د. المختار حسني - الدين والفن 2

2-

أما اليونان الذين جاءت حضارتهم وراثة لحضارات كثير من الأمم قبلها فقد كان تأثير أساطيرهم الفني أشد، لاهتمام شعرائهم الكبار بتسجيل أساطيرهم في ملاحم شعرية خالدة كالإلياذة والأوديسا اللتين«لم يَشِعْ شُيوعَهما بين البشر شيء من المنظوم والمنثور إلا كتب الدين…وليس ما تقدم من إبداعهما خلاصة العلم والسياسة وتوابعهما من أسباب ذلك البقاء في شيء…فإن هوميروس إنما نقر على أوتار الأفئدة فأثارها ونفخ في بوق الأرواح فأطارها، ومزج الحقيقة بالخيال مزجا يخيل لك أنهما تآلفا فتحالفا، وسَبَر أعماق النفس في سذاجتها، وتحرى الفطرة في بساطتها وهاج العواطف والشعائر»( ).
وكان هوميروس كما يقول أحد الباحثين «لا يزال يحتفظ بسمات العراف الْمُلهَم، ويشعر بوجود رباط غامض بينه وبين الربة "الموزي" التي يستعين بها في ثقة تامة»( ). ولا يغيب عنا هنا، أن الدراما الإغريقية إنما ولدت وترعرعت، كسائر شعر الأمم الأخرى، في أحضان الدين، في خضم المهرجانات التي كان يقيمها اليونانيون لإله الخمر "ديونيسوس" في الربيع والشتاء( ).
ولم يشذَّ العرب عن هذه القاعدة، وإن كانت السبل شبه منقطعة حينا، ومنقطعة أحيانا على الباحث كلما توغل في الجاهلية، فلحد الآن لم يستطع الدارسون للشعر العربي تجاوز التقدير الزمني الذي حدده الجاحظ في مائتي سنة، على أكثر تقدير، قبل الإسلام( ). ومن ثم حذر بعضهم، وخاصة، في المقاربات الأولى لهذا الشعر، من تأكيد الصلة الكاملة بين الشعر والدين، فبعد تقريره بأن «الغرض الذي قصد إليه الشعر في الأصل…هو الغرض من جميع فن القول عند البدائيين، وهو تشجيع العمل بِرِيق سحري»( ) رأى "بروكلمان" بأن هذا الأثر لا يبدو واضحا إلا في أوائل شعر الهجاء( )، غير أن قياس المجهول على المعلوم، كما يذهب إلى ذلك د. علي البطل في دراسته للصورة في الشعر العربي القديم( )، من شأنه إبرازُ تلك العلاقة، خاصة وأن بحثه يتعلق بالأصول الدينية لهذه الصورة، وهو ما أثبته فعلا وهو يدرس موقف الإنسان العربي القديم من المرأة والكائنات وشؤون الحياة والموت…فالصورة الشعرية في شعر الجاهلية لا تزال تحمل مؤشرات دالةً على التأثير السحري للكلمة، وعلى الارتباط الوثيق بين الشعر والدين في الجاهلية الأولى، إذا صح أن نطلق هذا النعت على تلك الفترة المظلمة من تاريخ العرب. وقبل د. علي البطل، ذهب د. عبد الله الطيب إلى أن لفظ الشاعر نفسَه اشتقاقُه من "شعر" بمعنى "عرف"، والعراف عند العرب كاهن، مما يرجح أن الشاعر في أول أمره كان كاهنا، ويقوي هذا احتفاظه بصاحبه من الجن كما للكهنة أصحاب من الجن( )، قال الأعشى[الطويل]:
ومَا كُنتُ شَاحِرْداً وَلكِنْ حَسِبْتُنِي إذا "مِسْحَـــلٌ" سَــــدَّى لِــــيَ الْقَوْلَ أَنْطِقُ
شَــرِيكَانِ فِـيما بَــيْنـنَا مِنْ هَــوَادَةٍ صَــــفـِـــيَّـــانِ: جِــنِّـيٌّ، وَإِنْــسٌ مُـــوَفَّــــقُ( )
«وقد كان الكهان يصطنعون لأنفسهم أحوالا من الجذب، ويُلقون كلامهم في أسجاع ورموز، وعلى طريقة لا شك أنها كانت من طريقة الشعر في أول أمره، فهذا، أيضا، مما يقوي عندك أن الشاعر كان من قبيل الكهنة»( ) على طريقة أخناتون وهوميروس كما مر بنا قبل قليل. ولا عجب، إذن، إذا قرن الشاعر رؤبة بن العجاج في شعره بين الساحر والشاعر[الرجز]:
لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ تَكُونَ سَاحِراً رَاوِيَــــــةً مَــــــرّاً وَمــَـرّاً شَاعِـرَا( )
ولعل هذا هو السر في المكانة العالية التي كان يحتلها الشاعر بين عرب الجاهلية، بحيث كانوا، كما يروى عن أبي عمرو بن العلاء، بمثابة أنبياء في قومهم، إلا أنهم نزلوا عن تلك الرتبة عندما تحولوا بالشعر عن غايته الدينية( )، «إلا أن البدايات المبكرة تنقصنا دائما. وإن كنا نتصور أنها –وهي كَلِمٌ غامض يناسب طقوس العبادة وعمليات السحر-كانت إلى حد ما أشبه بِمُسَجَّعَات الكهان العربية»( ). تَقولُ مُسجَّعَةٌ عَربية قديمة( ).
وُدٌّ إِلهُنا الحَكَم( )
ربُّ الْخَلاَئِقِ وَالأَفَاعِي وَالْمَنَاجِدِ وَالبُهْمْ( )
إنْ نَمْلِكْ...فَلَهُ الحَيَاةُ
في البيدِ والقفار والأَجَمْ( )
نسألُه، فلا قضَضَ( )
ولا رَمَضَ( )
الرَّغَدُ وَرَبَّةُ الأَثرْ
ذاتُ حَمِيمٍ لا ذَاتُ حُمَمْ( )
ولربما كان الشاعر أمية بن أبي الصلت خير مثال على ما كان في الشاعر القديم من رغبة في النبوة، ولعلها أن تكون من بقايا الاعتقاد القديم. ونَذْكر هنا، بالمناسبة، خلط مشركي قريش، أيضا، بين الشعر والسحر والجنون والنبوة لَمّا أشكل عليهم أمر الرسول ، أما أمية بن أبي الصلت فأمره أنه كان لا يكف عن إبداء رغبته وطمعه في النبوة، فلما بُعث النبي تغير حاله، واغتم لذلك أيما اغتمام، وجاء المدينة ليسلم فرده الحسد( )، ويروى أن قوله تعالى:وَاتْلُ عَلَيهِمْ نَبَأَ الذِي آتَيْناهُ آياتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا( ) إنما نزلت فيه( )، وأن النبي  قال فيه: «آمن شعره وكفر قلبه»( )، ولما أنشد قول أمية[البسيط]:
الْحَمْدُ للهِ مُـمْـسَانَـا وَمُصْبَحَنَا بِالْخَيْرِ صَبَّحَــــنَا رَبِّي وَمسَّــَّانَــا
رَبِّ الْحَنِـيفَةِ لَمْ تَنْـفَد خَزَائِنُهَا مَـمْـلُوءَةٌ طَبـــَقَ الآفاقِ سُلْطَانَـا
أَلاَ نَبِيَّ لَــــنَا مِنَّـا فَـــيُخْـبِــرَنَـا مَا بُعْدُ غَايَتِنَا مِنْ رَأْسِ مَحْيَانَا( )
قال : «إن كاد أمية ليسلم»( ). هذا ومعظم شعر أمية ديني كان يقوله «على آراء أهل الديانات يصف فيها السماوات والأرض والشمس والقمر والملائكة، وذكر الأنبياء والبعث والنشور والجنة والنار ويعظم الله عز وجل ويوحده»( ). وعلى أن شعر أمية ليس هو وحده المتصف بهذه الصبغة الدينية، فقد كان هنالك شعراء حنفاء ونصارى ويهود وغيرهم ممن اهتم بتلك المعاني، لا يتسع المجال هنا لتتبعها.
ولعل أهم ما يزيد من تأكيد الصلة بين الفني، بصفة عامة والشعري، بصفة خاصة، وبين الديني، ما تتوسله الكتب المقدسة من تعابير أدبية رفيعة، باعتبار هذه التعابير الوسيلة الناجعة للتأثير في مواقف الإنسان، بل إن الكتاب المقدس (العهد القديم) يقدم لنا أنبياء شعراء مثل أيوب، وداود، وسليمان، وأرمياء …وأسفارهم جميعا يمكن التعامل معها على أنها شعر، وشعر راق فوق ذلك، بغض النظر عن صحة صلة بعضها بالتوراة أو عدمه( )، وقد نال "نشيد الإنشاد" الذي لسليمان درجة عالية من الإعجاب من طرف الجميع واعتبر قمة في الشعر بتعدد أصواته ودراميته وصوره البدوية ووجدانيته الطفولية( ) بالإضافة إلى طابعه الدنيوي الخالص الباعث على الحيرة إن لم يفهم في إطار وحدة الفن والدين؛ «فإذا كان الفن والدين منفصلين انفصالا قطعيا فلا تفسير للُّغز، أما إذا لم يكونا منفصلين هذا الانفصال فلا لغز هناك، ولا عجب أن يوجد نشيد الإنشاد بين القراءات الدينية»( )‎‎. قال في الإصحاح الخامس من نشيد الإنشاد:
حَبِيــبي مَدَّ يَدَهُ مِنَ الْكُوّةِ فَأَنَّتْ عَلَيْهِ أَحْشَائِي
قُمْتُ لأَفْتَحَ لِحَبِيبِي وَيَداهُ تَقْطُرانِ مُرّاً
وَأَصَابِعِي مُرٌّ قَاطِرٌ عَلَى مَقْبِضِ الْقُفْلِ
فَتَحْتُ لِحَبِيبِي، لَكِنَّ حبيبي تَحَوَّلَ، وَعَبْرَ
نَفْسِي خَرَجْتُ عِنْدَمَا أَدْبَرَ
طَلَبْتُهُ فَمَا وَجَدْتُهُ، دَعَوْتُهُ فَمَا أَجَابَنِي…( )
وفي الإنجيل كثير من البلاغة والأساليب الشعرية المؤثرة للسيد المسيح منها على سبيل المثال:
طُوبَى لِلْمَسَاكِينِ بِالرُّوحِ
لأنَّ لَهُمْ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ
طوبَى لِلْحَزَانَى لأنَّهُم يَتَعَزَّوْنَ
طُوبَى لِلْوُدَعَاءِ لأنهم يَرِثُونَ الأَرْضَ
طُوبَى لِلْجِيَاعِ وَالعِطَاشِ إِلى البِرِّ لأَنَّهُمْ يُشْبَعُونَ
طُوبَى لِلرُّحَمَاءِ لأنَّهم يُرْحَمُون
طُوبَى لأنْقِيّاءِ القَلب لأنهم يُعَايِنُونَ الله
طُوبَى لِصَانِعِي السلامِ لأنهم أبْنَاءَ اللهِ يُدْعَوْن( ).

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى