العُراة

1000190468.jpg


حين خرج من بيته ذلك الصباح، كان يحمل يومه تحت إبطه كملفٍّ قديم، ويجرُّ خلفه ظلاً متعباً من الأمس. لم يكن يتوقع أكثر من شوارع مزدحمة، وإشارات مرور تتثاءب عند المفارق، ووجوه عابرة تذوب في ضباب الاعتياد.
لكن ما إن انعطف عند أول زاوية حتى تجمّد في مكانه.
كانت المدينة عارية.
الرجال والنساء، الشيوخ والأطفال، الموظفون الخارجون إلى أعمالهم، الباعة خلف عرباتهم، الطلاب عند محطات الحافلات... جميعهم يمشون عراة تماماً.
لا خجل. لا ارتباك. لا محاولة للتستر.
كانت الأجساد تتحرك في الشوارع كما تتحرك الأشجار في الغابات؛ طبيعية إلى حدٍّ يثير الرعب.
أغمض عينيه وفتحهما مرة أخرى.
لم يتغير شيء.
رأى امرأة تساوم بائع الخضار على ثمن الطماطم، ورجلين يتجادلان حول مباراة كرة قدم، وطفلاً يركض خلف حمامة في الساحة. كل شيء بدا عادياً بشكل مخيف، كأن العري ليس سوى تفصيل صغير لا يستحق الالتفات.
أما هو، فقد كان الوحيد الذي يرتدي ثيابه.
قميصه الأزرق بدا فجأة كراية حرب.
معطفه صار جداراً مرتفعاً وسط سهل مكشوف.
ربطة حذائه بدت كأنها خطيئة معقودة بإحكام.
بدأ الناس يلتفتون إليه.
في البداية كانت النظرات عابرة.
ثم صارت أطول.
ثم تحولت إلى سهام صامتة.
رأى الدهشة تتسع في العيون. رأى الشفاه تتمتم بشيء لا يسمعه. رأى الوجوه تتجهم كلما مرّ بقربها.
كان يشعر أن ملابسه تصدر ضجيجاً.
أن أزرار قميصه تقرع كأجراس إنذار.
أن القماش الذي يغطيه ليس قماشاً، بل اعتراف طويل ومحرج.
كل خطوة كان يخطوها تزيد من ثقله.
كان الناس يفسحون له الطريق كما يُفسَح الطريق لمريضٍ معدٍ.
امرأة ضمّت طفلها إلى صدرها عندما اقترب.
رجل هز رأسه بأسف.
شاب بصق على الأرض أمامه.
أما العيون فكانت أكثر قسوة من أي كلام.
عيون تقول: كيف يجرؤ؟
كيف يخفي نفسه؟
ما الذي يخشاه؟
ولأول مرة بدأ يشك في نفسه.
وضع يده على صدره.
شعر بالقماش.
فجأة بدا له كقشرة يابسة تغطي ثمرة متعفنة.
بدت الثياب كلها ثقيلة، قديمة، مثقلة بغبار أزمنة من الخوف.
واصل السير.
المدينة حوله كانت تمضي في إيقاعها المنتظم، بينما كان شيء ما يتصدع داخله.
عند إشارة المرور الأولى، فك الزر العلوي.
عند الساحة، خلع معطفه.
وعند النافورة الكبيرة، توقّف طويلاً.
كان الناس يمرون من حوله كتيار ماء لا ينتهي.
لم يعد يميز الوجوه.
كلها صارت وجهاً واحداً.
وجهاً هائلاً يمتد من أول الشارع إلى آخر الأفق.
شعر أنه متعب من المقاومة.
متعب من كونه الاستثناء.
متعب من حمل جلده فوق جلده.
فبدأ يخلع ما تبقى.
زرّاً بعد زرّ.
طبقة بعد طبقة.
ذكرى بعد ذكرى.
حتى سقطت آخر قطعة على الرصيف.
في تلك اللحظة فقط اختفت النظرات.
اختفى الاستنكار.
اختفت الدهشة.
وكأن المدينة أطلقت زفيراً عميقاً بعد انتظار طويل.
تابع سيره بينهم.
لا أحد يحدق به الآن.
لا أحد يراه.
ذاب في الزحام كما تذوب قطرة حبر في نهر أسود.
ومع كل خطوة كان يشعر بخفة غريبة، كأنه تخلّص من عبء هائل.
لكنه، في مكان بعيد داخل روحه، سمع صوتاً خافتاً يشبه تمزق ورقة قديمة.
التفت خلفه.
كانت ملابسه ملقاة على الرصيف.
وحيدة.
صغيرة.
فارغة.
تتلاعب بها الريح كأنها تلوّح له للمرة الأخيرة.
أراد أن يعود إليها.
أن يلتقطها.
أن يسألها إن كان قد خلع القماش فقط...
أم خلع شيئاً آخر لا يمكن ارتداؤه من جديد.
لكن الزحام كان قد ابتلعه.
ومضى.

منذر ابو حلتم

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى