها المناخ فهو يجمع بين المناخ الرطب و الجاف حيث تتسم مناطقه الجنوبيّة بمناخ جاف تقلّ فيه كميّة التساقطات في أغلب الأحيان عن 200 مم سنويّا. وأمّا مناطقه الشماليّة فتتميّز أغلبها بمناخ رطب.
كما يجمع بين أقطار المغرب العربي تاريخ مشترك حيث شهدت المنطقة المغاربيّة منذ العصر القديم توطن العديد من الغزاة كالفينيقيين والرومان والوندال و البيزنطيين والعرب و الإسبان والأتراك والفرنسيين.
وهكذا يمكن القول أنّ فكرة وحدة المغرب العربي متجذرة في التاريخ وليست وليدة القرن العشرين لأنّها فكرة مجردة ظلّت بعيدة عن أرض الواقع. ففي العصر الوسيط يعدّ المغرب العربي منطقة تابعة للإمبراطوريّة الأمويّة ثم العبّاسيّة بل إنّ مجال المغرب العربي حاليّا في العهد الأغلبي كان ولاية واحدة عاصمته السياسيّة " القيروان".
إضافة إلى ما سبق تشترك العناصر البشريّة في دول المغرب العربي في الأصول العرقية إذ تتكون من بربر( السكان الأصليون للمنطقة ) و عرب ( الوافدون من شبه الجزيرة العربيّة) وتجتمع هؤلاء الأصول العرقيّة عديد المقوّمات المشتركة مثل اللغة والتاريخ والدين و العادات و التقاليد.
شهد المغرب العربي خلال الفترة المعاصرة عديد الأزمات السياسيّة بين بعض الأقطار. وقد أدّت هذه الأزمات إلى قطع العلاقات الديبلوماسيّة بين البلدان المغاربيّة من ذلك يمكن ذكر قضيّة الصحراء الغربيّة التي ساهمت في تعكر العلاقات بين الجزائر والمغرب الأقصى في مناسبات متعددة.
وللتذكير فإنّ الصحراء الغربيّة كانت مستعمرة إسبانيّة قبل توقيع معاهدة مدريد في 14 نوفمبر 1975. وشهدت بروز حركات سياسيّة محليّة مناهضة للاستعمار منذ ستينات القرن العشرين. وتنقسم هذه الحركات إلى شقين، شق موالي للمغرب الأقصى مثل " حركة الطليعة" وشقّ ثاني موالي لموريتانيا.
وأمّا الشق الثالث فقد نادى بقيام دولة صحراوية مستقلة. وفي هذا السيّاق تأسست جبهة البوليساريو( الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب) في ماي 1973 التي رفعت شعار الاستقلال واتبعت النضال المسلح للتحرّر من الاستعمار الإسبّاني.
نصّت اتفاقية مدريد الموقعة يوم 14 نوفمبر 1975 بين إسبانيّا والمغرب وموريتانيا على تسليم الصحراء الغربيّة لدولتي المغرب وموريتانيا، منح منطقة وادي الذهب في الجنوب لموريتانيا ومنطقة وادي الساقية الحمراء في الشمال للمغرب . ورفضت الجزائر وجبهة البوليساريو اتفاقية مدريد واعتبروها " مؤامرة" على الصحراويين.
تسببت اتفاقية مدريد في اندلاع الصراعات المسلحة بين جبهة البوليساريو و المغرب وموريتانيا بعد إمضاء المغرب وموريتانيا اتفاقية لتقسيم الصحراء الغربيّة. ولقيت جبهة البوليساريو دعما من الجزائر وليبيا وبعض الأنظمة الشيوعيّة في العالم.
شهدت دولة موريتانيا انقلابا عسكريا يوم 10 جويلية 1978 أسقط نظام المختار ولد داده أول رئيس للبلاد، وسارعت بعد ذلك إلى توقيع معاهدة سلام مع جبهة البوليساريو في الجزائر يوم 5 أوت 1979 وانسحبت بعدها من منطقة وادي الذهب.
هكذا يمكن القول أنّ أزمة ملف الصحراء الغربيّة كانت عائقا أمام بناء مشروع الوحدة المغاربية حيث تسببت هذه الأزمة في توتر العلاقات بين الدول المغاربيّة، انطلقت بقطع العلاقات الديبلوماسيّة بين دولتي الجزائر والمغرب خاصة بعد اعتراف الجزائر بالجمهورية العربية الصحراوية بل إنّ المغرب الأقصى سحب عضويته من بعض المنظمات الإقليميّة بسبب هذا الملف من ذلك انسحاب المغرب من منظمة الوحدة الافريقية يوم 12 نوفمبر 1984 كردة فعل على منح العضويّة في هذه المنظمة للجمهورية العربيّة الصحراوية.
وأمّا الأزمة المغاربية الثانيّة فتتمثل في فشل اتفاقية الوحدة بين ليبيا وتونس في إطار " الجمهورية العربيّة الإسلاميّة". وجاء مشروع الوحدة في إطار تمسك العقيد معمر القذافي بأحلامه الثوريّة الوحدوية تأثرا بالزعيم المصري جمال عبد الناصر الذي تمكن سنة 1958 من تحقيق الوحدة بين مصر وسوريا في إطار دولة واحدة سميّت ب"الجمهورية العربيّة المتّحدة". واستمرّت هذه الدولة ثلاث سنوات لتنتهي سنة 1961 إثر انقلاب عسكري في سوريا ضدّ نظام شكري القوتلي.
وما يثير الحيرة في هذا السيّاق هو التساءل الآتي " ما الذي غيّر موقف الزعيم الحبيب بورقيبة من رفص الوحدة واعتبارها فكرة طوباوية إلى القبول بمشروع " الجمهوريّة العربيّة الإسلاميّة" بجربة؟ فالمعلوم أنّ الرئيس الحبيب بورقيبة رفض الوحدة في خطاب البلمريوم الشهير سنة 1972 وسخر من أفكار العقيد معمر القذافي التي بدت بعيدة كل البعد عن أرض الواقع.
وضمن هذا السيّاق أكدّ عديد السياسيين التونسيين الذّين عاصروا الرّئيس الحبيب بورقيبة أنّ إعلان الوحدة بين تونس وليبيا هي مجرّد مؤامرة وقع جرّ بورقيبة إليها من بعض المحيطين به في القصر عند غياب الوزير الأول الهادي نويرة حينما كان في زيارة عمل إلى طهران.
قرّر الزعيم الحبيب بورقيبة بعد نقاش طويل مع وزيره الأول التراجع عن مشروع الوحدة بين البلدين. ولم يتمكن العقيد معمر القذافي من إبقاء المشروع قائما على أرض الواقع حتّى أنّه سافر إلى جنيف ليلتقي بورقيبة و يحاول اقناعه بتنفيذ ما جاء في اتفاق جربة يوم 12 جانفي 1974 .
أدّى فشل مشروع الوحدة إلى توتر العلاقات الديبلوماسيّة بين تونس وليبيا وبدأ معمر القذافي في إعداد مؤامرات للإطاحة بالنظام البورقيبي لعلّ من بين هذه المؤامرات " أحداث قفصة 1980".
وكانت عمليّة قفصة المسلّحة 1980 من أهمّ المؤامرات التّي أعدّها العقيد معمر القذافي للإطاحة بنظام الرئيس الحبيب بورقيبة. وتسبب ذلك في قطع العلاقات الديبلوماسية بين البلدين من 1980 إلى 1987 تاريخ تولي زين العابدين بن علي الحكم في تونس.
ظلّ حلم الوحدة المغاربيّة يراود رجال الفكر والثقافة في المغرب العربي وفي مقدمتهم الوزير والكاتب التونسي " مصطفى الفيلالي" الذي يعتبر من السياسيين العرب القلائل المدافعين عن فكرة الوحدة المغاربية اي وحدة أقطار المغرب العربي ( ليبيا، تونس، الجزائر، المغرب وموريتانيا). وضمن هذا السيّاق أكدّ مصطفى الفيلالي في كتابه " المغرب العربي الكبير نداء المستقبل" أنّ الكفاءات المغاربيّة يمكن تكون حلاّ للنهوض بالمجتمع المغاربي. ويرى مصطفى الفيلالي الذّي تولى منصب الأمين العام لاتحاد المغرب العربي بالجزائر بين 1967 و1971 أنّ الوحدة المغاربيّة تمثل الحلّ الأنجع لبناء تقدّم المجتمعات المغاربيّة سياسيّا واقتصاديا واجتماعيا.
ظلّ المفكر مصطفى الفيلالي مؤمنا بالوحدة المغاربيّة وداعٍ إلى تحقيقها من أجل النهوض بالتنمية الاقتصادية و الاجتماعيّة بالأقطار المغاربيّة. كما كان يدعو دائما إلى محاربة الجهل والتخلّف بالمغرب العربي وخير دليل على ذلك ما جاء في رسالة وجهها إلى العقيد معمّر القذافي قال فيها ما يلي:" فلننتشل شعبنا المغاربي من طابور السفاهة والتخلّف، ونغرس بأرضنا الطيّبة الشجرة المباركة التّي أصلها ثابت وفرعها في السماء."
ختاما يمكن القول إنّ فكرة الوحدة المغاربيّة بقيت على أرض الواقع حبرا على ورق بسبب كثرة الخلافات بين أقطار المغرب العربي، لاسيّما بين المغرب الأقصى والجزائر إضافة إلى توتر العلاقات بين ليبيا وتونس في بعض الأحيان. كما أن نشاط اتحاد المغرب العربي الذي تأسس سنة 1989 باعتباره منظمة عربية رسمية ذات طابع وحدوي بقي محدودا بمثابة نادٍ عاجز على تفعيل الصيغ الوحدوية الإقليمية سياسيا واقتصاديا مثل خلق سوق اقتصادية مشتركة بين الأقطار المغاربية.
* باحث في التاريخ المعاصر