حركة فتح قبيل المؤتمر الثامن: بين استحقاق الإصلاح الداخلي وصناعة المستقبل الوطني الفلسطيني

حركة فتح قبيل المؤتمر الثامن: بين استحقاق الإصلاح الداخلي وصناعة المستقبل الوطني الفلسطيني

---------------------------------------------------------------------------------------------

بقلم المحامي علي أبو حبلة

---------------------------

تقف حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح أمام واحدة من أكثر المحطات حساسية في تاريخها السياسي والتنظيمي، مع اقتراب انعقاد مؤتمرها الثامن، في ظل مرحلة وطنية وإقليمية شديدة التعقيد، تتداخل فيها تداعيات الحرب على غزة، واستمرار الانقسام الفلسطيني، وتصاعد الاستهداف الإسرائيلي للمشروع الوطني الفلسطيني، إلى جانب أزمات داخلية تراكمت عبر السنوات وأثرت في بنية الحركة وعلاقتها بجمهورها وقواعدها التنظيمية.

ولا يمكن النظر إلى المؤتمر الثامن بوصفه مجرد استحقاق تنظيمي دوري، بل باعتباره منعطفاً تاريخياً سيحدد مستقبل الحركة، ويترك انعكاساته المباشرة على مستقبل النظام السياسي الفلسطيني برمته، نظراً إلى المكانة المركزية التي ما زالت تحتلها فتح داخل منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية الفلسطينية والحركة الوطنية الفلسطينية عموماً.

إن نجاح المؤتمر أو تعثره لن يكون شأناً داخلياً خاصاً بالحركة وحدها، بل قضية وطنية عامة، لأن قوة فتح من قوة الحالة الوطنية الفلسطينية، وأي ضعف أو انقسام داخلها ستكون له تداعيات واسعة على القضية الفلسطينية في لحظة تحتاج فيها الساحة إلى أعلى درجات الوحدة والصلابة.

أولاً: مؤتمر استثنائي في ظروف استثنائية

يأتي انعقاد المؤتمر الثامن بينما تمر القضية الفلسطينية بأخطر مراحلها منذ عقود، في ظل محاولات إسرائيلية متواصلة لتصفية الحقوق الوطنية الفلسطينية، وفرض وقائع جديدة على الأرض في القدس والضفة الغربية، واستمرار الحصار والدمار في غزة، إلى جانب تراجع الاهتمام الدولي بالقضية الفلسطينية وانشغال الإقليم بأزماته الخاصة.

وفي ظل هذه البيئة المعقدة، تصبح المسؤولية الملقاة على عاتق حركة فتح مضاعفة، باعتبارها الحركة التي قادت المشروع الوطني الفلسطيني تاريخياً، وقدمت آلاف الشهداء والأسرى والجرحى، وأسست لمنظمة التحرير الفلسطينية كعنوان سياسي جامع للشعب الفلسطيني.

ومن هنا، فإن المؤتمر الثامن يجب أن يكون مؤتمر مراجعة وطنية شاملة، لا مجرد محطة انتخابية أو إعادة توزيع للمواقع التنظيمية.

ثانياً: الأزمة الداخلية... بين الاستقالات والاستبعادات

---------------------------------------------------

تزامناً مع التحضير للمؤتمر، برزت مؤشرات مقلقة تمثلت في تقديم استقالات، واستبعاد عدد من الكوادر والقيادات ذات الحضور التنظيمي والتاريخي، الأمر الذي أثار حالة من الجدل والتساؤلات داخل الأطر التنظيمية وبين القواعد الفتحاوية.

إن هذه الظواهر لا ينبغي التعامل معها بوصفها حالات فردية عابرة، بل باعتبارها تعبيراً عن أزمة أعمق تتصل بطبيعة العلاقة بين القيادة والقاعدة، وبمدى الالتزام بمبدأ الشراكة التنظيمية، وعدالة التمثيل، وشفافية اتخاذ القرار.

فالحركات الكبرى لا تضعف بسبب خصومها فقط، بل حين تتسع الفجوة بين مؤسساتها وكوادرها، أو حين يشعر أبناؤها أن تضحياتهم وتاريخهم لم يعودا موضع تقدير داخل البيت التنظيمي.

ومن هنا، فإن استبعاد الكفاءات والكوادر التاريخية، أو تغييب الأصوات النقدية، قد يؤدي إلى نتائج خطيرة، أبرزها:

إضعاف الثقة الداخلية بين القاعدة والقيادة. تعميق الاستقطاب التنظيمي والانقسام الصامت. تراجع الحماسة والانتماء لدى الكادر الميداني. التشكيك بشرعية بعض المخرجات التنظيمية. إضعاف صورة الحركة أمام الشارع الفلسطيني.

ثالثاً: النظام الداخلي... صمام الأمان التنظيمي

--------------------------------------------

إن أي عملية إصلاح حقيقي داخل حركة فتح يجب أن تبدأ من الاحتكام الكامل للنظام الداخلي باعتباره المرجعية القانونية والتنظيمية الناظمة لعمل الحركة، والضامن للعدالة والمساواة وتكافؤ الفرص بين أبنائها.

فالنظام الداخلي ليس نصاً شكلياً، بل عقداً تنظيمياً يحدد الحقوق والواجبات، وينظم آليات العضوية والانتخاب والتمثيل والمحاسبة، ويمنع الشخصنة والتفرد ويعزز المؤسسية.

وعليه، فإن نجاح المؤتمر الثامن يتطلب:- الالتزام الواضح بمعايير العضوية والتمثيل. ضمان نزاهة وشفافية الانتخابات الداخلية. احترام حق الكادر في الترشح والمشاركة. تمثيل الأقاليم والأطر المختلفة بعدالة. تفعيل مبدأ المساءلة والمحاسبة التنظيمية.

الاحتكام للمؤسسات لا للأفراد.

----------------------------------

فحين يسود القانون التنظيمي، تستعيد الحركة ثقة أبنائها، وتتحول الخلافات إلى طاقة بناءة لا إلى صراعات مدمرة.

رابعاً: من حركة سلطة إلى حركة تحرر متجددة

من أبرز التحديات التي واجهت حركة فتح خلال العقود الماضية حالة التداخل بين دورها كحركة تحرر وطني، ودورها كحركة تقود السلطة الوطنية الفلسطينية. وقد أفرز هذا التداخل فجوة متزايدة بين التنظيم والشارع، وبين الحركة وقواعدها.

واليوم، يفرض الواقع مراجعة شجاعة لهذه العلاقة، بما يعيد للحركة دورها الأساسي كحركة تحرر وطني تقود النضال السياسي والشعبي والدبلوماسي، وتدافع عن الثوابت الوطنية، دون أن تذوب بالكامل في البنية البيروقراطية للسلطة.

إن فتح بحاجة إلى استعادة روحها الأولى: حركة جماهيرية، نضالية، جامعة، قادرة على احتضان كل الطاقات الوطنية.

خامساً: المؤتمر الثامن واستحقاق المستقبل الفلسطيني

إن المؤتمر الثامن يجب أن يخرج برؤية وطنية شاملة للمرحلة القادمة، تقوم على الأسس التالية:-


  • إنهاء الانقسام الفلسطيني واستعادة الوحدة الوطنية على قاعدة الشراكة السياسية.
  • إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية وتفعيل مؤسساتها لتضم الجميع.
3-تعزيز المقاومة الشعبية والدبلوماسية وفق قواعد القانون الدولي.

4-تمكين الشباب والمرأة والكفاءات في مراكز القرار.

5-- تعزيز صمود المواطن الفلسطيني اقتصادياً واجتماعياً في القدس والضفة وغزة.6- 666

6- إعادة الثقة بين القيادة والشارع عبر خطاب جديد وأداء جديد.

7- إعداد جيل قيادي جديد يجمع بين الخبرة التاريخية والكفاءة المعاصرة.

سادساً: السيناريوهات المحتملة

------------------------------

إذا نجحت الحركة في احتواء الخلافات واحترام أنظمتها وإشراك جميع مكوناتها، فقد يتحول المؤتمر إلى نقطة انطلاق جديدة تستعيد فيها فتح زخمها ودورها الريادي.

أما إذا غلبت الحسابات الضيقة، واستمرت سياسة الإقصاء، فقد يخرج المؤتمر بقرارات شكلية، فيما تبقى الأزمة قائمة وتظهر لاحقاً في صورة انقسامات أو تراجع شعبي وتنظيمي.

خاتمة

---------------------------

إن حركة فتح ليست تنظيماً عادياً في التاريخ الفلسطيني، بل هي ركيزة من ركائز الهوية الوطنية المعاصرة، وصاحبة الدور الأبرز في إعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية على الساحة الدولية. ولذلك فإن مسؤولية الحفاظ عليها وتطويرها وتجديدها هي مسؤولية وطنية عامة، وليست شأناً داخلياً ضيقاً.

المؤتمر الثامن فرصة تاريخية قد لا تتكرر، وهو اختبار حقيقي لقدرة الحركة على تصحيح مسارها وتجديد شرعيتها واستعادة وحدتها. ولن يقاس نجاحه بعدد المقاعد أو الأسماء، بل بمدى احترام النظام الداخلي، واستيعاب جميع أبنائها، وتقديم رؤية سياسية وتنظيمية قادرة على مواجهة تحديات المرحلة.

إن فتح التي صنعت التاريخ، مطالبة اليوم بأن تصنع المستقبل... وذلك لن يتحقق إلا بالوحدة، والمؤسسية، والعدالة التنظيمية، والانحياز الدائم للمصلحة الوطنية العليا.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى