أستعير مفهوم "اليسار العربي الوافد أو اللاقومي" الذي بلوره الراحل الفلسطيني أحمد حسين، لأنه يعبر بالوضوح المطلوب في المرحلة الراهنة، عن حالة الاصطفافات الحزبية اليمينية في أوساطه. وحالة الاستهداف للمشروع العروبي التي تجري من طرف مراكز العداء الغربي الامبريالي وقوى الدين السياسي الإرهابي، في تقاطعهما مع "اليسار العربي الوافد أو اللاقومي". كما أن هذا المفهوم يشكل مدخلا للقطيعة مع أحد الخيارات الفكرية والسياسية التي أوصلت حركة التحرر العربي إلى حالة التفكك والانبطاح الراهنة.
لقد ظلت الأمة العربية (الطبقات الشعبية)، تعيش معارك دفاع ومقاومة متواصلة، على مستوى وجودي في مواجهة قوى الاستعمار الأوربية، سواء ضد القوى الاقطاعية المتسربلة بغطاء الحروب الصليبية، أو البورجوازية الرأسمالية في جميع مراحل تطورها.
وإذا حصرنا هذه المواجهة تاريخيا فقط من القرن التاسع عشر، بدءا بلحظة إجهاض أول مشروع "لنهضة عربية حديثة" متمثلة في تجربة محمد علي في مصر سنة 1844، من طرف التحالف العسكري الاستعماري الإنجليزي الفرنسي التركي. فإن الوقائع التاريخية التي تلتها إلى اليوم، تؤكد أن الغرب المستعمر والامبريالي موحد وحاسم طبقيا وقوميا في عدائه، بأن لا يسمح بقيام أي مشروع لوحدة عربية تنموية حديثة على حدوده الجنوبية من البحر المتوسط. وأن أي دور قومي داخل أي قطر عربي منفرد، هو أمر مستحيل الاستمرار والصمود في وجه العدوان الامبريالي. الامر الذي أكدته دروس العدوان على مصر في 1967، وتكررت هذه الدروس تباعا في جزائر العشرية السوداء والعراق وليبيا وسوريا، المكلفة طبقيا ووطنيا وقوميا. وإذا تتبعنا بالتدقيق مواقف "اليسار العربي الوافد واللاقومي" نجده:
- يؤيد كل حركة انفصال عرقي في الوطن العربي، وهو لا يخفي ولهه بأصلانيات الأقليات العرقية والثقافية في البلاد العربية، كديناميات تفتيت في الوطن العربي. ولعل المثال البارز هو التقاء كل مكونات هذا "اليسار العربي الوافد واللاقومي" في تأييد كيان الكرد الصهيوني في العراق، رغم أنه يشكل منصة للعدوان في المنطقة خدمة للصهيوأمريكي.
- تحالفه مع قوى الدين السياسي والتنسيق معها أكثر من مرة داخل الدول القومية لاغتيال النظام أو التمهيد السياسي لاغتياله، لأنه لا يرى لها إلا مستقبلا فاشيا، ويرى أن لقوى الدين السياسي مستقبلا تحرريا.
إن الخيار الممكن القادر على هزيمة الغرب الامبريالي والصهيوني وأدواتهم في الوطن العربي، هو طريق التحرير والتحرر القومي الوحدوي الشعبي بنفس طويل، في إطار بناء دولة عربية مركزية أو وحدة فيدرالية، واقتلاع أنظمة الخيانة والتبعية. مشروعا قوميا ينتمي إلى قواعد الحركة الاجتماعية العربية الشعبية ووعيها القومي الملتزم فقط. وليس إلى فكر وممارسة "يسار عربي" ظل وافدا من المركز الغربي المعادي ومخترقا من الصهيوأمريكي، يدافع عن الأنظمة القطرية. يسار بدون هوية وطنية وقومية عربية بأفق اشتراكي.
لقد مكنت المواجهة التاريخية ضد الدول الرأسمالية الغربية خلال النصف الأول من القرن العشرين، من إعادة تقطيع تركة الاحتلال التركي للوطن العربي وزرع الكيان الصهيوني، ومن فرض وتثبيت أنظمة حكم تابعة تجزيئية قطرية متخلفة ومتواطئة معه، حتى يظل محمية تبيض الذهب.
وبعد أن شهد الربع الثالث من القرن العشرين صعود التيار القومي في الوطن العربي وتمكنه من قيادة الساحة العربية، وتحدي الأنظمة التابعة ومواجهة الاستعمار والكيان الصهيوني - وهي الفترة المجيدة من تاريخنا المعاصر- تمكن معسكر الثورة المضادة من إلحاق الهزيمة في يونيو 1967 بالناصرية سياسيا واجتماعيا في مصر، وانقلبت الأوضاع. وبدأ الصهيوأمريكي والرجعية العربية بتحالف مع قوى الدين السياسي الإرهابي، في الزحف التدريجي لتهبيط الأمة العربية إلى الهاوية التي نراها اليوم، وحولت الوطن العربي إلى مجرد غنيمة لحروبها.
كما أن كل الدول الامبريالية الغربية التي خاضت وتخوض حروبا عدوانية ضد الامة العربية قد تمت بالزي القومي. وجرت وتجري تحت مظلة حماية المصالح القومية والأمن القومي لهذه الدول. أما الأنظمة القومية العربية التي خاضت حروب الدفاع عن سيادة بلدانها وحماية ثرواتها، فقد تم اغتيالها بإجماع "دولي ديموقراطي" مزعوم على هذا الأساس، كما حدث للناصرية في مصر والبعثية في العراق وسوريا. وجرى معاقبتها سلفا بالنزعة الفاشية والديكتاتورية، وتعرضت للإدانة والشجب من طرف "اليسار العربي الوافد واللاقومي" خاصة التروتسكي، لأنه يعتبر كل نظام قومي التوجه، رمزا للطغيان والقمع، وينغمس في العداء له. علما أن كل الأنظمة لا تختلف في سلوكها الأمني اتجاه خصومها. والفرق بينها هو في طبيعتها الاجتماعية/ الطبقية.
إن الغرب الرأسمالي ظل تاريخيا يجسد شعار "ممنوع التنمية في الوطن العربي " كأولوية عملا بالمقولة المشهورة: "لا يابان بعد اليابان". وعمل على تصفية كل انجاز تنموي بالقطاع العام، تم من طرف "رأسمالية الدولة القومية". ونهب الثروة الطبيعية بالتدخل العسكري أو بالتبادل غير المتكافئ والمديونية، أو السرقة المباشرة لمصادر الطاقة،...إلخ.
ومما يدفع إلى الاستغراب أن هذا اليسار ظل يتجاهل أهمية التنمية في التحرر، وفك الارتباط مع الشركات الاحتكارية الغربية والأسواق التي تهيمن عليها، وضرورة المقاربة القومية في بناء التنمية المستقلة.
لقد مثل الحصار الوحشي على العراق وسوريا والصومال وليبيا والسودان واليمن ولبنان، لسنوات من خلال عدوان نظام العقوبات الامريكي، ذروة هذا المنع من التنمية، ومثالا حيا على مأساة شعوب المنطقة، ودفعها نحو المزيد من الفقر الذي بلغ في مناطق عربية حد الإبادة الجماعية. وهو أمر مقصود إذا علمنا أن من يقود مجلس الامن وصندوق النقد الدولي والبنك العالمي والمؤسسات المشابهة هو الصهيو أمريكي.
فلا يمكن تحييد التنمية عن الصراع الطبقي ضد الامبريالية وحلفائها، أو لجم عملية بناء الوعي المرتبط بسبل كفاح الطبقات الشعبية العاملة وبناء أدواتها التنظيمية المستقلة. فالحرب ضد الطبقات الشعبية العاملة لا تقتصر على الإصلاحات المادية والاجتماعية وضروراتها، بل تخاض أيضا ضد إمكانيات صعودها السياسي من طرف أجهزة قمع الأنظمة العربية التابعة. وتجريدها من حقوقها السياسية والثقافية والنقابية. فهي صاحبة المصلحة في التنمية المستقلة والمشاركة المباشرة في بنائها وحمايتها، وهو ما يعبر عنه المفكر العروبي الفلسطيني د. عادل سمارة في أطروحته "التنمية بالحماية الشعبية".
فالأمن والتنمية والسيادة الوطنية والقومية متلازمة ومرتبطة بأمن وسيادة وتنمية الطبقات الشعبية العربية أولا وأخيرا.
مدينة تمارة في 5 يونيو 2026
لقد ظلت الأمة العربية (الطبقات الشعبية)، تعيش معارك دفاع ومقاومة متواصلة، على مستوى وجودي في مواجهة قوى الاستعمار الأوربية، سواء ضد القوى الاقطاعية المتسربلة بغطاء الحروب الصليبية، أو البورجوازية الرأسمالية في جميع مراحل تطورها.
وإذا حصرنا هذه المواجهة تاريخيا فقط من القرن التاسع عشر، بدءا بلحظة إجهاض أول مشروع "لنهضة عربية حديثة" متمثلة في تجربة محمد علي في مصر سنة 1844، من طرف التحالف العسكري الاستعماري الإنجليزي الفرنسي التركي. فإن الوقائع التاريخية التي تلتها إلى اليوم، تؤكد أن الغرب المستعمر والامبريالي موحد وحاسم طبقيا وقوميا في عدائه، بأن لا يسمح بقيام أي مشروع لوحدة عربية تنموية حديثة على حدوده الجنوبية من البحر المتوسط. وأن أي دور قومي داخل أي قطر عربي منفرد، هو أمر مستحيل الاستمرار والصمود في وجه العدوان الامبريالي. الامر الذي أكدته دروس العدوان على مصر في 1967، وتكررت هذه الدروس تباعا في جزائر العشرية السوداء والعراق وليبيا وسوريا، المكلفة طبقيا ووطنيا وقوميا. وإذا تتبعنا بالتدقيق مواقف "اليسار العربي الوافد واللاقومي" نجده:
- يؤيد كل حركة انفصال عرقي في الوطن العربي، وهو لا يخفي ولهه بأصلانيات الأقليات العرقية والثقافية في البلاد العربية، كديناميات تفتيت في الوطن العربي. ولعل المثال البارز هو التقاء كل مكونات هذا "اليسار العربي الوافد واللاقومي" في تأييد كيان الكرد الصهيوني في العراق، رغم أنه يشكل منصة للعدوان في المنطقة خدمة للصهيوأمريكي.
- تحالفه مع قوى الدين السياسي والتنسيق معها أكثر من مرة داخل الدول القومية لاغتيال النظام أو التمهيد السياسي لاغتياله، لأنه لا يرى لها إلا مستقبلا فاشيا، ويرى أن لقوى الدين السياسي مستقبلا تحرريا.
إن الخيار الممكن القادر على هزيمة الغرب الامبريالي والصهيوني وأدواتهم في الوطن العربي، هو طريق التحرير والتحرر القومي الوحدوي الشعبي بنفس طويل، في إطار بناء دولة عربية مركزية أو وحدة فيدرالية، واقتلاع أنظمة الخيانة والتبعية. مشروعا قوميا ينتمي إلى قواعد الحركة الاجتماعية العربية الشعبية ووعيها القومي الملتزم فقط. وليس إلى فكر وممارسة "يسار عربي" ظل وافدا من المركز الغربي المعادي ومخترقا من الصهيوأمريكي، يدافع عن الأنظمة القطرية. يسار بدون هوية وطنية وقومية عربية بأفق اشتراكي.
لقد مكنت المواجهة التاريخية ضد الدول الرأسمالية الغربية خلال النصف الأول من القرن العشرين، من إعادة تقطيع تركة الاحتلال التركي للوطن العربي وزرع الكيان الصهيوني، ومن فرض وتثبيت أنظمة حكم تابعة تجزيئية قطرية متخلفة ومتواطئة معه، حتى يظل محمية تبيض الذهب.
وبعد أن شهد الربع الثالث من القرن العشرين صعود التيار القومي في الوطن العربي وتمكنه من قيادة الساحة العربية، وتحدي الأنظمة التابعة ومواجهة الاستعمار والكيان الصهيوني - وهي الفترة المجيدة من تاريخنا المعاصر- تمكن معسكر الثورة المضادة من إلحاق الهزيمة في يونيو 1967 بالناصرية سياسيا واجتماعيا في مصر، وانقلبت الأوضاع. وبدأ الصهيوأمريكي والرجعية العربية بتحالف مع قوى الدين السياسي الإرهابي، في الزحف التدريجي لتهبيط الأمة العربية إلى الهاوية التي نراها اليوم، وحولت الوطن العربي إلى مجرد غنيمة لحروبها.
كما أن كل الدول الامبريالية الغربية التي خاضت وتخوض حروبا عدوانية ضد الامة العربية قد تمت بالزي القومي. وجرت وتجري تحت مظلة حماية المصالح القومية والأمن القومي لهذه الدول. أما الأنظمة القومية العربية التي خاضت حروب الدفاع عن سيادة بلدانها وحماية ثرواتها، فقد تم اغتيالها بإجماع "دولي ديموقراطي" مزعوم على هذا الأساس، كما حدث للناصرية في مصر والبعثية في العراق وسوريا. وجرى معاقبتها سلفا بالنزعة الفاشية والديكتاتورية، وتعرضت للإدانة والشجب من طرف "اليسار العربي الوافد واللاقومي" خاصة التروتسكي، لأنه يعتبر كل نظام قومي التوجه، رمزا للطغيان والقمع، وينغمس في العداء له. علما أن كل الأنظمة لا تختلف في سلوكها الأمني اتجاه خصومها. والفرق بينها هو في طبيعتها الاجتماعية/ الطبقية.
إن الغرب الرأسمالي ظل تاريخيا يجسد شعار "ممنوع التنمية في الوطن العربي " كأولوية عملا بالمقولة المشهورة: "لا يابان بعد اليابان". وعمل على تصفية كل انجاز تنموي بالقطاع العام، تم من طرف "رأسمالية الدولة القومية". ونهب الثروة الطبيعية بالتدخل العسكري أو بالتبادل غير المتكافئ والمديونية، أو السرقة المباشرة لمصادر الطاقة،...إلخ.
ومما يدفع إلى الاستغراب أن هذا اليسار ظل يتجاهل أهمية التنمية في التحرر، وفك الارتباط مع الشركات الاحتكارية الغربية والأسواق التي تهيمن عليها، وضرورة المقاربة القومية في بناء التنمية المستقلة.
لقد مثل الحصار الوحشي على العراق وسوريا والصومال وليبيا والسودان واليمن ولبنان، لسنوات من خلال عدوان نظام العقوبات الامريكي، ذروة هذا المنع من التنمية، ومثالا حيا على مأساة شعوب المنطقة، ودفعها نحو المزيد من الفقر الذي بلغ في مناطق عربية حد الإبادة الجماعية. وهو أمر مقصود إذا علمنا أن من يقود مجلس الامن وصندوق النقد الدولي والبنك العالمي والمؤسسات المشابهة هو الصهيو أمريكي.
فلا يمكن تحييد التنمية عن الصراع الطبقي ضد الامبريالية وحلفائها، أو لجم عملية بناء الوعي المرتبط بسبل كفاح الطبقات الشعبية العاملة وبناء أدواتها التنظيمية المستقلة. فالحرب ضد الطبقات الشعبية العاملة لا تقتصر على الإصلاحات المادية والاجتماعية وضروراتها، بل تخاض أيضا ضد إمكانيات صعودها السياسي من طرف أجهزة قمع الأنظمة العربية التابعة. وتجريدها من حقوقها السياسية والثقافية والنقابية. فهي صاحبة المصلحة في التنمية المستقلة والمشاركة المباشرة في بنائها وحمايتها، وهو ما يعبر عنه المفكر العروبي الفلسطيني د. عادل سمارة في أطروحته "التنمية بالحماية الشعبية".
فالأمن والتنمية والسيادة الوطنية والقومية متلازمة ومرتبطة بأمن وسيادة وتنمية الطبقات الشعبية العربية أولا وأخيرا.
مدينة تمارة في 5 يونيو 2026