كل العلوم الدنيوية التي هي من إنتاج العقل البشري، أي من إنتاج الإنسان، الهدفُ الأساسي منها، هو البحث عن الحقيقية la vérité، أو عن ماهية الواقع le quoi de la réalité، كما يتصوَّرهما هذا العقل. لماذا؟
لأن ما يُسميه الإنسانُ الحقيقيةَ أو الواقعَ ليس إلا تمثُّلا فكريا لهذه الحقيقة أو لهذا الواقع n'est qu'une représentation intellectuelle de la vérité ou de la réalité، وليس الحقيقة أو الواقع كما هما.
وفي نفس الوقت، كل العلوم الدنيوية تسعى لإغناءُ الرصيد المعرفي الذي، بدونِه، الحياةُ، بمعناها الواسع، أي بمعناها ليس فقط البيولوجي، ولكن، كذلك، بمعناها الاجتماعي، الاقتصادي والثقافي، غير مُمكِنة على وجه الأرض. لماذا؟
لأن المعرفةَ، النظرية أو القابلة للتَّطبيق، هي التي يستَعمِلها الإنسانُ لإعمار الأرض pour le peuplement de la terre. وكل هذه العلوم الدنيوية لها منطِقُها sa propre logique. غير أن هذا المنطقَ يتغيَّر حسب نوعية العلم.
ولهذا، فالمنطِق الذي تعتمِد عليه العلوم الإنسانية les sciences humaines مغايِرٌ للمنطق الذي تعتمد عليه العلوم الطبيعية les sciences naturelles أو العلوم الدقيقة les sciences exactes.
العلوم الإنسانية تدرس كلَّ ما هو بشري وكل ما هو اجتماعي. بينما العلوم الطبيعية والعلوم الدقيقة تدرس الظواهر الطبيعية والظواهر النظامية (من بينها الفيزياء والكيمياء والنمذجة la modélisation، والمعلوميات l'informatique…). وهذا يعني أن كلَّ علمٍ دنيوي له منهجيةٌ خاصة به sa propre méthodologie التي تُتوَّج، دائما وكما سبق الذكرُ، بإنتاج المعرفة. والمنهجية هي الطريقة المنطِقية la démarche logique التي يتَّبعها الباحثُ لإنتاج معارف جديدة des connaissances nouvelles.
وإذا اختلف المنطق أو اختلفت المنهجية التي تعتمد عليها العلوم الإنسانية أو العلوم الطبيعية أو العلوم الدقيقة، فكل العلوم تُتَوَّج بإنتاج المعارف، بما في ذلك ما يُسمِّيه علماءُ وفقهاء الدين "العلوم الدينية"، التي في نهاية المطاف ليست إلا تمثُّلات فكرية لِما أدركوه انطلاقاً من النصوص الدينية des représentations intellectuelles de ce qu'ils ont compris des textes religieux. فلماذا قلتُ، في عنوان هذه المقالة، "الدينُ ليس تخصُّصا"؟
في نظري أو حسبَ تقديري الشخصي، العلوم الدينية أو إدراك علماء وفقهاء الدين للنصوص الدينية، ليست/ليس تخصُّصا لعدة أسباب، أذكر من بينها ما يلي :
أولاً، الدين (الإسلام) موجّهٌ للبشرية جمعاء، أي لجميع الناس. وما أدركه علماء وفقهاء الدين، قديما، قد لا يكون صالِحاً لكل زمانٍ ومكان. لماذا؟
لأن ظروفَ المجتمع، الزمانية والمكانية، التي عاش فيها علماء وفقهاء الدين القدامى مُغايرة جدريا لظروف المجتمعات الحالية أو المُعاصِرة، وعلى رأس هذه الظروف، المستوى الثقافي والعلمي للبشرية جمعاء. فرقٌ شاسِعٌ بين الخلفيات الفكرية والمعرفية لعلماء وفقهاء الدين القدامى، والخلفيات الفكرية والمعرفية لأبسط شخصٍ ينتمي للمجتمعات المُعاصِرة.
ثانياً، النصُّ القرآني يقول، بوضوحٍ تامٍّ، أن الانتماءَ للإسلام، متروكٌ لاختيار الأشخاص، بعد اطِّلاعِهم على فوائد وفضائل هذا الإسلام. وبما أن إدراكَ أو فهمَ النصوص الدينية مرتبط بالزمان والمكان، وبالتالي، ليس إلا تمثُّلا فكريا، فهذا الإدراك قابلُ للتغيير. فلماذا علماء وفقهاء الدين، القدامى والحاليون الذين ساروا على نهجهم، يعتبرون العلومَ الدينية تخصُّصاً، والانتماء للدين أمرٌ اختياري وإدراكُه ليس إلا تمثُّلا فكريا بشريا؟
ثالثا، وهذا عنصرٌ حاسِم. إذا كان للعلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية والعلوم الدقيقة منطق أو منهجية تعتمد على الملاحظة والتَّجريب، فأين هو منطق أو منهجية العلوم الدينية؟ بالطبع، هذان العُنصُران، الملاحظة والتَّجريب، غائبان في العلوم الدينية. لماذا؟
لأن العلوم الدينية تعتمد على ما جاء في القرآن الكريم، وفي غالب الأحيان، على ما جاء في السنة. قد يقول قائلٌ إن القرآنَ الكريمَ قطعي الثبوت لأنه وحي من الله، سبحانه وتعالى. بالطبع، هذا أمر لا جِدالَ فيه. لكن الدين، المنصوص عليه في القرآن الكريم، يلزمه عقول بشرية لإدراك معانيه، وبالتالي، فهو إدراكٌ بشري لهذا الدين. وما دام الإدراكُ إدراكاً بشريا، فهو قابل للنقاش. وفوق هذا وذاك، فإن هذا الإدراكَ ليس إلا تمثُّلاً فكريا للحقيقة، وليس الحقيقة نفسها أو كما هي. فهل يجوز أن يصبح الدينُ، كما أدركه علماء وفقهاء الدين، تخصُّصاً ثابتا منذ زمان، بينما العلوم الدنيوية البشرية قابلة للتغيير، أي تتطوَّر تماشِياً مع تطوُّ العقل البشري. اللهم إذا اعتبر علماء وفقهاء الدين، القدامى والحاليون، أن إدراكَهم للنصوص الدينية، القرآن والسنة، صورة طِبق الأصل une copie conforme à l'original أو صورة وفية une image fidèle لِما جاء في هذين القرآن والسنة. في هذه الحالة، العلوم الدينية البشرية، وَحْيٌ، وهي ليست إلا ما استطاع العقلُ البشري إدراكَه انطلاقاً من نصوص القرآن والسنة.
بالنسبة لي، العلوم الدينية ليست تخصُّصاً إذا كان الهدف منها، هو السيطرة على العقول وتجميدُها. وفوق هذا وذاك، قد لا تستحق أن يُطلق عليها اسم "علوم" لأنها تفتقد لأهم عنصُرين تعتمد عليهما العلوم الدنيوية، أي الملاحظة والتجريب. وما يُدعِّم هذا الاتجاه، هو ان الدينَ يعتمِد على الإيمان la foi والقيم les valeurs. والإيمان والقيم أمران عاطفيان affectifs، قبل أن يكونَا عقلانيين rationnels. والإبمان والقيم لا يمكِن إخضاعهما للتَّجريب. غير أن العلومَ الدينيةَ، رغم عدم علمِيتِها absence de scientificité، يمكن أن تُنير طريقَ الخير للبشرية جمعاء، إذا تكيَّفت مع ظروف العصر الحاضر. وهذا شيءٌ غير مستحيل إذا تغيَّرت عقليات علماء وفقهاء الدين الحاليين المُتناقدين مع العصر الذي يعيشون فيه. ومع ذلك، يمكن للعلوم الدينية أن تُصبِح علوما بما للكلمة من معنى إذا أصبحت جزأً من العلوم الإنسانية تخضع لنفس المنطق أو المنهجية. بمعنى أن تتدخَّل علوم إنسانية كالتاريخ l'histoire وعلم الاجتماع la sociologie وعلم الإنس l'anthropologie. حينها، تستحق العلوم الدينية أن تكون مشمولةً بعِلميةٍ مستحقة لأن موضوعَ دراستِها وبحثِها هو الدين. والدين فيه ما هو ثابت وفيه ما هو متغيِّر. ما هو ثابت يبقى ثابتا. وما هو مُتغيِّر يخضع للدراسة والبحث.
لأن ما يُسميه الإنسانُ الحقيقيةَ أو الواقعَ ليس إلا تمثُّلا فكريا لهذه الحقيقة أو لهذا الواقع n'est qu'une représentation intellectuelle de la vérité ou de la réalité، وليس الحقيقة أو الواقع كما هما.
وفي نفس الوقت، كل العلوم الدنيوية تسعى لإغناءُ الرصيد المعرفي الذي، بدونِه، الحياةُ، بمعناها الواسع، أي بمعناها ليس فقط البيولوجي، ولكن، كذلك، بمعناها الاجتماعي، الاقتصادي والثقافي، غير مُمكِنة على وجه الأرض. لماذا؟
لأن المعرفةَ، النظرية أو القابلة للتَّطبيق، هي التي يستَعمِلها الإنسانُ لإعمار الأرض pour le peuplement de la terre. وكل هذه العلوم الدنيوية لها منطِقُها sa propre logique. غير أن هذا المنطقَ يتغيَّر حسب نوعية العلم.
ولهذا، فالمنطِق الذي تعتمِد عليه العلوم الإنسانية les sciences humaines مغايِرٌ للمنطق الذي تعتمد عليه العلوم الطبيعية les sciences naturelles أو العلوم الدقيقة les sciences exactes.
العلوم الإنسانية تدرس كلَّ ما هو بشري وكل ما هو اجتماعي. بينما العلوم الطبيعية والعلوم الدقيقة تدرس الظواهر الطبيعية والظواهر النظامية (من بينها الفيزياء والكيمياء والنمذجة la modélisation، والمعلوميات l'informatique…). وهذا يعني أن كلَّ علمٍ دنيوي له منهجيةٌ خاصة به sa propre méthodologie التي تُتوَّج، دائما وكما سبق الذكرُ، بإنتاج المعرفة. والمنهجية هي الطريقة المنطِقية la démarche logique التي يتَّبعها الباحثُ لإنتاج معارف جديدة des connaissances nouvelles.
وإذا اختلف المنطق أو اختلفت المنهجية التي تعتمد عليها العلوم الإنسانية أو العلوم الطبيعية أو العلوم الدقيقة، فكل العلوم تُتَوَّج بإنتاج المعارف، بما في ذلك ما يُسمِّيه علماءُ وفقهاء الدين "العلوم الدينية"، التي في نهاية المطاف ليست إلا تمثُّلات فكرية لِما أدركوه انطلاقاً من النصوص الدينية des représentations intellectuelles de ce qu'ils ont compris des textes religieux. فلماذا قلتُ، في عنوان هذه المقالة، "الدينُ ليس تخصُّصا"؟
في نظري أو حسبَ تقديري الشخصي، العلوم الدينية أو إدراك علماء وفقهاء الدين للنصوص الدينية، ليست/ليس تخصُّصا لعدة أسباب، أذكر من بينها ما يلي :
أولاً، الدين (الإسلام) موجّهٌ للبشرية جمعاء، أي لجميع الناس. وما أدركه علماء وفقهاء الدين، قديما، قد لا يكون صالِحاً لكل زمانٍ ومكان. لماذا؟
لأن ظروفَ المجتمع، الزمانية والمكانية، التي عاش فيها علماء وفقهاء الدين القدامى مُغايرة جدريا لظروف المجتمعات الحالية أو المُعاصِرة، وعلى رأس هذه الظروف، المستوى الثقافي والعلمي للبشرية جمعاء. فرقٌ شاسِعٌ بين الخلفيات الفكرية والمعرفية لعلماء وفقهاء الدين القدامى، والخلفيات الفكرية والمعرفية لأبسط شخصٍ ينتمي للمجتمعات المُعاصِرة.
ثانياً، النصُّ القرآني يقول، بوضوحٍ تامٍّ، أن الانتماءَ للإسلام، متروكٌ لاختيار الأشخاص، بعد اطِّلاعِهم على فوائد وفضائل هذا الإسلام. وبما أن إدراكَ أو فهمَ النصوص الدينية مرتبط بالزمان والمكان، وبالتالي، ليس إلا تمثُّلا فكريا، فهذا الإدراك قابلُ للتغيير. فلماذا علماء وفقهاء الدين، القدامى والحاليون الذين ساروا على نهجهم، يعتبرون العلومَ الدينية تخصُّصاً، والانتماء للدين أمرٌ اختياري وإدراكُه ليس إلا تمثُّلا فكريا بشريا؟
ثالثا، وهذا عنصرٌ حاسِم. إذا كان للعلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية والعلوم الدقيقة منطق أو منهجية تعتمد على الملاحظة والتَّجريب، فأين هو منطق أو منهجية العلوم الدينية؟ بالطبع، هذان العُنصُران، الملاحظة والتَّجريب، غائبان في العلوم الدينية. لماذا؟
لأن العلوم الدينية تعتمد على ما جاء في القرآن الكريم، وفي غالب الأحيان، على ما جاء في السنة. قد يقول قائلٌ إن القرآنَ الكريمَ قطعي الثبوت لأنه وحي من الله، سبحانه وتعالى. بالطبع، هذا أمر لا جِدالَ فيه. لكن الدين، المنصوص عليه في القرآن الكريم، يلزمه عقول بشرية لإدراك معانيه، وبالتالي، فهو إدراكٌ بشري لهذا الدين. وما دام الإدراكُ إدراكاً بشريا، فهو قابل للنقاش. وفوق هذا وذاك، فإن هذا الإدراكَ ليس إلا تمثُّلاً فكريا للحقيقة، وليس الحقيقة نفسها أو كما هي. فهل يجوز أن يصبح الدينُ، كما أدركه علماء وفقهاء الدين، تخصُّصاً ثابتا منذ زمان، بينما العلوم الدنيوية البشرية قابلة للتغيير، أي تتطوَّر تماشِياً مع تطوُّ العقل البشري. اللهم إذا اعتبر علماء وفقهاء الدين، القدامى والحاليون، أن إدراكَهم للنصوص الدينية، القرآن والسنة، صورة طِبق الأصل une copie conforme à l'original أو صورة وفية une image fidèle لِما جاء في هذين القرآن والسنة. في هذه الحالة، العلوم الدينية البشرية، وَحْيٌ، وهي ليست إلا ما استطاع العقلُ البشري إدراكَه انطلاقاً من نصوص القرآن والسنة.
بالنسبة لي، العلوم الدينية ليست تخصُّصاً إذا كان الهدف منها، هو السيطرة على العقول وتجميدُها. وفوق هذا وذاك، قد لا تستحق أن يُطلق عليها اسم "علوم" لأنها تفتقد لأهم عنصُرين تعتمد عليهما العلوم الدنيوية، أي الملاحظة والتجريب. وما يُدعِّم هذا الاتجاه، هو ان الدينَ يعتمِد على الإيمان la foi والقيم les valeurs. والإيمان والقيم أمران عاطفيان affectifs، قبل أن يكونَا عقلانيين rationnels. والإبمان والقيم لا يمكِن إخضاعهما للتَّجريب. غير أن العلومَ الدينيةَ، رغم عدم علمِيتِها absence de scientificité، يمكن أن تُنير طريقَ الخير للبشرية جمعاء، إذا تكيَّفت مع ظروف العصر الحاضر. وهذا شيءٌ غير مستحيل إذا تغيَّرت عقليات علماء وفقهاء الدين الحاليين المُتناقدين مع العصر الذي يعيشون فيه. ومع ذلك، يمكن للعلوم الدينية أن تُصبِح علوما بما للكلمة من معنى إذا أصبحت جزأً من العلوم الإنسانية تخضع لنفس المنطق أو المنهجية. بمعنى أن تتدخَّل علوم إنسانية كالتاريخ l'histoire وعلم الاجتماع la sociologie وعلم الإنس l'anthropologie. حينها، تستحق العلوم الدينية أن تكون مشمولةً بعِلميةٍ مستحقة لأن موضوعَ دراستِها وبحثِها هو الدين. والدين فيه ما هو ثابت وفيه ما هو متغيِّر. ما هو ثابت يبقى ثابتا. وما هو مُتغيِّر يخضع للدراسة والبحث.