أ. د. عادل الأسطة - قليل من الحزن، كثير من الود...

واصلت ذلك الصباح عادتي اليومية في فترة إجازة الصيف. ذهبت إلى مكان بيع القهوة، ونقدْت البائعة ثمن الفنجان وأخذت أحتسي القهوة ببطء مصغياً إلى حديث الزبائن السريع سرعة تناول القهوة في مكان ليس فيه كرسي واحد، مكان يتناول فيه الزبائن مشروباتهم واقفين داخل المكان أو خارجه، ليوفروا، لذلك، ماركاً ونصف المارك تُدفع زيادة عندما يشربون قهوتهم، في أحد المقاهي، جالسين.
وانصرفت لأتسكع في شوارع مدينة ( بامبرغ ) قتلاً للوقت وتمتيعاً للعين وتزويداً للذاكرة بهذا الذي نفتقده في بلادنا: منظر النهر ومقاهي الشوارع وواجهات المحلات الأنيقة والوجوه الجميلة، وجوه النساء ووجوه الأطفال الجميلين الأنيقين أناقة ما كنت أعرفها، ذات يوم، في الحلم. توقفت أمام الإشارة الضوئية منتظراً أن تعطيني الإشارة حتى أقطع الشارع نحو ضفة النهر، ولم أكن التفت خلفي لولا ملامسة يد، بقصد، كتفي. كانت يد طالبة جامعية نحيفة ذات شعر قصير ناعم، ونظارات. وبادرتني بالسؤال: أما زلت تذكرني أم نسيت؟ وحين أجبتها أنني ما زلت أذكرها، وما زلت أيضاً أذكر مدينة ( أوجسبرغ ) والرحلة الجامعية، قالت لي: إنك تتمتع بذاكرة جيدة. ابتسمت لها وقلت مداعباً: كل هذا بفضل جمالك.
وسرنا، بعد أن سألتني إن كان لدي متسع من الوقت، باتجاه مقهى الطلبة القريب. جلسنا هناك، وكان الهدوء بادياً، فلم يكن إلا بعض طلبة ممن لم يغادروا المدينة إلى أماكن أخرى، مؤثرين، على ما يبدو، إنجاز ما عليهم إنجازه من أبحاث أو رسائل تخرج.
سألتني عما أفعله في الإجازة وأخبرتني عن أحوالها. ثمَ أخذنا نتحدث عن الطقس. سألتها إن كانت، مثلي، لا تحب الخريف، فلم تُبدِ جواباً. ولكنها استفسرت مني عن سبب موقفي العدائي من هذا الفصل. قلت لها: في الخريف أشعر بالملل، وقد تصيبني حالة من الاكتئاب. وأضفت بعد لحظة صمت: وأفضل فصل الشتاء على الخريف.
نظرتُ إلى الساعة فسألتني إن كنت على موعد ما.
أجبتها: إنها عادة أخذت تلازمني، فالوقت، في الإجازة، كثير، ولا أعرف كيف أقتله. وبعد قليل وقت جاءت الفتاة التي تعمل في المقهى فنقدتها ثمن مشروبينا. شكرتني الطالبة وأعطتني رقم هاتفها، وقالت لي: بإمكانك أن تتصل بي متى تشاء. وافترقنا، بعد أن أبلغتها أنني سأسافر، شتاء هذا العام، إلى بون.

بعد أسبوع استبد بي، مساءً، الضجر، فتذكرتها. بحثت عن رقم هاتفها، وخرجت إلى الشارع، ورفعت يد الهاتف العمومي، ولما أجابت سألتها إنْ كانت ترغب، في هذه اللحظات، في الخروج إلى مكان ما أو في زيارتي، فأجابتني أنها ستكون في منزل الطلبة الذي أقيم فيه بعد نصف ساعة.
صنعت القهوة ودخنْت سيجارة وأخذت انتظرها. فلم تكد المدة المحددة تنتهي حتى قرع الجرس. فتحت لها الباب فدخلت. سألتها إن كانت لديها الرغبة في شرب القهوة في هذا الوقت الذي يقترب من الثامنة مساء، فاعتذرت وفضلت أن تشرب عصير البرتقال. احترمت رغبتها، فقد كنت ألاحظ أن عدداً بين الطلبة لا يشربون القهوة بعد الرابعة عصراً حتى لا يؤرقوا ليلاً.
ونحن نتحادث سألتها: لماذا لا تقيمين في منزل الطلبة؟ فأخبرتني أنها حاولت ولكنها لم تحصل على غرفة، وهذا اضطرها إلى الإقامة في شقة غير مريحة، شقة تبدو غرفتها فيها شبه ممر، وهذا يحول دون تمتعها بحريتها وتصرفها كما تهوى. وأخبرتني أنها ترغب، قريباً، في الانتقال إلى غرفة مستقلة، وأنها ستدعوني، في حينه، إلى زيارتها، وليس الوقت ببعيد، فهي ستستلم الغرفة قريباً، وستنتهي من تأثيثها في فترة قصيرة جداً.
صمت للحظة ثم سألتها إن كان لها صديق، وبخاصة أنه مرّ عام على قدومها إلى المدينة. أجابتني أن صديقها يقيم في مدينة ( بايرويت ) القريبة، وأنها ستسافر إليه في نهاية الأسبوع، فقد دعاها وأصدقاء آخرين للاحتفال معاً.
ولم أسألها عن رأيها في العلاقة التي تقوم بين طرفين يقيمان في مكانين مختلفين، ولكنها أخبرتني أنها شخصياً لا ترغب في مواصلة العلاقة معه. ولم يكن يخطر ببالي أن المرأة إذا ما فكرت في إقامة علاقة فمعنى ذلك أن علاقتها السابقة قد انتهت أو أوشكت.
نظرت إلى وجهها ذي الملامح الناعمة الدقيقة وتلاقت أيدينا معاً. ترددت، ابتداء، قليلاً، وقالت: ولكننا لم نتعارف، بعد، جيداً. احترمت مشاعرها ورأيها، وسألتها: ما رأيك في أن نخرج معاً إلى البار القريب، إلى بار الطلبة، فرحبت بذلك وخرجنا.
عندما اقتربنا من بار الطلبة دعوتها لكي تدخل أولاً، فاقترحت أن نواصل السير باتجاه بار آخر يتردد عليه طلبة كلية الاقتصاد والتجارة، ولم أمانع، فأنا أرغب في معرفة الكثير عن هذا العالم. دخلنا إلى البار الصاخب وشربنا البيرة ثم قدمتني إلى معارفها، وأنفقنا معاً ساعتين ثم غادرنا المكان باتجاه منزل الطلبة.
في الطريق تلاقت أيدينا من جديد. كانت يدها حارة دافئة. تحدثنا بفرح وبدت مسرورة جداً. سألتني أولاً عن رأيي في ألمانيا، وسألتني أيضاً عن الطلبة وعن الدراسة هنا، وكنت أجيبها دونما مجاملة. قبل أن نصل إلى المبنى بقليل سألتني عن عمري. فأجبتها دون كذب. قلت لها إنني في الخامسة والثلاثين. لحظتها سحبت يدها من يدي، وقالت بعد لحظة: كنت أظنك في السابعة والعشرين. وكانت هي في العشرين من عمرها.
حين اقتربنا من باب منزل الطلبة سألتها إن كانت لديها رغبة في الدخول. نظرت إلى الساعة وقالت لي: إن الوقت متأخر الآن. ولم تفصح عن مشاعرها التي تشكلت لديها بعد أن عرفت أن هناك فارقاً في السن كبيراً. واستقلت عجلتها فيما كنت أدير المفتاح في أكرة الباب، ودخلت إلى المبنى الذي كان يخيم عليه صمت يوحي لك بأنك وحيد في الخلاء. للحظات انتابتني حالة من الحزن والضجر، وشعرت بأنني وحيد. أشعلت التلفاز وأخذت أفتش عن برنامج ينقذني من حالة الحزن، وبعد ذلك أطفأته وغططت في نوم عميق.
فيما بعد، حين كنا نلتقي معاً في مطعم الجامعة، كانت تأتي وتقف إلى جانبي وتسألني إن كنتُ على وشك الانتهاء من الدراسة، وتسألني عما أفعله وعما سأفعله بعد الحصول على الشهادة.مثلها مثل صديقتها التي انجذبت في رحلة ( أوجسبرغ ) نحوي، وسألتني إن كنت سأقيم في ألمانيا بعد الدراسة. وكنت أحادثها بود، وكنا أحياناً، بعد أن نفرغ من تناول طعام الغداء، نذهب معاً نشرب القهوة، لنفترق، من ثم، من جديد: هي باتجاه عجلتها وأنا باتجاه منزل الطلبة.

مـلاحــظــــــة: أنجزت هذه القصة في 26/3/1995 ونشرت في جريدة الاتحاد ( حيفا ) في 30/1/2001، ويعود زمنها القصصي إلى خريف 1990.
ملاحظة ثانية: ليس من الضروري أن يتطابق فيها أنا المؤلف وأنا السارد / الشخصية.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى