الرّواية ديوان العرب، لا الشّعر

"الرواية ديوان العرب" أعني بـها مفهومها التاريـخي الطويل، لأن العرب تُسمّي كل سردٍ رواية، مثل رواية التاريخ، ورواية الأحاديث، ورواية الأخبار، ورواية السّير، ورواية الـمنامات، ورواية الـمقامات، ورواية الطّرف والنوادر، إلـخ.
للشّعر مكانته الكبيرة لا شك، وأنا شاعر ولست مضطراً لاتباع العاطفة الشعرية دائماً، ومقولة "الشعر ديوان العرب" لـها سطوة على الذاكرة الثقافية العربية، ولا بد من وضعها على رفّ حقيقتها، بعد أن بات الأمر مُلّحاً ليتخلّص الأدب العربي من الأخطاء الـمتوارثة.
الشعر جزء من أجزاء الـمتن القصصي دوره تأكيد الـحدث، مثله مثل الـخطب والأمثال والوصايا، ومن يقف أمام مكتبة القصّ العربي، سيجد نفسه أمام جبلٍ من أطنان الـمصنّفات القصصية الـهائلة، لا تُشكّل الـمصنّفات الشعرية عُشْرها، سرديات التهمت الأشعار في متونـها لتعرضها جزءاً منها لا نصوصاً مُنفردة.
هذه الكنوز القصصية زرعت في الوجدان العربي الـمفاتيح الشهيرة للسّرد: رَوَى فلان ــ حدّثنا فلان ــ حكى فلان ــ أخبر فلان ــ رواه فلان ــ قصّ علينا فلان ــ يُـحكى أنّ ــ كان يا ما كان، وغيرها من الـمفاتيح.

أعرض في النقاط الـمقتضبة التالية تسميات العرب لأشكال القصّ عبر مساره التاريـخي، من قبل نزول القرآن حتى العصر الـحديث، مُكتفياً بالأمثلة البارزة:
ــ القصص الـقـرآنـي: الآيات: {نـحن نقص عليك أحسن القصص}، {فاقصُص القصص}، {وقصّ عليه القصص}، {لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب}، {إن هذا لـهو القصص الـحق}، والعرب برعت في فنون القول، ولـخطبهم وأمثالـهم ووصاياهم مرجعيات قصصية، ومن الـمعلوم أن القرآن ثلثه قصص وقيل نصفه.
ــ أساطير الأولين:}إن هذا إلا أساطير الأولين{ الأسطورة تُبنى على الـحقيقة وتتجاوز العقل، مثل قوة الـمهلهل وعنترة وغيرهـما الفرسان.
ــ الـخـرافـات: تُبنى على الوهم، وتكون في قصص الـجن والـحيوان والطير.
ــ السّــير: السيرة النبوية، وكتاب الاعتبار لابن منقذ، وغيرها من سير الأعلام.
ــ الأحـاديـث: الأحاديث النبوية.
ــ الأخـبــار: الأغاني للأصفهاني، ونشوار الـمحاضر وأخبار الـمذاكرة للتنوخي، وأخبار النساء لابن الـجوزي، وأخبار أبي تـمام للصولي، وغيرها.
ــ الأيـــــام: البسوس، وداحس والغبراء، ويوم الفـِجار، وغيرها.
ــ القصص التـاريـخي: تاريخ الطبري، وتاريخ ابن كثير، وتاريخ ابن الأثير، وغيرها.
ــ الـحكايات الشعبية: التغريبة الـهلالية، وألف ليلة وليلة، وسيف بن ذي يزن، والأميرة ذات الـهمة، وغيرها.
ــ قـصـص الأمـثـال: لكل مثل قصة، ومن كتب الأمثال: أمثال العرب للضّبي، وكتاب الأمثال لابن سلام، وغيرهـما.
ــ قصص الـوصايا: مثل وصايا: أمامة بنت الـحارث، وعمرو بن كلثوم، وأبي جعفر الـمنصور، وغيرها.
ــ الطّـرف والنــّـوادر: أخبار الـحمقى والـمغفلين لابن الـجوزي، وأخبار البخلاء للجاحظ، ونوادر جحا، ونوادر الأعراب، وغيرها.
ــ الرّحـلات: رحلة ابن بطوطة، ورحلة ابن جبير، ورحلة ابن فضلان، وغيرها.
ــ الـمقامات: مقامات الـهمذانـي، ومقامات الـحريري، وغيرهـما.
ــ الرسائل القصصيّة: رسالة الغفران للمعري، ورسالة التوابع والزوابع لابن شهيد، ومفاخرة الـجواري والغلمان للجاحظ، وغيرها.

وصولاً إلـى العصر الـحديث حيث الرواية والـمسرحية والقصة القصيرة والسيرة الذاتية والـمذكرات واليوميات والرحلات، وما ذكرته موجود أيضاً في الأدب الشعبي الـمحكي، ويبقى الأدب العربي طائراً بـجناحين هـما النثر والشعر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ماجد سليمان، أديب سعودي
تنوّع أدبه بين الشعر والقصة والرواية والمسرحية.
كُتب حول أعماله عدد من الأطروحات العلمية والدراسات النقدية في جامعات محلية وعربية وعالمية،
وتُرجِمَت بعض نصوصه إلى لغات منها البوسنية والألمانية والإنجليزية.
صدر له حتى الآن 5 روايات، و4 مسرحيات، و4 أعمال شعرية، و3 كتب في الـمُنتخبات،
و4 مجموعات قصصية، وكتاب في أدب الرسائل وآخر في الـمقالات، عبر مسيرة أدبية امتدّت لـ«29» عاماً حتى الآن.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى