مجيدة محمدي - صادق الصائغ: الشاعر والفنان الذي حمل الوطن ومات غريبًا

الفنان التشكيلي والخطاط العبقري، والإعلامي البارز، والسينمائي المشاغب، والشاعر المعاصر المجدد؛ هو واحد من جيل المثقف الشامل الذي مارس أغلب ألوان الفنون. غيّبه الموت اليوم، وترك إرثًا ثقافيًا ثريًا ومتنوعًا. لكنني سأحدثكم عن الزاوية التي أعرفها جيدًا عنه: زاوية الشعر.
فهو صوت شعري تشكّل في ظل التحولات العاصفة التي عرفها العراق سياسيًا واجتماعيًا، فخرجت قصيدته محمّلة بقلق المرحلة، ومشبعة بروح التمرد والأسئلة الوجودية. صحيح أنه لا يُعد من الأسماء الجماهيرية الصاخبة، بل من الأصوات التي تكتب في منطقة أكثر هدوءًا، لكنها كتابات عميقة بعمق جروح هذه الأمة المنكوبة. فقصيدته ليست زخرفة لغوية، بل محاولة لالتقاط ما يتسرّب من المعنى بين الأشياء. يكتب وكأنه يخاف أن يفلت الزمن من بين أصابعه، لذلك تأتي نصوصه مشدودة إلى لحظة إنسانية مكثّفة.
من أبرز مميزاته الشعرية والفنية اقتصاده اللغوي وتكثيفه للمعنى؛ لا يكتب كثيرًا ليقول قليلًا، بل يقول الكثير بأقل عدد ممكن من الكلمات. الجملة عنده مثل حجر صغير يرميه، لكنه إذا سقط في الماء أحدث دوائر ارتدادية لا تنتهي.
تشدك نصوصه التي تبدو أقرب إلى التأملات الفلسفية منها إلى البوح المباشر، حيث يطرح أسئلة عن الوجود، والعزلة، والفقد، والهوية، دون أن يقدّم إجابات جاهزة. يشتغل على الصورة البسيطة العميقة، معتمدًا على صور يومية مألوفة، لكنه يعيد شحنها بدلالات غير متوقعة؛ فقد يحوّل تفصيلًا عابرًا—نافذة، ظل، أو كرسي مهمل—إلى مركز دلالي للنص.
تتسم قصيدته بحزن عميق؛ لا تجد فيها الانفعال الحاد، بل انكسارًا داخليًا يُكتب بهدوء، كأنه يهمس بدل أن يصرخ. وبهذه الصياغة ينفتح أسلوبيًا على فضاء قصيدة النثر العربية الحديثة، حيث تتحرر اللغة من القيود الوزنية دون أن تفقد موسيقاها الداخلية.
الحس الوجودي في نصوصه عالٍ، إذ تطرح أسئلة العبث والمعنى بقوة، من حيث الروح لا التقليد، في أجواء تستحضر تجارب شعرية قريبة من أنسي الحاج وسركون بولص؛ حيث اللغة ليست أداة وصف، بل وسيلة حفر في المجهول والقيمة. وهكذا يكتب صادق الصائغ كمن يمسك بإبرة ينبش بها المعاني المخفية؛ لا ينتظر إجابة، بل يبحث عن أثر، عن ندبة ما على شغاف القلب. لذلك لا يقدّم الحقيقة، بل يلمّح إليها، ثم يترك القارئ وحيدًا أمامها.
ولا يقل اشتغاله بالفن التشكيلي، وبالخط العربي خاصة، قيمة عن اشتغاله بالكلمة؛ إذ حمّل لوحاته أبعادًا سريالية عميقة، منتقدًا من خلالها الأوضاع السياسية والاجتماعية في العراق، وباثًا فيها إحساسه بالغربة المزدوجة: غربة شعورية وغربة مكانية.
صادق الصائغ، الشاعر والفنان والإعلامي والسينمائي المخضرم، الذي حمل الوطن ومات غريبًا… وداعًا.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى