فلسطين بين شلل المؤسسات وتسارع الاستيطان: هل حان وقت المراجعة الوطنية الشاملة؟
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
تمر القضية الفلسطينية في واحدة من أكثر مراحلها دقة وتعقيدًا، في ظل تداخل أزمات داخلية خانقة مع مخاطر خارجية متسارعة، الأمر الذي يفرض قراءة وطنية مسؤولة تتجاوز المعالجات المؤقتة، وتنظر إلى المستقبل الفلسطيني برؤية استراتيجية شاملة. فما يجري اليوم لم يعد مجرد أزمة مالية عابرة أو تعثر إداري محدود، بل بات حالة شلل تضرب قطاعات أساسية في بنية النظام العام، من الصحة والتربية والتعليم، إلى القضاء والخدمات العامة، بما ينعكس مباشرة على حياة المواطن وثقته بالمؤسسات.
إن تعثر انتظام الرواتب، وتراجع مستوى الخدمات، واتساع دائرة الإحباط الاجتماعي، ليست مجرد مظاهر اقتصادية، بل مؤشرات على أزمة حكم وإدارة تحتاج إلى معالجة جذرية. فالدولة التي تضعف مؤسساتها، ويتراجع أداء مرافقها، تصبح أكثر هشاشة أمام الضغوط الخارجية وأكثر عجزًا عن حماية مشروعها الوطني.
وفي المقابل، تستغل إسرائيل هذا الواقع الداخلي الفلسطيني لتسريع سياساتها الاستيطانية على الأرض، عبر توسيع المستوطنات، ومصادرة الأراضي، وفرض وقائع الضم التدريجي، واستمرار الاقتحامات العسكرية، وتدمير المخيمات، والتغول في مناطق (ج) و(ب)، بل وحتى في مناطق (أ). وهي سياسات تهدف بوضوح إلى تقويض أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة وقابلة للحياة.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في تصاعد المشروع الاستيطاني، بل في غياب استراتيجية فلسطينية موحدة وقادرة على المواجهة. فبينما تتطلب المرحلة أعلى درجات التماسك الوطني، يبدو المشهد الداخلي منشغلًا بصراعات النفوذ، والاستقطاب التنظيمي، وحسابات ما قبل المؤتمرات، وفي مقدمتها مؤتمر حركة فتح، بما يثير تساؤلات مشروعة حول الأولويات الوطنية في هذه اللحظة التاريخية.
وحركة فتح، بحكم موقعها التاريخي والسياسي، ليست شأنًا تنظيميًا داخليًا فحسب، بل ركيزة أساسية من ركائز المشروع الوطني الفلسطيني. ومن هنا، فإن أي مؤتمر لها يجب أن يكون محطة للمراجعة والتجديد والإصلاح، لا مناسبة لإعادة إنتاج الانقسامات أو ترسيخ مراكز القوى. فمستقبل الحركة يرتبط إلى حد بعيد بمستقبل النظام السياسي الفلسطيني، وبقدرة المشروع الوطني على استعادة زمام المبادرة.
إن الفلسطينيين اليوم بحاجة إلى انتقال حقيقي من إدارة الأزمة إلى صناعة الحل، ومن ردود الفعل إلى الفعل الاستراتيجي، وذلك من خلال مجموعة أولويات وطنية عاجلة:
أولًا، إعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات عبر الشفافية، وسيادة القانون، والعدالة في توزيع الأعباء والموارد.
ثانيًا، إطلاق خطة إنقاذ اقتصادي وإداري تضمن انتظام الخدمات الأساسية، وصمود القطاعات الحيوية، وتخفيف الأعباء عن المواطنين.
ثالثًا، توحيد البيت الداخلي وإنهاء الانقسام، على قاعدة الشراكة السياسية واحترام التعددية الوطنية.
رابعًا، بلورة استراتيجية مواجهة شاملة للاستيطان، تستند إلى أدوات القانون الدولي، والدبلوماسية الفاعلة، وتعزيز صمود المواطن على الأرض.
خامسًا، تجديد الشرعيات الوطنية عبر مسارات ديمقراطية ومؤسساتية تعيد الحيوية للنظام السياسي.
إن المرحلة الراهنة لا تحتمل مزيدًا من إهدار الوقت، لأن الزمن السياسي لا ينتظر أحدًا، والميدان يتغير يوميًا على نحو يهدد الحقوق والثوابت الوطنية. وإذا لم تُبادر القيادة والقوى الوطنية إلى مراجعة شاملة وشجاعة، فإن كلفة الجمود ستكون أكبر بكثير من كلفة الإصلاح.
فلسطين اليوم بحاجة إلى رؤية وطنية جديدة، توازن بين الصمود والمبادرة، وبين الواقعية السياسية والثوابت الوطنية، وتعيد الاعتبار للإنسان الفلسطيني باعتباره جوهر القضية وغايتها. فالأوطان لا تُبنى بإدارة الأزمات، بل ببناء المستقبل.
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
تمر القضية الفلسطينية في واحدة من أكثر مراحلها دقة وتعقيدًا، في ظل تداخل أزمات داخلية خانقة مع مخاطر خارجية متسارعة، الأمر الذي يفرض قراءة وطنية مسؤولة تتجاوز المعالجات المؤقتة، وتنظر إلى المستقبل الفلسطيني برؤية استراتيجية شاملة. فما يجري اليوم لم يعد مجرد أزمة مالية عابرة أو تعثر إداري محدود، بل بات حالة شلل تضرب قطاعات أساسية في بنية النظام العام، من الصحة والتربية والتعليم، إلى القضاء والخدمات العامة، بما ينعكس مباشرة على حياة المواطن وثقته بالمؤسسات.
إن تعثر انتظام الرواتب، وتراجع مستوى الخدمات، واتساع دائرة الإحباط الاجتماعي، ليست مجرد مظاهر اقتصادية، بل مؤشرات على أزمة حكم وإدارة تحتاج إلى معالجة جذرية. فالدولة التي تضعف مؤسساتها، ويتراجع أداء مرافقها، تصبح أكثر هشاشة أمام الضغوط الخارجية وأكثر عجزًا عن حماية مشروعها الوطني.
وفي المقابل، تستغل إسرائيل هذا الواقع الداخلي الفلسطيني لتسريع سياساتها الاستيطانية على الأرض، عبر توسيع المستوطنات، ومصادرة الأراضي، وفرض وقائع الضم التدريجي، واستمرار الاقتحامات العسكرية، وتدمير المخيمات، والتغول في مناطق (ج) و(ب)، بل وحتى في مناطق (أ). وهي سياسات تهدف بوضوح إلى تقويض أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة وقابلة للحياة.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في تصاعد المشروع الاستيطاني، بل في غياب استراتيجية فلسطينية موحدة وقادرة على المواجهة. فبينما تتطلب المرحلة أعلى درجات التماسك الوطني، يبدو المشهد الداخلي منشغلًا بصراعات النفوذ، والاستقطاب التنظيمي، وحسابات ما قبل المؤتمرات، وفي مقدمتها مؤتمر حركة فتح، بما يثير تساؤلات مشروعة حول الأولويات الوطنية في هذه اللحظة التاريخية.
وحركة فتح، بحكم موقعها التاريخي والسياسي، ليست شأنًا تنظيميًا داخليًا فحسب، بل ركيزة أساسية من ركائز المشروع الوطني الفلسطيني. ومن هنا، فإن أي مؤتمر لها يجب أن يكون محطة للمراجعة والتجديد والإصلاح، لا مناسبة لإعادة إنتاج الانقسامات أو ترسيخ مراكز القوى. فمستقبل الحركة يرتبط إلى حد بعيد بمستقبل النظام السياسي الفلسطيني، وبقدرة المشروع الوطني على استعادة زمام المبادرة.
إن الفلسطينيين اليوم بحاجة إلى انتقال حقيقي من إدارة الأزمة إلى صناعة الحل، ومن ردود الفعل إلى الفعل الاستراتيجي، وذلك من خلال مجموعة أولويات وطنية عاجلة:
أولًا، إعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات عبر الشفافية، وسيادة القانون، والعدالة في توزيع الأعباء والموارد.
ثانيًا، إطلاق خطة إنقاذ اقتصادي وإداري تضمن انتظام الخدمات الأساسية، وصمود القطاعات الحيوية، وتخفيف الأعباء عن المواطنين.
ثالثًا، توحيد البيت الداخلي وإنهاء الانقسام، على قاعدة الشراكة السياسية واحترام التعددية الوطنية.
رابعًا، بلورة استراتيجية مواجهة شاملة للاستيطان، تستند إلى أدوات القانون الدولي، والدبلوماسية الفاعلة، وتعزيز صمود المواطن على الأرض.
خامسًا، تجديد الشرعيات الوطنية عبر مسارات ديمقراطية ومؤسساتية تعيد الحيوية للنظام السياسي.
إن المرحلة الراهنة لا تحتمل مزيدًا من إهدار الوقت، لأن الزمن السياسي لا ينتظر أحدًا، والميدان يتغير يوميًا على نحو يهدد الحقوق والثوابت الوطنية. وإذا لم تُبادر القيادة والقوى الوطنية إلى مراجعة شاملة وشجاعة، فإن كلفة الجمود ستكون أكبر بكثير من كلفة الإصلاح.
فلسطين اليوم بحاجة إلى رؤية وطنية جديدة، توازن بين الصمود والمبادرة، وبين الواقعية السياسية والثوابت الوطنية، وتعيد الاعتبار للإنسان الفلسطيني باعتباره جوهر القضية وغايتها. فالأوطان لا تُبنى بإدارة الأزمات، بل ببناء المستقبل.