هرمجدون

1000187105.png


في الليلِ الذي نسيَ اسمَهُ
كانتِ السماءُ
تُبدّلُ جلدها
مثلَ أفعى عمياء،
وكانَ القمرُ
مسماراً صدئاً
في نعشِ العالم .

الخرائطُ
لم تعدْ خرائط .
كانتْ أعضاءً داخليةً
معلّقةً
في مختبرِ جنرالٍ عجوز،
كلّ نهرٍ فيها
وريدٌ مفتوح،
وكلُّ مدينة
جرحٌ يتنفّس .

في الجنوبِ
كانتِ الأشجارُ
تنمو مقلوبةً،
جذورها في الهواء
وأغصانها
مدفونةٌ تحتَ الإسمنت .
الأطفالُ
يخرجونَ من الحطام
بوجوهٍ من غبار،
يحملونَ رؤوسهم
تحتَ آباطهم
كفوانيسَ صغيرة .
وكانتِ الدباباتُ
تمرُّ ببطءٍ
كحشراتٍ فولاذية
فوقَ جسدِ إلهٍ نائم .

في الشرق
كانتْ الصحراءُ
تضعُ عمامةً من دخان،
وتقرأُ مستقبلَها
في أحشاءِ الصواريخ .
أما البحارُ
فكانتْ ممتلئةً
بأسنانِ الغرقى .
كلُّ موجة
تفتحُ فمها
وتبتلعُ قارة .
وفي الغرفِ البيضاء
كانَ رجالٌ بلا ظلال
يحرّكونَ العالمَ
بأصابعَ باردة،
كأنهم يعزفونَ
على بيانو مصنوعٍ
من عظامِ الأنبياء .

لم يكنْ هناكَ جيشان .
فقط
مقبرةٌ هائلة
تحاولُ أنْ تحلم .
السماءُ
كانتْ تهبطُ قليلاً قليلاً،
حتى كادتْ تلامسُ
قبورَ الجنود .
واللغةُ نفسها
أصبحتْ معطوبة :
الخبزُ يُسمّى هدفاً،
والطفلُ يُسمّى خطأً جانبياً،
والرمادُ
يُسمّى نصراً .

في هرمجدون
لم يمتْ أحدٌ مرةً واحدة .
كانَ الموتُ
يحدثُ بالتقسيط،
مثلَ تسربِ الماء
داخلَ سفينةٍ بعيدة .
وفي آخرِ الليل
شوهدَ ملاكٌ
يجلسُ فوقَ دبابةٍ محترقة،
يأكلُ التراب
ويبكي بلا عينين .
وحينَ أشرقتِ الشمس
لم تُضئْ شيئاً .
كانتْ مجردَ مصباحٍ شاحب
يتدلّى
فوقَ غرفةِ تعذيبٍ كونية .
أما الأرض
فبدتْ
كحيوانٍ مذبوح
ما يزالُ قلبُه
يرتعشُ
تحتَ السكين .

منذر ابو حلتم

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى