في الاختلاف والعتاب حياة ... ولكن ! بقلم ا.د. محمد لبيب سالم

الاختلاف، لا الخلاف، رياضة جميلة ومفيدة للنفس مع ذاتها، وللعقل مع العقول الأخرى. فهو ليس علامة خصومة، ولا دليل قطيعة، بل قد يكون في أرقى صوره بابًا من أبواب النمو، ومجالًا لاختبار الأفكار، وتوسيع الرؤية، وتهذيب النفس.

وأجمل ما في الاختلاف، إذا اشتد واحتد، أن ينتهي بعتاب. فالعتاب، حين يكون نقيًّا، ليس خصومة مؤجلة، ولا غضبًا مقنّعًا، وإنما هو صورة من صور المحبة، ودليل على أن العلاقة ما زالت تستحق الإصلاح، وأن الود لم يمت بعد. ففي العتاب حكمة، وفي العتاب تودد، وفي العتاب رقيّ، وفي العتاب تعليم بغير قسوة.

ولقد جاء العتاب في القرآن الكريم في مواضع ذات دلالة عالية، حتى في خطاب الله لنبيه الكريم محمد، صلى الله عليه وسلم، ليعلّمنا أن العتاب ليس انتقاصًا من المقام، بل قد يكون من تمام العناية، ومن كمال التربية، ومن رقي العلاقة بين المُعاتِب والمُعاتَب. ومن هنا أود أن أؤسس لهذه القاعدة: إن في الاختلاف والعتاب حياة، كما أن في القصاص حياة؛ لأن الاختلاف يوقظ العقل، والعتاب يوقظ الضمير، وكلاهما يمنع موت المعنى داخل العلاقة الإنسانية.

وعادة ما يشتد الاختلاف، ويزداد العتاب، عندما تكون القضايا المطروحة قضايا مهمة، تمس الحاضر أو المستقبل، أو عندما تكون المسافة بين العقول واسعة رأسيًّا وأفقيًّا؛ أي عندما تختلف مستويات الخبرة، ودرجات المعرفة، وعمق الفهم، وجودة الأفكار. عندئذٍ تصبح الهوة بين المختلفين واسعة، لا لأن أحدهما يريد العداء للآخر، بل لأن أحدهما قد يرى من زوايا لا يراها الآخر، أو يمتلك من أدوات العلم والخبرة ما لم يمتلكه الطرف المقابل بعد.

وفي هذه الحالة، لا ينبغي أن يتحول الاختلاف إلى عداوة، بل ينبغي أن يبقى مساحة للتقريب، والتفهيم، وتبادل الخبرة، ورفع جودة الأفكار. فالاختلاف هنا ليس صراعًا بين أشخاص، بل محاولة لإنقاذ الفكرة من ضعفها، أو توسيع عقل لم يتسلح بعد بما يكفي من علم ومعرفة وخبرة تمكنه من الدخول في نقاش يليق بحجم القضية المطروحة.

لكن ما يحزن العقل قبل القلب، أن يقع الاختلاف بين عقول ناضجة، واعية، عالمة، تمتلك من المعرفة والخبرة ما يكفي لأن تدرك جيدًا ماذا تقول، ولماذا تقول، وما الذي تدافع عنه، وما الذي تفعله. هنا يصبح الأمر أكثر إيلامًا؛ لأن الاختلاف لا يعود ناتجًا عن نقص في الفهم، ولا عن ضيق في المعرفة، بل قد يتحول إلى شك في النوايا، ويصبح العتاب أحيانًا أقرب إلى المجاملة، أو الرياء، أو النفاق الاجتماعي.

وفي مثل هذه الحالة، يبدأ أحد الطرفين في فقدان الثقة في الآخر. وتبرد العلاقة شيئًا فشيئًا، حتى تصل أحيانًا إلى درجة الصفر؛ فتتجمد الأفكار، وتتوقف النصائح، وتخفت النقاشات، ويفقد كل طرف مزايا الطرف الآخر. وتلك خسارة كبيرة؛ لأن العلاقات الرفيعة بين العقول لا تُقاس فقط بما فيها من اتفاق، بل بما تنتجه من حوار، وما تمنحه من تصحيح، وما تفتحه من نوافذ جديدة للرؤية.

وقد يقول قائل: إن الخطأ وارد من وقت إلى آخر، حتى بين العقول الواعية والمتميزة في علمها ومعرفتها وفكرها. وأقول: نعم، هذا صحيح، بل ومتوقع. فالبشر ليسوا آلات منضبطة بلا انفعال أو غفلة أو تقدير خاطئ. ولكن الفارق كبير بين خطأ عابر، يقع ثم يُراجع ويُصحح، وبين نمط متكرر يصبح جزءًا من طريقة التفكير والسلوك والعلاقات.

فإذا تكرر الخطأ على طول الخط، وأصبح نمطًا ثابتًا في الشخصية، وطريقةً مستمرة في إدارة الاختلاف، فإنه لا يعود مجرد انحراف معياري بسيط يمكن التسامح معه، بل يتحول إلى تشتت مقصود، أو مراوغة واعية، تمثل خطرًا على طبيعة العلاقة الإنسانية والوظيفية بين المختلفين.

ولهذا أحرص دائمًا، في حلقات النقاش التي أشارك فيها، على توضيح الفرق بين مناقشة الموضوع المطروح بغض النظر عن صاحبه، وبين مناقشة صاحب الموضوع بغض النظر عن الموضوع. فالأول هو الموضوعية الحقيقية، والثاني هو الشخصنة التي تفسد جوهر الحوار.

الموضوعية تعني أن ننظر إلى الفكرة بوصفها فكرة، لا بوصفها امتدادًا لشخص نحبّه أو نكرهه. وتعني أن نزن الحجة بميزان العقل، لا بميزان العلاقة. وتعني أن نختلف مع الرأي دون أن نحاكم صاحبه، وأن نراجع الطرح دون أن نجرح الإنسان. وهذا هو المعنى الذي تحث عليه القيم الدينية والأخلاقية والمهنية؛ لأن كثيرًا من القضايا الاختلافية لا تشتعل بسبب صعوبة الموضوع، بل بسبب غياب الموضوعية وحضور الأشخاص.

وخلاصة القول: ينبغي أن نرحب بالاختلاف والعتاب عندما تكون القضايا شائكة ومهمة للحاضر والمستقبل، أو عندما تكون العقول المختلفة ليست على الدرجة نفسها من الخبرة والعلم والمعرفة. ففي هذه الحالة يكون الاختلاف طريقًا للتعليم، والعتاب طريقًا للإصلاح، والحوار وسيلة لرفع مستوى الوعي المشترك.

لكن علينا في الوقت نفسه أن نحذر من تلك العقول التي نعلم أنها، ولو نظريًّا، مسلحة بالعلم والخبرة والمعرفة، لكنها لا تستخدم هذه الأسلحة في خدمة الموضوعية، بل في تزيين المراوغة، أو إرباك المعنى، أو تحويل النقاش من الموضوع إلى الشخص. فهذه العقول لا تختلف ببراءة، ولا تعاتب بمحبة، بل تجادل بوعي قد يفسد من الود قضية.

فالوعي حين يتحول إلى أداة للمغالطة لا يعود وعيًا نافعًا، بل يصبح وعيًا مراوغًا، وربما خبيثًا. وكل جدال فيما ثبت من الأصول، إذا صدر عن عقول عالمة تعرف الحقائق وتدرك مواضعها، هو جدال مفسد، ولو بدا في صورة ناعمة، أو خرج في لغة مهذبة.

إن الاختلاف الراقي حياة، والعتاب الصادق حياة. أما الشخصنة، والمراوغة، والجدال المتعمد فيما هو واضح، فهي موت بطيء للثقة، وللود، وللمعنى النبيل في العلاقات الإنسانية.

وفي النهاية لا يسعني إلا أن أقول: الاختلاف الراقي يوقظ العقل، والعتاب الصادق يوقظ الضمير؛ أما الشخصنة والمراوغة فهما موت بطيء للثقة، وإن جاءا في ثوب ناعم.

ا.د. محمد لبيب سالم

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى