القضاء الفلسطيني بين معاناة القضاة وحقوق المتقاضين: هل ما زال الحصن الأخير صامدًا؟

القضاء الفلسطيني بين معاناة القضاة وحقوق المتقاضين: هل ما زال الحصن الأخير صامدًا؟

بقلم: المحامي علي أبو حبلة

يشكّل القضاء في أي دولة الركيزة الأساسية لضمان سيادة القانون، وصون الحقوق والحريات، وحماية المجتمع من الفوضى والاعتداء على الحقوق. وفي الحالة الفلسطينية، تتضاعف أهمية القضاء باعتباره المؤسسة الوطنية التي يلجأ إليها المواطن في ظل ظروف سياسية واقتصادية وأمنية معقدة، ما يجعله الحصن الأخير للعدالة والضامن لاستقرار المجتمع.

غير أن ما تشهده الساحة القضائية الفلسطينية في السنوات الأخيرة من تحديات متراكمة، سواء على مستوى الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للقضاة، أو على مستوى تراكم القضايا وطول أمد التقاضي، يثير تساؤلات جدية حول قدرة هذا المرفق الحيوي على الاستمرار بالقيام بدوره بالكفاءة المطلوبة.

القضاء ليس بمنأى عن الأزمات العامة

القاضي الفلسطيني، شأنه شأن باقي أبناء الشعب الفلسطيني، يعيش تحت تأثير الأزمات الاقتصادية، وتأخر الرواتب، وارتفاع تكاليف المعيشة، وصعوبات الحركة والتنقل، فضلًا عن الضغوط النفسية الناتجة عن الواقع العام. إلا أن خصوصية موقعه ومسؤوليته تتطلب أن يكون في أعلى درجات الاتزان الذهني والمهني، لأن أي خلل في بيئته العملية أو ظروفه الحياتية ينعكس بصورة مباشرة أو غير مباشرة على جودة العدالة وسرعة إنجازها.

ومن هنا، فإن أي حادثة تعكس حجم الضغوط التي يعيشها القضاة، بما في ذلك تأجيل جلسات أو تعطيل البت في بعض القضايا نتيجة ظروف استثنائية، يجب أن تُقرأ باعتبارها مؤشرًا على أزمة أعمق، لا مجرد حالات فردية معزولة.

المتقاضي هو المتضرر الأول

حين تتراجع ظروف العمل داخل المحاكم، أو تتكدس الملفات، أو يطول أمد النزاع، فإن المتضرر الأول هو المواطن الذي ينتظر إنصافه. فالتقاضي البطيء قد يتحول إلى شكل من أشكال إنكار العدالة، وتأخر الأحكام قد يعني ضياع حقوق، خاصة في القضايا المدنية والعمالية والأسرية والجزائية.

كما أن تراجع ثقة الجمهور بالمؤسسات القضائية ينعكس سلبًا على الاستقرار المجتمعي، لأن المواطن حين يفقد ثقته بالمحكمة قد يبحث عن بدائل خارج إطار القانون، وهو ما يهدد السلم الأهلي ويضعف هيبة الدولة.

الحاجة إلى إصلاح شامل

إن معالجة التحديات التي تواجه القضاء الفلسطيني لا تتم من خلال حلول جزئية أو إجراءات إدارية مؤقتة، بل عبر رؤية إصلاحية شاملة تعيد الاعتبار للسلطة القضائية، وتعزز استقلالها، وتوفر مقومات العمل الكريم للقضاة وأعضاء النيابة وموظفي العدالة كافة.

وتشمل هذه الرؤية:- تحسين الأوضاع المعيشية للعاملين في السلك القضائي بما يحفظ استقلالهم وكرامتهم. تطوير البنية التحتية للمحاكم وتحديث أنظمة العمل والإدارة القضائية. تسريع إجراءات التقاضي وتقليل التراكم في الملفات. تحصين مبدأ الفصل بين السلطات وتعزيز استقلال القضاء عن أي تأثيرات خارجية. توفير الدعم النفسي والمهني للقضاة في ظل الضغوط المتزايدة.

إعادة بناء الثقة المجتمعية بمنظومة العدالة من خلال الشفافية والكفاءة.

قراءة في الواقع وتحذير مبكر ؟؟ إن ما وصلنا إليه اليوم يعيد إلى الأذهان ما كان يردده المرحوم سعادة الجلاد، حين قال ذات يوم بعبارة استشرافية لافتة: "وفّروا الدموع ليوم الدموع"، في إشارة إلى مخاطر الوصول إلى أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية متراكمة إن لم تُعالج في وقتها.

وتبدو هذه المقولة اليوم ذات دلالة عميقة، ليس من باب التشاؤم، بل للتأكيد أن تجاهل الأزمات الصغيرة يؤدي في النهاية إلى أزمات أكبر تمسّ بنية المجتمع ومؤسساته، وفي مقدمتها مؤسسة القضاء.

الخلاصة

القضاء الفلسطيني ما زال يمثل ركيزة أساسية لصمود المجتمع وحماية الحقوق، لكنه بحاجة ماسة إلى دعم حقيقي وإصلاح جاد يراعي التحديات التي يواجهها القضاة والمتقاضون على حد سواء. فاستقرار القضاء ليس مطلبًا فئويًا، بل مصلحة وطنية عليا، لأن العدالة حين تكون قوية يشعر المواطن بالأمان، وحين تضعف تتسع دائرة القلق وفقدان الثقة.

إن الحفاظ على القضاء الفلسطيني وتعزيز مكانته هو استثمار في مستقبل الدولة والمجتمع، ورسالة بأن القانون سيبقى فوق الجميع، وأن العدالة، رغم كل الصعوبات، يجب أن تبقى صامدة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى