عبدالكريم كاصد - الطريق إلى عدن (2)

(2)


في الفندق كان يطالعني يومياً رجلٌ صامتٌ يسير باستقامةٍ، مرتدياً زِيّهُ الغريب: زِيّ ضابطٍ بحريّ.. لا يكلّم أحداً.
قيل لي إنه كان ضابطاً بحرياً ثمّ أصيب بالجنون.
كيف أنفذ إلى هذه الشخصية؟ كيف أكلّمها أو أنفذ إلى أسرارها؟
كتبتُ نصّاً طويلاً لم يبق منه سوى هذين البيتين المعنونين بـ (مجنون) في مجموعتي (وردة البيكاجي):

كان ضابطاً بحريّاً
وانحسر عنه البحر

وللجنون شواهده الكثيرة في عدن ليس بين الأشخاص وحدهم، بل والأحداث أيضاً وإن شئت الأشياء: الرجل الذي يرتدي معطفه السميك في حرّ الصيف القاتل، البائع الذي اتخذ من عربته الصغيرة بيتاً يملؤه بالأصداف والخرق وفي الأعياد يصبغ عربته وثيابه باللون الأخضر، المرأة العجوز التي تتودد إليك ضاحكةً، البطاطيّ الشاعر الغارق في أوهامه أبداً، والذي لا يفارق فمه القات نهاية الأسبوع كأنه الرب، بعد يومه السابع. يغلق أيامه بهدوء وينام، حالماً بالرحيل إلى الشمال بعيداً، غير أنه عاد مخفوراً من الحدود وصفعتان على قفاه.. عاد مجنوناً يذرع مبنى البيكاجي ذاهباً آيباً وكأنه يختصر رحيله بخطواته المتراكمة هذه.
جنونٌ أليفٌ، صامتٌ، لا يُؤذي أحداً، ليس كجنون أحداث عدن العاصفة التي لم تبق على أحدٍ.
ولعل أشدّ هذه الشواهد جنوناً هو البيكاجي نفسه.. المبنى الذي سكنتهُ في (التواهي) فيما بعد وهو"ينهض وحيداً، منتصف الليل، يفرك عينيه، ويزحف منطوياً كالحوت يشرع عند الصباح شبابيكه ويمرّغ ظهره في الشمس" ويصرخ:

أنا البيكاجي
لا أدري أأنا حجرٌ أم حوتٌ أم إنسان؟
لي عشراتُ الأبواب
ولكنْ لي بابٌ لا يعرفهُ غيري
أنا شاهدةُ الأحياء
يمرّون ولا يرونني
أنا الوردة الحجريّة
من يصدّقني؟
ونافورةُ الشمس في الظهيرة
في عرسي أدعو الغربانْ
أتزيّن بالأغصان
وأصدحُ كالبلبل في الشرفة ..
كالبلبل ..
كالبلبل ..
كالبلبل ..
أنا البيكاجي

ومثلما غادرني (رمضان) بأمسياته الجميلة غادرتني عدن إلى بقعةٍ قصيةٍ من الأرض تاركةً لي مملكةً مقفرةً وليلاً ساكناً يباغتني نهاراً في الشارع:

ليلٌ ساكن
ينحني على وحشته كالأحجار
يباغتك نهاراً في الشارع
أو في باطن حانوتٍ منقرض
ورفةِ جناح أسود
متعثّراً بين المنازل والسفن كالأعمى
أيها الليل
أيها العابر العدنيّ! قف!
تمرّ هكذا وتمضي
قابضاً على مملكتك المقفرة
كما تقبض على حجرٍ
راحلاً على قدمين حافيتين
أيها الليل المكسوّ بالقواقع
وخرز البدو
أيها المائل على الماء كالمسافرين
أيها الراكد! هل تسمعُ أحجاري؟

هذه المملكة المقفرة لم تكن غريبة عنّي تماماً، فقد عرفتها من قبل ودخلت دهاليزها مراتٍ، دون أن تكون قادرةً على أسري أبداً.. مرّةً حين استدعاني، خطأً، مجلسٌ مُغلقٌ ترأسّهُ مسؤولٌ كبير لم يخطر في باله أنّ ثمة غريباً في الجلسة فكان يصول ويجول ناهراً هذا ومخرساً ذاك بينما أطرقت وجوه مسؤولين آخرين خوفاً أو خشيةً وهي التي لم أعرف عنها خوفاً أو خشيةً.
قلت لنفسي: ها هو المشهد العراقي يتكرّر هنا.
وتذكرت أيامي الأولى حين وصلت عدن والتحقت بوزارة الثقافة محرراً في مجلّة الثقافة الجديدة ففاجأني اجتماعٌ يجلس فيه بعض الموظفين والعمال على مكتب نائب وزير الثقافة وهم يمزحون معه ويتطاولون عليه وهو يبتسم راضياً كأنه وسط عائلته دون أن يغضّن وجها أو يبسط وجهاً ليتكلّف بساطةً أو يخفي صراعاً دفيناً في النفس ...
أين هذا من ذلك المشهد؟
ماذا أرى؟
بعد زمنٍ قصير سمعتُ أن هذا المسؤول الكبير الذي كاد أن يصل إلى رئاسة الوزراء أعدم بتهمة التآمر... لمن؟
كم أدخلتني الثقافة الجديدة مداخلَ مغلقةً خرجتُ منها وأنا أشدّ اكتئاباً!
مرّة جاء وزير ثقافة في جمهورية من جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابقة وقدم نفسه أيضاً بصفته رئيس اتحاد الأدباء في بلده، فطُلب مني أن ألتقيه وأحاوره غير أنني وجدت أجوبته الواثقة متعسّفة في فهم الثقافة والواقعية الاشتراكية التي يرى الأدب بدونها جسداً مقطوع الرأس، فأهملتُها ولم احتفظ حتى بنسخةٍ منها. لم يدر في خلدي أن هذا الوزير الضيف سيلحّ في رؤية مقابلته منشورة باللغة العربية ما سبب حرجاً لغيري.
كان مبنى المجلة يقابل شقتي الصغيرة أو بالأحرى غرفتي في مبنى البيكاجي الهائل .. وعند الظهيرة قبل الانصراف إلى منازلنا تبدأ سهرة الظهيرة، أو ظهيرة السهرة- إذا صحّ التعبير- فيقوم بعض الموظفين في الأقسام الأخرى في وزارة الثقافة بالضرب على الدفوف والطبول فإن لم تتوفر فعلى الطاولات لتؤدي، على إيقاعها، بعض الموظفات رقصهنّ تتوسطهنّ عادةً عاملة التنظيف أم كرامة الطيبة التي انخرطت بالبكاء عندما ورد إليها أنني من بين القتلى في مجزرةٍ حدثتْ في مكانٍ بعيد.
لم يبق لي ولغيري من المنفيين في عدن غير الانتظار.. انتظار المنافي الأخرى والمصير المجهول الذي نشاغله بطرائف أيامنا العابرة:
* القرد (يسميه اليمنيون صالح الربّاح) الذي ربّاه أحدنا فأخذ يتودّد ويندسّ بإلحاح في حضن ابنته الجميلة، ما دفعه أن يخرج به في صباح باكر ويرميه قرب الساحل غير أنه، ويا لدهشته، وجده أمامه حين عاد إلى البيت.
* المثليون المسالمون الوديعون وهم يملأون الساحة المكتظة بالأشجار الشديدة الخضرة والغربان السود وسط (التواهي). كنا نحييهم ويحيوننا بلطف، وقد نتبادل معهم الحديث العابر والمزحة العابرة، فيأنسون لنا ونأنس لهم. كانوا من علامات عدن الوادعة التي لم تكدّر صفواً أو تؤذِ بشراً، ولم يكن لطفنا معهم أو لطفهم معنا استثناءً وإنما كان هذا سلوكاً عاماً لأهل عدن الطيبين المتسامحين الذين ينظرون إلى الأشياء بعيني الحكيم المرح الذي خبر الحياة وخبرته، على النقيض مما هو في عراقنا العجيب حيث يقضي قانون السلطة الرهيبة بإعدامهم. أتذكر مرة زارنا في المجلة أحدهم وهو يبرق بالألوان والأصباغ كطيرٍ إستوائيّ فاستقبلته خديجة العاملة معنا في المجلة استقبالا حافلاً لا يليق إلا بمسؤولين أو فنانين كبار وحين سألتُها، فيما بعد، من يكون هذا، قالت بإعجاب شديد إنه جالي العرائس أو مزينها يستدعونه في الأعراس والأفراح ليزيّن النساء. كان شديد الوقار ويلقي بنكاته واثقاً ما يجعل خديجة تضج بالضحك فتصيبني عدواه فأضحك دون أن أكون على يقين مما يجري من حديثٍ شديد الخصوصية وباللهجة اليمنية البحت.
* الأخبار الطائرة مثل أوهامنا ومنها خبر مقتل صدام حسين الذي جمع القاصين والدانين في مبنىً واحد وعادةً ما يكون مبنى البيكاجي، فننشغل عن الخبر بما يُطرح من أفكار لا يمكن أن تمرّ في ذهنٍ سويّ.
قالت منفية وقد بدتْ على وجهها علامات الحيرة:
كيف سينقل أبو علي (المسؤول الحزبيّ هناك) هذا الجمع الهائل من المنفيين في الطائرات؟
وردّا على مثل هذا السخف هرع أحدنا يجمع غسيله المعلّق أمام الباب وينادي على زوجته يستعجلها الذهاب إلى العراق بطريقةٍ أضحكت الحاضرين.
وبالفعل فإنّ شرَّ البليةِ ما يضحك.
ووسط كلّ هذه الأفراح والأحزان ينتصب البيكاجي شاهداً أثرياً ونصباً هائلاً بأبوابه الغبر، وسلّمه المتآكل، وأعمدته التي تعلوها الغربان، وثقوبه البارزة كالثعابين، وهوائه الراكد، وقبته الواسعة التي تسمى سقفاً تحت شبكة الأسلاك الحديد التي تتوسط باحته فوق الطابق الأسفل المليء بالظلال المعتمة المبقعة بالضوء.. وغرفه:

غرفةٌ بابُها أصلعٌ
ذات عينين زائغتين
غرفةٌ بوجوهٍ تُطلّ وأخرى تطول
غرفةٌ فمها لا يقول
غرفةٌ بابُها مظلمٌ
وكراسيّها مجلس الفاتحهْ
غرفةٌ تنشرُ الرائحهْ
وتلمّ الغسيل
غرفةٌ بابها شجرٌ
وشبابيكها راحةٌ ومقيل
غرفةٌ بابُها مشرعٌ
عندها لا أطيق الوقوف
غرفةٌ بابها مغلقٌ
وموائدُها نزهةٌ للضيوف
غرفة بابُها حجرٌ
غرفة تعصف الروح فيها
غرفة آخر العرباتْ

لم يهدأ البيكاجي يوماً. لقد ظلّ محطة تعجّ بالقادمين يقيمون فيه ليلةً أو ليلتين ويرتحلون بلا أثرٍ.
أما سكّانه الأبديون فإنهم يتقاطعون في باحته أو سلّمه المتآكل ويلتقون هناك بعيداً عبر الساحل في حديقة نشوان تعرفهم من إطراقتهم الدائمة ووجوههم الشاخصة صوب البحر. وقد يجتمعون كلّهم في غرفةٍ لإقامة مآتمهم الدائمة:

وفي المساء يلتقي المهجّرون.. مقاعدهم مبعثرةٌ يعلوها الرمل وأشجارهم مبلّلة بالندى لا يراها أحد
يرقبون البواخر تضيء بعيداً.. والقوارب وهي تنطفئ عند السياج
وحين يعودون يلتفتون إلى البحر. أشجارهم بعُدت وساحلهم عند منعطف البحر تحجبه صخرةٌ
من رآهم يغيبون

هناك عند الساحل في حديقة نشوان لي زاوية يسكنها ظلّي.. ظلّي الذي أسخطته مرّةً فلم أعد أراه.

* القصائد والمقاطع المنشورة في هذه الفصل من مجموعة (وردة البيكاجي ) .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى