د. إبراهيم عروش - عندما هزمت حبّةُ الانتصاب المنشورَ السياسي والنضالي... تأملاتُ طبيبٍ يرى الصيدليةَ أكثرَ ازدحامًا من مقرّات الأحزاب

في زمنٍ كانت فيه الشعوبُ تخرج إلى الشوارع مطالبةً بالحرية والعدالة والكرامة، أصبح كثيرٌ من الناس اليوم يخرجون فقط بحثًا عن كبسولةٍ زرقاء تعدهم بكرامةٍ من نوعٍ آخر… كرامةٍ تُقاس أحيانًا بعدد الدقائق لا بعدد المواقف.

ولعلّ أكثر ما يثير دهشة الطبيب المعاصر أن مبيعاتِ المحفزات الجنسية، الرسمية منها والمجهولة النسب، أصبحت تنافس الخبزَ والحليب حتى بتنا لا نستطيع فتحَ موقعٍ اجتماعي دون أن يطلَّ علينا خبيرٌ عشبي بلحيةٍ مطمئنة وصوتٍ واثق، يقسم لك أن وصفته السرية قادرةٌ على تحويل الإنسان من موظفٍ متقاعد إلى حصانٍ بربري في أقل من أسبوع.

والمثير للسخرية أن بعض هؤلاء لا يخافون من بيع الوهم، بل يخافون فقط من المقاطع الموسيقية حتى لا تُحذف صفحاتهم بسبب حقوق النشر!
أما حقوقُ المستهلك أو سلامته الصحية، أو تركيب تلك الخلطات التي تصلح أحيانًا لتلميع النحاس أكثر مما تصلح لجسد الإنسان… فتلك تفاصيل ثانوية في زمن الاقتصاد الرقمي.

لقد انتقلت البشرية من مرحلة التحفيز السياسي إلى مرحلة التحفيز العضوي
كان الناس قديمًا يبحثون عمّن يرفع معنوياتهم الوطنية، فأصبحوا اليوم يبحثون عمّن يرفع شيئًا آخر.

في الماضي، كانت الخطبُ الحماسية تُشعل الجماهير،
أما اليوم، فقد أصبحت الإعلانات تقول لك بصراحة:
لا تغيّر العالم… فقط حسّن الدورة الدموية.

ومن الناحية العلمية البحتة، فإن الانتصاب ليس معجزةً فلسفية، بل عملية فيزيولوجية بسيطة نسبيًا:
توسّعٌ في الأوعية الدموية، تدفقٌ للدم، إشارات عصبية، ووجود رغبة نفسية.
أي إن الأمر في النهاية أقرب إلى مشروع ريٍّ مؤقت منه إلى فتحٍ تاريخيّ عظيم.

لكن السوقَ حولت هذه العملية البيولوجية العادية إلى قضية مصيرية، حتى صار بعض الناس يتعامل مع القضيب كما تتعامل الدولُ مع احتياطي الذهب والعملات الصعبة.

والأطرف أن كثيرًا من المجتمعات التي لا تملك أساطير الفحولة هي الأكثر تكاثرًا على وجه الأرض.
فالهند، والصين سابقًا، وكثير من شعوب آسيا، لم تنتظر بياناتِ الديك الذهبي ولا وصفات الأسد الإفريقي بل تكاثرت ببساطة لأن الحياة عندها كانت استمرارًا جماعيًا لا مسابقةَ استعراضٍ عضوي.

فالإنجاب في النهاية لا يحتاج إلى خطبةٍ نارية ولا إلى عضلاتٍ أسطورية، بل يحتاج بيولوجيًا إلى حدٍّ أدنى من الوظيفة الطبيعية، وإلى مجتمعٍ يسمح للناس أصلًا بأن يعيشوا ويؤسسوا أسرة دون أن يختنقوا اقتصاديًا ونفسيًا.

أما المقارنات الحيوانية التي يعشقها الناس في هذا الباب، فهي بدورها ساخرة بطبيعتها.
فالديكُ والأرنبُ يمارسان التكاثر وكأنهما يعملان بنظام الدوام المستمر، بينما يحتاج الجملُ والفيلُ إلى ظروفٍ أكثر تعقيدًا وهدوءًا.
وفي المقابل، فإن كثرة النشاط لا تعني دائمًا كثرة النتائج، وإلا لكان الحمارُ بكل اندفاعه المعروف قد ملأ العالم، لكنه غالبًا لا ينتج إلا جحشًا واحدًا بعد جهدٍ دراميّ طويل، بينما تُغرق القططُ المدنَ بصغارها حتى تضطر البلديات إلى حملات التعقيم الجماعي.

وهنا تكمن السخرية الكبرى:
الإنسان الحديث يتحدث عن القوة الجنسية أكثر مما يتحدث عن قوة التعليم، وقوة الاقتصاد، وقوة العدالة، وقوة الفكرة.

صرنا نعيش زمنًا يُقاس فيه نجاح الإعلان بعدد المشاهدات، لا بعدد الدراسات العلمية، ويصبح فيه المؤثر الذي يبيع خلطات الانتصاب أشهر من أستاذ الفيزياء أو المفكر أو النقابي.

حتى النضال نفسه دخل مرحلةَ التعب الجنسي:
الناس تريد نتائج فورية، مفعولًا سريعًا، وحلولًا خلال نصف ساعة… تمامًا كما تعدهم الإعلانات التجارية.

لكن المجتمعات لا تنتصب بحبة دواء.
المجتمعات تحتاج إلى تدفقٍ دم في عضويا تدفق آخر:
تدفق العدالة، والمعرفة، والحرية، والكرامة.

أما حين يصبح همُّ الأمة هو البحث عن أقوى منشطٍ جنسي، بينما مدارسها تتداعى ومستشفياتها تختنق وشبابها يهاجر… فذلك يعني أن المشكلة لم تعد في الدورة الدموية، بل في الدورة الحضارية نفسها

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى