حسن الصعيب - أية علاقة بين الحزب والطبقة؟

ونحن على أبواب فاتح ماي ، يتجدد النقاش السياسي حول الأداة الحزبية للطبقة العاملة، ومن خلال تقييم سريع ومركز فقد جادل الماركسيون كثيرا حول المضمون الطبقي والسياسي للحزب، وكتبت مصنفات كثيرة منذ البيان الشيوعي، غير أن تجارب" الاشتراكية الفعلية" و بناء الأحزاب الشيوعية والمنظمات النقابية عالميا، لم تفلح في تحويل تلك التجارب إلى تماثل الحزب مع الطبقة التي يعبر عنها، رغم تأكيدكل من ماركس ولينين وتروتسكي وغرامشي و روزا لكسمبورغ وماو وغيرهم من أن كل طبقة تخلق حزبها، ومرد ذلك ثلاثة أسباب جوهرية:
1-في ظل النظام الرأسمالي يقوم المجتمع على أساس تقسيم العمل: بين العمل الفكري والعمل اليدوي، بين المدينة والبادية،بين المرأة و الرجل، إن استمرار هكذا تقسيم عمل لا يسمح بتبوء الطبقة العاملة مكانة مركزية في بناء الحزب، وحتى في مرحلة متقدمة عندما تلتحق الطلائع العمالية، يظل عددهم ضعيفا مقارنة بالبرجوازية والبرجوازية الصغيرة ، وهم في الغالب يتشكلون كمثقفين ثوريين انتحروا طبقيا، وهي فئة متميزة عن الطبقة البرجوازية الصغيرة باعتبارها طبقة اجتماعية متنوعة في المجتمع.
2- السبب الثاني ارتبط بتجربة بناء الاشتراكية، حيث حافظ الاشتراكيون على نظام الشغل التايلوري ثم الفوردي الذي يعيد إنتاج تقسيم العمل بين البرجوازية والطبقة العاملة، رغم أن العمل بهذا النظام فرضته شروط تطور قوى الإنتاج، بسبب خروج النظام الاشتراكي من ظروف الحرب الأهليةوالحصار الإمبريالي منهوكا، ففي مرحلة جد متقدمة من الإنتاج الاشتراكي ، كانت الضرورة تستدعي تطوير أسلوب الإنتاج، بالقضاء على التراتبية الاجتماعية داخل المصنع والمؤسسات الموازية، وتقليص وقت العمل إلى النصف، وحدها كولونتاي عبرت عن هذا الرأي واختلفت مع لينين.
نخلص للقول أن الحزب الماركسي في الشروط الحالية لا يمكن أن يتماثل مع الطبقة التي يعبر برنامجه السياسي عنها ، بل أقصى ما يسعى الوصول إليه هو استقطاب بعض طلائعها، وفي الحالات المتقدمة في النضال الطبقي هي تأسيس منظمات عمالية قريبة من الحزب، وهو ما فطن إليه مبكرا لينين، عندما ربط تأسيس الحزب الذي يضم مثقفين ثوريين بخمس منظمات عمالية ذات تراتبية سياسية من الدعاية للبرنامج الاشتراكي إلى تنظيم الإضراب العمالي.
في تجربة الحركة الماركسية اللينينية، وبشكل خاص تجربة منظمة إلى الأمام وفيما بعد من خلال تجربتي النهج الديمقراطي والنهج الديمقراطي العمالي.
كانت محاولات حتيثة لتحويل هذه التنظيمات إلى تمثيل الطبقة العاملة من خلال الطلائع العمالية، لكنها في الأخير فشلت في هذا المسعى، ولعل أسباب ذلك تعود إلى تخلف الفكر الماركسي في مواكبة التحولات السوسيولوجية للطبقات الشعبية وعلى رأسها الطبقة العاملة، إذ كانت وما تزال ، تفتقد إلى بلورة خطط تكتيكية بناء على تحقيقات ميدانية كما كانت تفعل بعض تجارب بناء حزب ماركسي، ويعود أيضا إلى عدم تبلور فئة المثقفين الثوريين كفئة تاريخية التي كان النظام دائما يقوم بتجفيف شروط ولادتها، من خلال قمعها كلما بدت تهدد وجوده، بالإضافة إلى عدم إنضاج شروط بروز مجتمع مدني مستقل وفاعل في سيرورة التغيير عبر خلق فضاء عمومي تصارع من خلاله مشاريع تغيير الدولة والمجتمع.
3- السبب الثالث توضحه التحليلات السوسيولوجية والاقتصادية والسياسية التي تنهل من ماركسية متجددة ، لم تعد الرأسمالية مختزلة في التناقض بين علاقات الانتاج وقوة الانتاج، بل امتدت إلى تناقضات جديدة ، مثل التناقض مع الطبيعة التي تستنزفها الرأسمالية بشكل متزايد وتهدد الكوكب بالدمار نتيجة اشتداد الاحتباس الحراري، والتناقض مع أعمال الرعاية التي تقوم بها النساء في المجتمع ، والتناقض أيضا مع نظام الحكم ، والحاجة إلى الديمقراطية والعدالة الاجتماعية. تخلص هذه التحاليل إلى القول بأن الرأسمالية نظام اجتماعي مهيكل على عدة مستويات اقتصادية وبيئية وجنذرية وسياسية وامبريالية وصهيونية. وأي نظر للرأسمالية من وجهة نظر أحادية ، محكوم عليها بإعادة إنتاج نفس التراتبية الاجتماعية وإبقاء نظام الهيمنة والاستبداد قائما لأمد طويل.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى