حين تصير المعرفة إبداعًا: أمل الأسدي نموذجًا

حين تصير المعرفة إبداعًا: أمل الأسدي نموذجًا

أحمد رجب شلتوت

يصعب وضع الدكتورة أمل الأسدي داخل خانة ثقافية واحدة؛ فهي أكاديمية تكتب النقد، وباحثة تنشغل بأسئلة الهوية، وشاعرة ترى العالم بعين الحلم، وقاصة تبحث في المناطق الخفية من النفس الإنسانية. وهكذا تبرز تجربة الكاتبة العراقية باعتبارها تجربة تقوم على التفاعل المستمر بين المعرفة والإبداع. فالتكوين الأكاديمي لم يتحول لديها إلى جدار يفصلها عن الحياة، كما أن الحس الأدبي لم يدفعها إلى الابتعاد عن البحث العلمي، وتكشف قائمة مؤلفاتها عن هذا التنوع بوضوح؛ فهي تدلي بدلوها في الدراسات الأدبية واللغوية، كما تكتب في الاجتماع الديني والفكر والثقافة وقضايا الهوية، وتنجز في الوقت نفسه نصوصًا شعرية وسردية، وهذا التعدد يعكس رؤية واحدة ترى الثقافة كيانًا متكاملًا لا يمكن تجزئته إلى حقول منفصلة. فالأدب عندها مرتبط بالإنسان، والإنسان مرتبط بالمجتمع، والمجتمع مرتبط بالتاريخ والهوية والقيم.

والمتابع لما تكتبه الدكتورة أمل الأسدي يكتشف أن دراسة الأدب العربي لم تكن بالنسبة لها مجرد تخصص جامعي، بل كانت أداة لفهم الإنسان والعالم. فالاشتغال على النصوص الأدبية يمنح الباحث قدرة على قراءة الخطابات المختلفة وتأويلها، وهو ما انعكس على أعمالها الفكرية والنقدية، فالأدب كان البوابة التي عبرت منها إلى قضايا أوسع تتعلق بالهوية والثقافة والاجتماع والتاريخ.

من هنا يمكن فهم انتقالها من دراسة شعر أبي جلدة اليشكري أو الخصائص الأسلوبية في النص القرآني إلى الكتابة في قضايا مثل «الإبراهيمية» أو «الإرهاب القيمي» أو الاجتماع الديني للزيارة الأربعينية. فثمة خيط ناظم يجمع هذه الموضوعات جميعًا، يتمثل في محاولة فهم الإنسان العربي وتحولات وعيه ومصادر تشكيل هويته.

وإذا تأملنا عناوين كتبها الفكرية نجد أن سؤال الهوية حاضر بصورة واضحة. فكتاب «الاجتماع الشيعي وإشكاليات الهوية»، وكتاب «مواجهة الإرهاب القيمي»، كلها تنطلق من اهتمام مشترك يتعلق بمصير الهوية الثقافية في عالم يشهد تحولات متسارعة، ولا يبدو هذا الاهتمام منفصلًا عن السياق العراقي نفسه؛ فالعراق خلال العقود الأخيرة كان مسرحًا لتحولات سياسية واجتماعية وثقافية عميقة جعلت سؤال الهوية والانتماء من أكثر الأسئلة إلحاحًا. ولذلك فإن كثيرًا من كتاباتها لا تكتفي بوصف الظواهر، بل تحاول البحث في جذورها التاريخية والثقافية، وفي أثرها المحتمل على المستقبل، لذلك تكتسب أعمالها الفكرية طابعًا استشرافيًا؛ فهي لا تنشغل بالماضي لذاته، وإنما تستدعيه لفهم الحاضر واستشراف ما يمكن أن يحدث لاحقًا.

ويتجلى هذا الانشغال بأسئلة الهوية والثقافة بصورة أكثر وضوحًا في كتابها "الإبراهيمية: حرب الاستحواذ على الموارد"، الذي يمثل أحد أبرز أعمالها الفكرية وأكثرها إثارة للنقاش. ففي هذا الكتاب لا تكتفي أمل الأسدي بمتابعة مشروع "الإبراهيمية" من زاوية دينية أو سياسية ضيقة، وإنما تتعامل معه بوصفه ظاهرة ثقافية وحضارية تسعى إلى إعادة تشكيل الوعي والهوية تحت شعارات تبدو في ظاهرها إنسانية وعالمية. ومن خلال منهج يجمع بين التحليل الثقافي والتفكيك الخطابي والاستناد إلى المرجعيات الدينية والتاريخية، تحاول الكشف عن الآليات التي يجري عبرها توظيف مفاهيم مثل التسامح والأخوة الإنسانية والتعايش الديني في سياقات قد تؤدي، بحسب رؤيتها، إلى تذويب الخصوصيات الثقافية والدينية وإضعاف منظومات القيم المحلية.

وتبرز في هذا الكتاب شجاعة الصوت النسوي، وأيضا قدرته على الربط بين التحولات الفكرية الكبرى والواقع الجيوسياسي المعاصر، كما تكشف عن حس نقدي يتجاوز حدود الوصف إلى محاولة استشراف مآلات الظواهر الثقافية الجديدة وتأثيرها في المجتمعات العربية والإسلامية. ومن ثم يمكن النظر إلى هذا الكتاب بوصفه نموذجًا دالًا على طبيعة مشروعها الفكري القائم على الدفاع عن الهوية بوصفها عنصرًا فاعلًا في بناء الوعي الجمعي، لا مجرد إرث ثقافي من الماضي.

وأحد الجوانب اللافتة في تجربة أمل الأسدي هو قدرتها على التحرك بين مستويات مختلفة من الكتابة. فهي تكتب الدراسات الأكاديمية المحكمة، لكنها تكتب أيضًا المقالة الثقافية والاجتماعية الموجهة إلى جمهور أوسع، وهي تمتلك القدرة على تحويل المقالة إلى مشروع وعي، لأنها تتعامل مع المقالة باعتبارها مساحة للتفكير وإثارة الأسئلة، هذه السمة تجعل كتاباتها أقرب إلى ما يمكن تسميته بالمقالة الثقافية التأملية؛ فهي تستند إلى المعرفة، لكنها لا تغرق في المصطلحات الأكاديمية، كما أنها تحافظ على حضور البعد الإنساني الذي يجعل النص قريبًا من القارئ.

من خلال قائمة أعمالها الفكرية والإبداعية يتضح أن العراق في كتابات أمل الأسدي، هو ذاكرة ورمز ومرجعية ثقافية، ففي نصوصها الشعرية تحضر النخلة والتمر وبابل وسومر بوصفها علامات هوية، وفي مقالاتها التراثية والاجتماعية تحضر الشناشيل البغدادية والأهوار والمجالس الشعبية والعادات القديمة،

هذا الحضور ليس مبعثه الحنين للماضي، ولكنه يبدو كمحاولة لاستعادة العناصر المؤسسة للشخصية العراقية. فالتراث عندها ليس مادة متحفية جامدة، وإنما طاقة رمزية ما تزال قادرة على إنتاج المعنى في الحاضر.

وفي مجموعتها الشعرية «ذلك القادم الأخضر» يتجلى بعد آخر في شخصية أمل الأسدي، فهي الشاعرة التي تبحث عن الجمال وسط عالم مضطرب، والحب في هذا الديوان يتحول إلى رمز للحياة نفسها. أما اللون الأخضر الذي يتكرر في العنوان وفي عدد من النصوص، فيحمل دلالات الخصب والأمل، وتبدو الطبيعة في هذا الديوان جزءًا من اللغة الشعرية ذاتها؛ فالمطر والنخيل والفراشات والقمر والأزهار أدوات لبناء رؤية ترى العالم من خلال علاقة حميمة بين الإنسان والطبيعة.

ومن اللافت كذلك، أن الحس الوجداني في الديوان لا ينفصل عن الحس الثقافي؛ فالنخلة مثلًا ليست مجرد شجرة، بل رمز عراقي وحضاري يحمل ذاكرة المكان وتاريخه.

أما في مجموعتها القصصية «أضغاث أنفاس» فتتجه أمل الأسدي نحو عالم مختلف نسبيًا. هنا يصبح الحلم أداة أساسية لبناء النصوص، لا تعتمد هذه المجموعة على الحكاية التقليدية بقدر اعتمادها على المشهد النفسي والرمز والرؤيا. الشخصيات غالبًا ما تتحرك في فضاءات تتداخل فيها الذاكرة والحلم والواقع، ويغدو الحدث الخارجي أقل أهمية من الصراع الداخلي.

وتكشف هذه النصوص عن اهتمام واضح بعالم الإنسان الباطني، وعن رغبة في استكشاف المناطق الغامضة من الوعي واللاوعي. ولذلك تقترب بعض نصوصها من السريالية أو الرمزية، مع احتفاظها بخصوصيتها المحلية والوجدانية، ومن هنا يمكن القول إن القاصة والشاعرة في تجربة أمل الأسدي ليستا شخصيتين منفصلتين؛ فالنزعة الشعرية تتسلل إلى السرد، كما أن الحس القصصي يظهر أحيانًا داخل القصيدة.

تُصنف أمل الأسدي ضمن الأصوات النسائية العراقية المعاصرة، لكن خصوصية تجربتها تكمن في أنها لا تعتمد الخطاب الاحتجاجي المباشر أو الشعارات الجاهزة، وحضور المرأة في نصوصها يتحقق عبر الإنجاز المعرفي والوعي الثقافي والقدرة على إنتاج المعرفة، وتنعكس هذه الرؤية أيضًا في أعمالها الإبداعية؛ فالمرأة في نصوصها ليست موضوعًا للحكاية فقط، بل ذات مفكرة وقادرة على الاختيار والتأمل وإعادة بناء علاقتها بالعالم.

وهكذا تكشف تجربة الدكتورة أمل الأسدي عن نموذج للمثقف الذي يرفض الانغلاق داخل تخصص واحد أو جنس أدبي واحد. فمن خلال كتبها الفكرية، ودراساتها النقدية، ومقالاتها الاجتماعية، وإسهاماتها الإبداعية يتشكل مشروع ثقافي يقوم على ثلاث ركائز أساسية: المعرفة، والهوية، والإنسان.

وأكثر ما يلفت الانتباه في شخصيتها الثقافية ليس تعدد اهتماماتها فحسب، بل الطريقة التي تتعامل بها مع المعرفة ذاتها. فهي لا تبدو باحثة تنظر إلى موضوعاتها من برج أكاديمي معزول، وإنما مثقفة تنخرط في أسئلة مجتمعها وتحوّلاته.

وفي كتاباتها يلمس القارئ حضور شخصية تؤمن بالحوار أكثر من اليقين المغلق، ولعل هذا ما يفسر تنقلها بين الأدب والتراث والاجتماع والثقافة؛ فهي تنظر إلى هذه الحقول بوصفها وجوهًا مختلفة لسؤال واحد يتعلق بالإنسان ومصيره. كما أن لغتها، حتى في أكثر الموضوعات تخصصًا، تحتفظ بشيء من دفء السرد وحيوية التأمل، الأمر الذي يجعل كتاباتها قادرة على مخاطبة القارئ العام دون أن تفقد رصانتها العلمية. ومن هنا تبدو تجربتها أقرب إلى نموذج المثقف الذي لا يكتفي بإنتاج المعرفة، بل يسعى إلى تحويلها إلى وعيٍ حيٍّ متصل بالواقع والحياة.

وهكذا تكشف تجربة الدكتورة أمل الأسدي عن نموذج للمثقف الذي يرفض الانغلاق داخل تخصص واحد أو جنس أدبي واحد. فمن خلال اشتغالها على الأدب والهوية والمجتمع، ومن خلال كتبها الفكرية ودراساتها النقدية ومقالاتها الاجتماعية ونصوصها الشعرية والسردية، تواصل بناء مشروع ثقافي يجعل من المعرفة وسيلة لفهم الإنسان والدفاع عن الذاكرة واستشراف المستقبل. ولعل ما يميز هذا المشروع أنه يقيم جسرًا دائمًا بين البحث والإبداع، وبين الجامعة والحياة، بحيث تتحول الكتابة إلى فعل ثقافي يسعى إلى إنتاج الوعي بقدر ما يسعى إلى إنتاج الجمال.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى