علي سيف الرعيني_|في زمن تتكاثرفيه العتمةماذا عن دورالمثقف العربي ؟

ربما المثقف ليس حامل شهادات ولا مجرد قارئ نَهِم نجده احيانا صاحب موقف وصوت نقدي، وعين تحاول أن ترى ما لا يراه الآخرون، أو ما يتجنب كثيرون رؤيته. إنه من يسأل حين يكتفي الآخرون بالصمت، ويحلل حين يكتفي البعض بالتسليم، ويحاول أن يضيء مناطق الظل في زمن تتكاثر فيه العتمة
لكن هذه الوظيفة نفسها تجعله في مرمى الاتهام. فإذا اقترب من السلطة قيل إنه مهادن أومنتفع، وإذا ابتعد عنها ووجّه النقد اتُّهم بالخيانة أو التشاؤم أو السعي لهدم الاستقرار. وإذا انشغل بقضايا الناس اليومية، قيل إنه شعبوي، وإذا تحدث بلغة الفكر والمعرفة، وُصف بأنه يعيش في برج عاجي بعيد عن هموم الشارع
هكذا يجد المثقف العربي نفسه محاصرا بين نقيضين فإما متهم دائمًا، اومعزول دائمًا. فلا هو قادر على الاندماج الكامل في المجال العام دون خسائر، ولا هو يستطيع الانسحاب الكامل دون أن يفقد رسالته الأساسية
في حين ان العزلة هنا ليست دائمًا اختيارًا شخصيًا، بل كثيرًا ما تكون نتيجة بيئة لا تحتمل السؤال، ولا ترحب بالنقد، ولا تمنح الفكر المساحة التي يستحقها. في زمن السرعة والشعارات المختصرة والانفعال اللحظي، يصبح الصوت العاقل بطيئًا في نظر الجمهور، ويبدو التحليل العميق أقل جاذبية من الخطاب الحاد أو الإثارة السريعة
كما أن وسائل التواصل الحديثة رغم أنها فتحت أبواب التعبير، ساهمت أحيانًا في تشويه صورة المثقف، حين أصبح الحكم على الأفكار يتم عبر الانطباعات السريعة لا عبر الفهم والتأمل. فأصبح المثقف مطالبًا بأن يختصر قضايا معقدة في سطرين، وأن يبرر نفسه أمام موجات من الاتهام قبل أن يُسمع رأيه أصلا
ومع ذلك، لا يمكن للمجتمعات أن تتقدم دون مثقفيها. لأن المثقف الحقيقي وجوده ضرورة حضارية. فهو الضمير الذي يذكّر الناس بما يجب ألا يُنسى، والعقل الذي يحاول حماية المجتمع من الانجراف الكامل نحو الجهل أو التعصب أوالتبعية العمياء
المشكلة ليست في وجود المثقف، بل في طبيعة العلاقة بينه وبين المجتمع. حين يُنظر إلى الفكر باعتباره ترفًا، وإلى النقد باعتباره تهديدًا، تصبح العزلة قدرًا، ويصبح الاتهام وظيفة جاهزة تُلصق بكل من يحاول التفكير بصوت مرتفع.
إن إنصاف المثقف العربي لا يعني منحه حصانة من النقد بل الاعتراف بحقه في الاختلاف، وفي السؤال، وفي أداء دوره دون تخوين أو تشويه. كما أن على المثقف نفسه أن يخرج من بعض عزلته، وأن يعيد بناء جسور الثقة مع الناس، لا بلغة التعالي، بل بلغة الصدق والمسؤولية
فالمثقف ليس معصوما ولا خصمًا دائمًا للمجتمع، بل شريك في مصيره. وكل أمة تُقصي مثقفيها، أو تحاصر أصواتهم، إنما تؤجل أزمتها ولا تحلّها
وبين العزلة والاتهام يبقى السؤال الاهم وهو هل نريد مثقفًا يصفق أم مثقفًا يفكر؟
والأمم التي تختار التصفيق طويلًا، تدفع لاحقًا ثمن الصمت باهظًا !!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى