في الحافلة التي تقله من شرق المدينة جاءته الفكرة. نظر إلى يمينه فوجد المقبرة الشرقية على ما هي عليه. قبور فوق قبور، فيم الأحياء على يساره يتسابقون لامتلاك هذه الفانية التي هي ليست سوى دنية، ولكنها تدفعهم إلى تكرار قول عمر: أعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً.
وكلهم يعملون لدنياهم كأنهم سيعيشون إلى الأبد وينسون أنهم قد يموتون غداً.
في الحافلة أخذ أبو حيان يتصفح رسالته التي كتبها إلى صاحبه الذي لامه لأنه أقدم على إحراق كتبه، وكانت شواهد القبور أصابع تشير إليه أن لا خلود إلا لله عز وجل. وشعر بالارتياح، فها هو قبل ألف عام قد كتب " كأنك لم تقرأ قوله جل وعز " كل شيء هالك إلا وجهه، له الحكم وإليه ترجعون".
وفي الحافلة تذكر أبو حيان ما قاله له أحد السجناء ممن أنفقوا سنوات من عمرهم في سجون الاحتلال، وتحولوا إلى تجار كتب، لأن النضال ومقاومة الفساد لا تجر على صاحبها سوى المتاعب: " لا تكتب، حتى تعيش بقية عمرك بهدوء". " وها أنا أعمل بنصيحة من أصبح في ظل السلطة وزيراً"، و" أنت خذ بنصيحته التي أخذت بها فتغيرت أحوالي ليزول دماري وليزداد عقاري.
وفي الحافلة أيضاً بدا يقارن بين البدايات والنهايات، وضحك في سره وهو يقول: " هل كنا حقاً صادقين أم أننا كنا نكذب على ذواتنا؟ " وازداد ضحكاً وهو يرى الدورية الإسرائيلية تسير، جنباً إلى جنب، مع الدورية الفلسطينية، ولم يفطن إلى أن المحطة هذه هي المحطة الأخيرة، وأن عليه أن يهبط من الحافلة التي ارتفع صوت سائقها قائلاً: المحطة الأخيرة يا أستاذ! وسار أبو حيان في شوارع نابلس يذرعها، فيما طارت الفكرة من رأسه وهو يرى بعض الناس يبيعون الصحف.
من جديد عاودته الفكرة. كان أبو حيان يجلس في منزله وحيداً، ولما استبد به الضجر أشعل التلفاز وأخذ يتابع المسلسل المصري " سامحوني ما كنش قصدي"، وشجعه على ذلك أن مخرجه هو الذي أخرج مسلسل ليالي الحلمية، وأن أبطاله هم أبطال ذلك المسلسل. هكذا ذكره الدكتور مرزوق أبو الحسن، حين أقدم على إحراق كتبه، بما كان هو أقدم عليه منذ ألف عام. وقارن بين السلوكين ودوافع صاحب كل منهما، بين دوافعه ودوافع مرزوق، وعاد إلى رسالته التي كتبها ليقراها من جديد.
" ثم أعلم – علمك الخير- أن هذه الكتب حوت من أصناف العلم سرّه وعلانيته، فأما ما كان علانية فلم اصب من يحرس عليه طالباً ".
وتوقف أبو حيان أمام ما كتبه وتساءل: الهذا أحرقت كتبي؟ وهمس:"كل ممنوع مرغوب " وتابع " وكل شاذ لافت للنظر" وكرر التساؤل: الهذا أحرقت كتبي؟الكي تصبح أكثر انتشاراً؟
وتابع أبو حيان قراءة رسالته:
" على إني جمعت أكثرها للناس ولطلب المثالة منهم ولعقد الرياسة بينهم ولمد الجاه عندهم، فحرمت ذلك كله ". وفكر أبو حيان ملياً، وهمس في سره: طلب المثالة وعقد الرياسة ومدّ الجاه، كم أنا بائس؟ الهذا الفت هذه الكتب؟ كأني لم اعتبر من تجارب من سبقني! كأني لم أقل في بداية الرسالة ( كل شيء، هالك إلاّ وجهه)، كأني لم أدرك ما خطته يدي.
" وكأنك لم تعلم أنه لا ثبات لشيء من الدنيا… ما دام مقلباً بين الليل والنهار". كأني لم أعتبر مما حدث للرؤساء والملوك، بل وللدول العظيمة التي ما عادت عظيمة. عقد الرياسة ومدّ الجاه!! كم أنا بائس حقاً!".
وخاطب أبو حيان مرزوق أبو الحسن: " لم تعش كما عشت وها قد حققت ما لم احقق، ومع ذلك فقد أقدمت، مثلي، على إحراق كتبك. ألأنك غدوت خاتماً في إصبع جلنار؟ الأنك أصبحت مسيراً مثل الماكينة؟ " وتذكر أبو حيان ما خطه في الليلة الأولى من كتاب " الإمتاع والمؤانسة " وتساءل إن كان مرزوق أصغى لجلنار وخضع لها حتى تستمر لياليه ولا تتوقف عند الليلة الأربعين، وهو ما حدث، فلقد استمر شهر العسل أكثر من ثلاثين يوماً. ودهش أبو حيان وهو يشاهد مرزوقاً يحرق كتبه. ومن جديد عادت إليه الفكرة التي راودته وهو في الحافلة: أن يقدم على إحراق كتبه من جديد. وعاد إلى الرسالة التي كتبها وأخذ يقرأها ثانية.
" ومما شحذ عزمي على ذلك أني فقدت ولداً نجيباً وصديقاً حبيباً وتابعاً أديباً ورئيساً مثيباً، فشق علي أن ادعها لقوم يتلاعبون بها، ويدنسون عرضي إذا نظروا فيها، ويشمتون بسهوي وغلطي إذا تصفحوها…".
وتوقف أبو حيان أمام عباراته وأعاد النظر فيها، فقد رزقه الله، وهو شيخ في التسعين، بطفلتين نجيبتين" وكأنه زكريا الذي وهبه الله يحيى، ولم يفتقد أصدقاءه الذين تحولوا إلى أعداء، ولكنهم ظلوا يكنون له الاحترام لأنهم رأوا فيه عدواً عاقلاً، ولأنهم يؤمنون بالمثل القائل: " عدو عاقل خير من صديق جاهل"، وكم هم الأصدقاء الذين يجهلون وأن عملوا فلا فائدة من عملهم. وكان أبو حيان يكن لهؤلاء من الاحترام ما لم يكنه لغيرهم، وأن كان يختلف معهم. وأما الرئيس المنيب فلم يطمح إلى لقائه إلاّ إذا أراد أن يدافع عن حقه، ولم يتزلف له أو يتقرب منه، وحين التقى به خاطبه بأسلوبه الذي دوّنه في الليلة الأولى من الإمتاع والمؤانسة، وفيه يقدر أبو حيان نفسه حق قدرها.
وكان أبو حيان يدرك أن ما كتبه تُلوعِبَ فيه، وجلب له من تدنيس العرض ما لا يذكر، وأما الشماتة بسهوه وغلطه ففاق كل وصف، وألصقت به أخطاء الطابعة التي لم يكن هو مسؤولاً عنها.
وضحك أبو حيان، وهو يقرأ ما كتب: " كم أنا بائس " خاطب نفسه وقال: أما كان ينبغي أن أدرك هذا وأنا في أول الطريق؟ ومَن مِن الكتاب مَنْ لم يعان مثل هذه الأشياء؟ وقال: كان علي ألاّ أقدم لهذه الأسباب على إحراق كتبي. كان علي أن أدرك، منذ البدء، أن كل شيء هالك إلاّ وجهه، وكان عليّ، أيضاً أن أدرك أن العلم لا يحرصُ عليه إلاّ لمكسب أو منفعة، وكان عليّ أيضاً أن أفيد من تجارب الأنبياء والمرسلين والفلاسفة هؤلاء الذين فقد بعضهم الولد النجيب، وخسر بعضهم الصديق الحبيب والزوجة، وسلم تلامذة بعضهم بعضهم.
ولكن أبا حيان، بدأ يفكر، من جديد، بإحراق كتبه وكرر " كل شيء هالك إلا وجهه "، وعاودته الفكرة من جديد، ولا يدري لماذا تأتيه الفكرة، غالباً، وهو في حافلة الركاب التي تقله من شرق المدينة إلى وسطها فغربها، ويجيب من يسأله عن السبب في عدم حصوله على رخصة سياقة وامتلاكه سيارة: معنى ذلك أنني لن أكتب، وأنني سأزداد عزلة. وكرر أبو حيان الآية دون أن يتأكد من صحتها ( يخلق الحي من الميت ويخلق الميت من الحي ) وها هي فكرة إحراق الكتب تأتي أيضاً في الحافلة، تماماً كما جاءتني فكرة أحد كتبي الذي حفل بأحاديث ركاب الحافلة، وما أظن أنني كنت سأنجزه لو كانت لدي رخصة وسيارة.
في الحافلة، بدأ أبو حيان يفكر في التكنولوجيا الحديثة، وسخر من نفسه كيف غدا، وهو الذي أنفق سنوات يقرأ كتاب الله وتاريخ العرب ونصوص الشعراء القدامى والجاحظ، كيف غدا أمياً. وحين زار بون في صيف 1996م خربش خربشاته: من لا يُجِدْ استخدام الكمبيوتر فهو أُمي! ولا أدري لماذا أنا كسول في استخدام التكنولوجيا، ولكنه في الحافلة أيضاً ذمّ هذه، وبسببها جاءته فكرة إحراق كتبه، وأدرك أن هذه قتلته مرتين؛ مَرِة لأنه لا يعرف كيف يتعامل معها، ومرة لأنها ولدّت لديه من جديد فكرة العبث. وكرَر: ( كل شيء هالك إلاّ وجهه ".
وأخذ يتساءل أن كان سميح القاسم ما زال يكرر الهي.. الهي لماذا قتلتني؟ وهو يقرأ، هذه الأيام، مقولات نقدية مثل مقولة " موت المؤلف " ولا يدري أبو حيان لماذا لم يلتفت سميح إلى مقولة ( نيتشه ) ومقولة (الن روب جرييه )؟ وخوفاً من أن يتهم أبو حيان بالزندقة كتم في سره مقولة الأول للحظات، ولما لم يستطع ألاّ قولها، قرأ في كتاب نقدي هذه المقولات.
بعد أن جاهر نيتشه بفكرة موت الله، نادى ( ألن روب جرييه ) بفكرة موت الشخصية في الرواية، وها هو ( رولان بارت ) ينادي بفكرة موت المؤلف. لماذا إذن يخلد اسمي. ولماذا لم يفطن هؤلاء من قبل إلى الآية ( كل شيء هالك إلاّ وجهه). " كل شيء هالك، كل شيء هالك!" كرر أبو حيان. ولم يلتفت هذه المرة إلى المقبرة الشرقية في مدينة نابلس – لم يلتفت إلى القبور وشواهدها ليقول: حتى شواهد القبور تشير إلى السماء، وتحمل أسماء أصحابها. وليتساءل: ولكن ما جدوى الأسماء، هذه التي سوف تمّحي بعد حين ليحتل اسم آخر مكان اسمها.
وفكر أبو حيان فيم سيكتبه إلى صاحبه، لو طلب منه هذا أن يوضح له السبب الذي حدا به إلى إحراق كتبه ثانية، وشرع أبو حيان في التفكير بكتابة رسالة جديدة. ولكنه، أثناء ذلك، فكر في أمر الأصدقاء واثر أن يراجع قراءة كتابه " الصداقة والصديق " ثم تراجع عن المراجعة هذه، وراجع عوضاً عنها صفحة ماضيه وأصدقاءه الذين خطوا في كتاب أيامه بعض مآسيهم، وسرعان ما عزف عن ذلك، فكل شيء هالك إلاّ وجهه – أي وجه الله – وتخيل صديقاً وهمياً أخذ يكتب له، وقرر أن يضع الرسالة، بعد أن يفرغ من إنجازها، تحت رأسه، وهو ما فعله ابن زريق، فيما بعد، عملاً بوصية أبي حيان. كتب أبو حيان:
" وأعلم – علمك الخير – أن هذا الكتب حوت من أصناف الكتابة بعض ما جال في خاطري، لأن بعض ما خطر لي ما استطعت أن أقوله لأحد، ولربما تسرب جزء منه، وأنا نائم فإذا ما زرع منزلي بالآلات الجهنمية، بدا ما يدور في لا وعيي لأجهزة المخابرات معروفاً، فهذه، كما قال عنها مظفر النواب تفقس بين الإنسان وثوب النوم وزوجته، هذا إذا كانت الزوجة ليست من جهاز المخابرات.
وأعلم- أيدك الله – أن أكثر ما ورد فيها أساء إليّ إساءة كبرى، حتى من اؤلئك الكتاب الذين يستمتعون بقراءة السير الذاتية التي تكون على شاكلة سيرة الكاتب المغربي محمد شكري، هؤلاء، حين اختلفت معهم، جعلوا من شجاعتي غباءً، ومن اعترافاتي ضعفاً، ومن عشقي سقوطاً، ومن تحرري قلة أدب.
وأعلم – زاد الله علمك – أنهم أخذوا يسقطون ما في نفوسهم عليّ، حتى يبرؤوا أنفسهم، وأنني غَدَوْتُ أجمع في ذاتي الشيء وضده، مثل الوطنية والخيانة، والانتماء واللاانتماء، والسخرية والجد، والكرم والبخل، والعجز والفحولة… الخ… الخ.
ولو توقف الأمر عند هذا لهان الأمر وسهل. فهم غدوا ينشرون مقالاتي في أماكن بعيدة، حتى ظن الناس أن أبا حيان النابلسي غير أبي حيان النابلسي الذي يظهر اسمه في الصحف العربية، الصادرة في عمان وعجمان، وفي دمشق ولندن، وفي القاهرة وفاس. وبدأ الناس لذلك، يرسلون لي شخصاً يحمل اسم شخص كبير يقيم في المنفى، وطبقت شهرته الآفاق، ليقولوا لي أنك مثل هذا، لا مثل ذاك، وأن أحمد دحبور الكاتب ليس أحمد دحبور الطبيب، وشتان ما بين أحمد وأحمد وما بين أبي حيان وأبي حيان، ما بين الكسول الخامل والفذ غير الجاهل، وما أحمد غزة بكسول ولا هو بخامل، أنه فذ غير جاهل.
وأعلم – حفظك الله – أنني فكرت في هذا الكم الهائل من العلوم، في زمن الكمبيوتر والإنترنت، فأدركت أن ( رولان بارت ) لم يقتل المؤلف عبثاً، فليس المهم القائل، لأن الأهم المقول، وليس المهم الفرد، لأن الأهم الجموع، علماً أن حكامنا – أمد الله في عمرهم _ لا يدركون هذا، فما زالوا يرون أن الفرد فوق الأمة، حتى لو جلب حكمه لها أطناناً من التخلف والغمة.
وفوق هذا وذاك، ما الذي سيبقى من ركام كتابتي هذه في ظل هذا الركام من الكتابة والكلام؛ مقالة واحدة، لا تسمن ولا تغني من جوع، قد يسيء قراءتها مؤلف جربوع، فيسيء فهمها ولا يُحسنُ نطقها، حتى إذا ما نسبها خطأ لشاعر وصححته وأظهرت له أنها لأبي حيان، وأبو حيان هذا نابلسي، وليس جزائرياً، قال أن الدكتور محمود السمرة، لا يعرف الويسكي من الخمرة، فلا تفضحني، لأن القصيدة التي نشرت في الجزائر، تجعل من أهل فلسطين حرائر ".
في الحافلة قرّر أبو حيان أن يحرق كتبه من جديد. وكانت نابلس هادئة. وكان المطر الذي انقطع لفترة طويلة في بداية شتاء العام 1999/2000 أخذ يتساقط وكان أبو حيان يسير في سوق الخضار يفكر في أمر كتبه، في زمن الإنترنت والكمبيوتر والعولمة، ويدرك أن لا جدوى من الكتابة، بينما أخذ يفكر في مقالته القادمة.
ملاحظة: نشرت هذه القصة في جريدة الأيام ( رام الله ) بتاريخ 22/2/200.
وكلهم يعملون لدنياهم كأنهم سيعيشون إلى الأبد وينسون أنهم قد يموتون غداً.
في الحافلة أخذ أبو حيان يتصفح رسالته التي كتبها إلى صاحبه الذي لامه لأنه أقدم على إحراق كتبه، وكانت شواهد القبور أصابع تشير إليه أن لا خلود إلا لله عز وجل. وشعر بالارتياح، فها هو قبل ألف عام قد كتب " كأنك لم تقرأ قوله جل وعز " كل شيء هالك إلا وجهه، له الحكم وإليه ترجعون".
وفي الحافلة تذكر أبو حيان ما قاله له أحد السجناء ممن أنفقوا سنوات من عمرهم في سجون الاحتلال، وتحولوا إلى تجار كتب، لأن النضال ومقاومة الفساد لا تجر على صاحبها سوى المتاعب: " لا تكتب، حتى تعيش بقية عمرك بهدوء". " وها أنا أعمل بنصيحة من أصبح في ظل السلطة وزيراً"، و" أنت خذ بنصيحته التي أخذت بها فتغيرت أحوالي ليزول دماري وليزداد عقاري.
وفي الحافلة أيضاً بدا يقارن بين البدايات والنهايات، وضحك في سره وهو يقول: " هل كنا حقاً صادقين أم أننا كنا نكذب على ذواتنا؟ " وازداد ضحكاً وهو يرى الدورية الإسرائيلية تسير، جنباً إلى جنب، مع الدورية الفلسطينية، ولم يفطن إلى أن المحطة هذه هي المحطة الأخيرة، وأن عليه أن يهبط من الحافلة التي ارتفع صوت سائقها قائلاً: المحطة الأخيرة يا أستاذ! وسار أبو حيان في شوارع نابلس يذرعها، فيما طارت الفكرة من رأسه وهو يرى بعض الناس يبيعون الصحف.
من جديد عاودته الفكرة. كان أبو حيان يجلس في منزله وحيداً، ولما استبد به الضجر أشعل التلفاز وأخذ يتابع المسلسل المصري " سامحوني ما كنش قصدي"، وشجعه على ذلك أن مخرجه هو الذي أخرج مسلسل ليالي الحلمية، وأن أبطاله هم أبطال ذلك المسلسل. هكذا ذكره الدكتور مرزوق أبو الحسن، حين أقدم على إحراق كتبه، بما كان هو أقدم عليه منذ ألف عام. وقارن بين السلوكين ودوافع صاحب كل منهما، بين دوافعه ودوافع مرزوق، وعاد إلى رسالته التي كتبها ليقراها من جديد.
" ثم أعلم – علمك الخير- أن هذه الكتب حوت من أصناف العلم سرّه وعلانيته، فأما ما كان علانية فلم اصب من يحرس عليه طالباً ".
وتوقف أبو حيان أمام ما كتبه وتساءل: الهذا أحرقت كتبي؟ وهمس:"كل ممنوع مرغوب " وتابع " وكل شاذ لافت للنظر" وكرر التساؤل: الهذا أحرقت كتبي؟الكي تصبح أكثر انتشاراً؟
وتابع أبو حيان قراءة رسالته:
" على إني جمعت أكثرها للناس ولطلب المثالة منهم ولعقد الرياسة بينهم ولمد الجاه عندهم، فحرمت ذلك كله ". وفكر أبو حيان ملياً، وهمس في سره: طلب المثالة وعقد الرياسة ومدّ الجاه، كم أنا بائس؟ الهذا الفت هذه الكتب؟ كأني لم اعتبر من تجارب من سبقني! كأني لم أقل في بداية الرسالة ( كل شيء، هالك إلاّ وجهه)، كأني لم أدرك ما خطته يدي.
" وكأنك لم تعلم أنه لا ثبات لشيء من الدنيا… ما دام مقلباً بين الليل والنهار". كأني لم أعتبر مما حدث للرؤساء والملوك، بل وللدول العظيمة التي ما عادت عظيمة. عقد الرياسة ومدّ الجاه!! كم أنا بائس حقاً!".
وخاطب أبو حيان مرزوق أبو الحسن: " لم تعش كما عشت وها قد حققت ما لم احقق، ومع ذلك فقد أقدمت، مثلي، على إحراق كتبك. ألأنك غدوت خاتماً في إصبع جلنار؟ الأنك أصبحت مسيراً مثل الماكينة؟ " وتذكر أبو حيان ما خطه في الليلة الأولى من كتاب " الإمتاع والمؤانسة " وتساءل إن كان مرزوق أصغى لجلنار وخضع لها حتى تستمر لياليه ولا تتوقف عند الليلة الأربعين، وهو ما حدث، فلقد استمر شهر العسل أكثر من ثلاثين يوماً. ودهش أبو حيان وهو يشاهد مرزوقاً يحرق كتبه. ومن جديد عادت إليه الفكرة التي راودته وهو في الحافلة: أن يقدم على إحراق كتبه من جديد. وعاد إلى الرسالة التي كتبها وأخذ يقرأها ثانية.
" ومما شحذ عزمي على ذلك أني فقدت ولداً نجيباً وصديقاً حبيباً وتابعاً أديباً ورئيساً مثيباً، فشق علي أن ادعها لقوم يتلاعبون بها، ويدنسون عرضي إذا نظروا فيها، ويشمتون بسهوي وغلطي إذا تصفحوها…".
وتوقف أبو حيان أمام عباراته وأعاد النظر فيها، فقد رزقه الله، وهو شيخ في التسعين، بطفلتين نجيبتين" وكأنه زكريا الذي وهبه الله يحيى، ولم يفتقد أصدقاءه الذين تحولوا إلى أعداء، ولكنهم ظلوا يكنون له الاحترام لأنهم رأوا فيه عدواً عاقلاً، ولأنهم يؤمنون بالمثل القائل: " عدو عاقل خير من صديق جاهل"، وكم هم الأصدقاء الذين يجهلون وأن عملوا فلا فائدة من عملهم. وكان أبو حيان يكن لهؤلاء من الاحترام ما لم يكنه لغيرهم، وأن كان يختلف معهم. وأما الرئيس المنيب فلم يطمح إلى لقائه إلاّ إذا أراد أن يدافع عن حقه، ولم يتزلف له أو يتقرب منه، وحين التقى به خاطبه بأسلوبه الذي دوّنه في الليلة الأولى من الإمتاع والمؤانسة، وفيه يقدر أبو حيان نفسه حق قدرها.
وكان أبو حيان يدرك أن ما كتبه تُلوعِبَ فيه، وجلب له من تدنيس العرض ما لا يذكر، وأما الشماتة بسهوه وغلطه ففاق كل وصف، وألصقت به أخطاء الطابعة التي لم يكن هو مسؤولاً عنها.
وضحك أبو حيان، وهو يقرأ ما كتب: " كم أنا بائس " خاطب نفسه وقال: أما كان ينبغي أن أدرك هذا وأنا في أول الطريق؟ ومَن مِن الكتاب مَنْ لم يعان مثل هذه الأشياء؟ وقال: كان علي ألاّ أقدم لهذه الأسباب على إحراق كتبي. كان علي أن أدرك، منذ البدء، أن كل شيء هالك إلاّ وجهه، وكان عليّ، أيضاً أن أدرك أن العلم لا يحرصُ عليه إلاّ لمكسب أو منفعة، وكان عليّ أيضاً أن أفيد من تجارب الأنبياء والمرسلين والفلاسفة هؤلاء الذين فقد بعضهم الولد النجيب، وخسر بعضهم الصديق الحبيب والزوجة، وسلم تلامذة بعضهم بعضهم.
ولكن أبا حيان، بدأ يفكر، من جديد، بإحراق كتبه وكرر " كل شيء هالك إلا وجهه "، وعاودته الفكرة من جديد، ولا يدري لماذا تأتيه الفكرة، غالباً، وهو في حافلة الركاب التي تقله من شرق المدينة إلى وسطها فغربها، ويجيب من يسأله عن السبب في عدم حصوله على رخصة سياقة وامتلاكه سيارة: معنى ذلك أنني لن أكتب، وأنني سأزداد عزلة. وكرر أبو حيان الآية دون أن يتأكد من صحتها ( يخلق الحي من الميت ويخلق الميت من الحي ) وها هي فكرة إحراق الكتب تأتي أيضاً في الحافلة، تماماً كما جاءتني فكرة أحد كتبي الذي حفل بأحاديث ركاب الحافلة، وما أظن أنني كنت سأنجزه لو كانت لدي رخصة وسيارة.
في الحافلة، بدأ أبو حيان يفكر في التكنولوجيا الحديثة، وسخر من نفسه كيف غدا، وهو الذي أنفق سنوات يقرأ كتاب الله وتاريخ العرب ونصوص الشعراء القدامى والجاحظ، كيف غدا أمياً. وحين زار بون في صيف 1996م خربش خربشاته: من لا يُجِدْ استخدام الكمبيوتر فهو أُمي! ولا أدري لماذا أنا كسول في استخدام التكنولوجيا، ولكنه في الحافلة أيضاً ذمّ هذه، وبسببها جاءته فكرة إحراق كتبه، وأدرك أن هذه قتلته مرتين؛ مَرِة لأنه لا يعرف كيف يتعامل معها، ومرة لأنها ولدّت لديه من جديد فكرة العبث. وكرَر: ( كل شيء هالك إلاّ وجهه ".
وأخذ يتساءل أن كان سميح القاسم ما زال يكرر الهي.. الهي لماذا قتلتني؟ وهو يقرأ، هذه الأيام، مقولات نقدية مثل مقولة " موت المؤلف " ولا يدري أبو حيان لماذا لم يلتفت سميح إلى مقولة ( نيتشه ) ومقولة (الن روب جرييه )؟ وخوفاً من أن يتهم أبو حيان بالزندقة كتم في سره مقولة الأول للحظات، ولما لم يستطع ألاّ قولها، قرأ في كتاب نقدي هذه المقولات.
بعد أن جاهر نيتشه بفكرة موت الله، نادى ( ألن روب جرييه ) بفكرة موت الشخصية في الرواية، وها هو ( رولان بارت ) ينادي بفكرة موت المؤلف. لماذا إذن يخلد اسمي. ولماذا لم يفطن هؤلاء من قبل إلى الآية ( كل شيء هالك إلاّ وجهه). " كل شيء هالك، كل شيء هالك!" كرر أبو حيان. ولم يلتفت هذه المرة إلى المقبرة الشرقية في مدينة نابلس – لم يلتفت إلى القبور وشواهدها ليقول: حتى شواهد القبور تشير إلى السماء، وتحمل أسماء أصحابها. وليتساءل: ولكن ما جدوى الأسماء، هذه التي سوف تمّحي بعد حين ليحتل اسم آخر مكان اسمها.
وفكر أبو حيان فيم سيكتبه إلى صاحبه، لو طلب منه هذا أن يوضح له السبب الذي حدا به إلى إحراق كتبه ثانية، وشرع أبو حيان في التفكير بكتابة رسالة جديدة. ولكنه، أثناء ذلك، فكر في أمر الأصدقاء واثر أن يراجع قراءة كتابه " الصداقة والصديق " ثم تراجع عن المراجعة هذه، وراجع عوضاً عنها صفحة ماضيه وأصدقاءه الذين خطوا في كتاب أيامه بعض مآسيهم، وسرعان ما عزف عن ذلك، فكل شيء هالك إلاّ وجهه – أي وجه الله – وتخيل صديقاً وهمياً أخذ يكتب له، وقرر أن يضع الرسالة، بعد أن يفرغ من إنجازها، تحت رأسه، وهو ما فعله ابن زريق، فيما بعد، عملاً بوصية أبي حيان. كتب أبو حيان:
" وأعلم – علمك الخير – أن هذا الكتب حوت من أصناف الكتابة بعض ما جال في خاطري، لأن بعض ما خطر لي ما استطعت أن أقوله لأحد، ولربما تسرب جزء منه، وأنا نائم فإذا ما زرع منزلي بالآلات الجهنمية، بدا ما يدور في لا وعيي لأجهزة المخابرات معروفاً، فهذه، كما قال عنها مظفر النواب تفقس بين الإنسان وثوب النوم وزوجته، هذا إذا كانت الزوجة ليست من جهاز المخابرات.
وأعلم- أيدك الله – أن أكثر ما ورد فيها أساء إليّ إساءة كبرى، حتى من اؤلئك الكتاب الذين يستمتعون بقراءة السير الذاتية التي تكون على شاكلة سيرة الكاتب المغربي محمد شكري، هؤلاء، حين اختلفت معهم، جعلوا من شجاعتي غباءً، ومن اعترافاتي ضعفاً، ومن عشقي سقوطاً، ومن تحرري قلة أدب.
وأعلم – زاد الله علمك – أنهم أخذوا يسقطون ما في نفوسهم عليّ، حتى يبرؤوا أنفسهم، وأنني غَدَوْتُ أجمع في ذاتي الشيء وضده، مثل الوطنية والخيانة، والانتماء واللاانتماء، والسخرية والجد، والكرم والبخل، والعجز والفحولة… الخ… الخ.
ولو توقف الأمر عند هذا لهان الأمر وسهل. فهم غدوا ينشرون مقالاتي في أماكن بعيدة، حتى ظن الناس أن أبا حيان النابلسي غير أبي حيان النابلسي الذي يظهر اسمه في الصحف العربية، الصادرة في عمان وعجمان، وفي دمشق ولندن، وفي القاهرة وفاس. وبدأ الناس لذلك، يرسلون لي شخصاً يحمل اسم شخص كبير يقيم في المنفى، وطبقت شهرته الآفاق، ليقولوا لي أنك مثل هذا، لا مثل ذاك، وأن أحمد دحبور الكاتب ليس أحمد دحبور الطبيب، وشتان ما بين أحمد وأحمد وما بين أبي حيان وأبي حيان، ما بين الكسول الخامل والفذ غير الجاهل، وما أحمد غزة بكسول ولا هو بخامل، أنه فذ غير جاهل.
وأعلم – حفظك الله – أنني فكرت في هذا الكم الهائل من العلوم، في زمن الكمبيوتر والإنترنت، فأدركت أن ( رولان بارت ) لم يقتل المؤلف عبثاً، فليس المهم القائل، لأن الأهم المقول، وليس المهم الفرد، لأن الأهم الجموع، علماً أن حكامنا – أمد الله في عمرهم _ لا يدركون هذا، فما زالوا يرون أن الفرد فوق الأمة، حتى لو جلب حكمه لها أطناناً من التخلف والغمة.
وفوق هذا وذاك، ما الذي سيبقى من ركام كتابتي هذه في ظل هذا الركام من الكتابة والكلام؛ مقالة واحدة، لا تسمن ولا تغني من جوع، قد يسيء قراءتها مؤلف جربوع، فيسيء فهمها ولا يُحسنُ نطقها، حتى إذا ما نسبها خطأ لشاعر وصححته وأظهرت له أنها لأبي حيان، وأبو حيان هذا نابلسي، وليس جزائرياً، قال أن الدكتور محمود السمرة، لا يعرف الويسكي من الخمرة، فلا تفضحني، لأن القصيدة التي نشرت في الجزائر، تجعل من أهل فلسطين حرائر ".
في الحافلة قرّر أبو حيان أن يحرق كتبه من جديد. وكانت نابلس هادئة. وكان المطر الذي انقطع لفترة طويلة في بداية شتاء العام 1999/2000 أخذ يتساقط وكان أبو حيان يسير في سوق الخضار يفكر في أمر كتبه، في زمن الإنترنت والكمبيوتر والعولمة، ويدرك أن لا جدوى من الكتابة، بينما أخذ يفكر في مقالته القادمة.
ملاحظة: نشرت هذه القصة في جريدة الأيام ( رام الله ) بتاريخ 22/2/200.