عبدالناصر لقاح - السرد العربي وامتداداته

لا أحد يستطيع إنكار القيمة الفنية، فضلا عن القيمة الفكرية في تواليف عربية ذات طبيعة سردية من مثل " ألف ليلة وليلة" و"حي بن يقطان" لابن طفيل ، و" رسالة الغفران" لأبي العلاء المعري و"رسالة التوابع والزوابع" لابن شهيد و "مقامات الحريري" و"مقامات الهمذاني".
كان لهذه الأعمال آثار واضحة في الآداب العالمية، لا ينكرها غير جاحد.
1- ألف ليلة وليلة:
من لم يسمع بالعالم كلّه عن سندباد البحري (Simbad el marino) وعلي بابا والأربعون لصا (Ali Baba y los cuarenta ladrones) أو علاء الدين والمصباح السحري (aladdin y la lampara maravillosa).
لقد فتَنَت ألف ليلة وليلة الغرب قبل الشرق، ولم ينتبه إلى أهميتها العرب (كانوا يسمونها أدب نسوان وصبيان) إلا بعد ترجمتها في بداية القرن الثامن عشر (1704) بفرنسا.
ألف ليلة وليلة، اخترقت العالم كلَّه، في شكل ترجمات لا تنتهي، وأفلام ومسرحيات مخرَجَة وأخرى مطبوعة، لا تعدّ لكثرتها، وقد تكون في هذا السياق أكثر التواليف السّردية انتشارا، لكن لم كل هذا الاحتفال الغربي بهذا الكتاب؟
يجيب الكاتب والقاص والشاعر خورخي لويس بورخيس بقوله:
“un libro en el que cualquier hombre puede descubrir un tesoro”
الكتاب بهذا الشكل، صورة للإنسان حيث وجد، الإنسان بخُيوره وشُروره وسُعوده ونُكوده وسعاداته وأحزانه وحبه وكرهه وصحته ومرضه وإيمانه وكفره وهكذا دواليك.
وبناء على ذلك، فهذا الكتاب عند بورخيس:
"un acontecimiento capital para todas las literaturas"
إنه فوق ذلك كله، له صلة مباشرة، في تصور بورخيس، بنشأة الحركة الرومانسية بالغرب، يقول:
“podríamos decir que el movimiento romántico empieza en aquél instante en que alguien en Normandía o en París lee “Las mil y una noches”.
2- رسالة الغفران لأبي العلاء المعري:
رسالة الغفران عمل متفرّد على كل المستويات، حكيا وفكرا وأدبا ولغة وفلسفة. هي في الأصل جواب على رسالة لابن القارح يطلب فيها من المعري الإجابة عن أسئلة في مجالات معرفية مختلفة، وهي على قسمين: قسم أول هو عبارة عن صعود ابن القارح إلى السماء والذهاب إلى الجنة وإلى جهنم والالتقاء بالشعراء، من الموجودين بالجنة والموجودين بجهنم، وسؤالهم عن سبب وجودهم بجهنم أو بالجنة، ويكون السبب في الغالب شعرهم.
إن التقاء الكوميديا الإلهية لدانتي برسالة الغفران في الموضوع الرئيس، وهو الرحلة إلى الجنة والنار وفي الموضوعات الفرعية كالالتقاء بالشيطان أو إبليس وبالجن وبالشعراء وسؤالهم، والالتقاء بامرأتين، كانت واحدة في الدنيا ذميمة وصارت في الآخرة جميلة وأخرى تنعي حظها، كل ذلك جعل العديد من النقاد، يعتبرون الكوميديا الإلهية مجرد امتداد لرسالة الغفران، وزعم البعض أن الكاتبين معا متأثران بقصة الإسراء والمعراج في القرآن...ومن أولاء أسين بلاثيوس، صاحب كتاب "دانتي والإسلام".
يتصور بلاثيوس أن الأصل قد يكون قصة الإسراء والمعراج والآداب الإسلامية التي أحاطت بها، كالتفسير والحديث، وبعدها أعمال ابن عربي وتصوره للمعراج أو السفر لرؤية الله، وعمل أبي العلاء وتصوره لرحلة ابن القارح للجنة والنار.
يقول روبيرتو مارين جوسمان:
El libro “Dante y el Islam” demuestra tras un detallo estudio de numerosas fuentes árabes, la similitud de la Divina Comedia con muchas explicaciones, leyendas y tradiciones musulmanas anteriores en muchos siglos a Dante. Asin Palacios hurgó en las fuentes árabes, en los alhadith, en la literatura y en las leyendas musulmanas, así como en las obras sufíes o místicas del Islam (en especial en la de Ibn ‘Arabi) los orígenes de muchos aspectos, la estructura, los castigos y los premios, haciendo notar las coincidencias que existen entre estos asuntos musulmanes y la Divina Comedia.
3- حي بن يقظان.
قصة حي بن يقظان لابن طفيل (1100م -1185م)، من الأعمال الغريبة العجيبة، على مستوى الحكي وأسلوب الحكي معا، وقبل ذلك على ما تقوم عليه من نظرات فلسفية فريدة، وثمّة إلى جانبها قصتا ابن سينا والسهروردي المقتول، اللتان تحملان العنوان نفسَه، وتعتمدان الموضوع عينَه فلسفيا، غير أنهما لم تشِيعا بدرجة شيوع قصة ابن طفيل. ومن نافلة القول أن استعمال كلمة قصة في هذا المقام استعمال على سبيل المجاز، لا الحقيقة، وإلا فقصة حي بن يقظان عند المؤلّفين الثلاثة قالب شكلي فقط، توسّلوا به لعرض نظراتهم في أمور موصولة بالفلسفة والدين والتجربة والعقل واروح بعامة.
يستهل ابن طفيل قصته بقوله:" ذكر سلفنا الصالح- رضي الله عنهم- أن جزيرة من جزائر الهند، التي تحت خط الاستواء، وهي الجزيرة التي يتولّد بها الإنسان من غير أم ولا أب..."
ثم يسوّغ هذا الرأي بحديث ذي طابع علمي (أو غير علمي) مفصّل عن الحرارة والبرودة والهواء والشمس، ليعود ويقول بأن الأمور المذكورة شاهدة على:" صحة ما ذكر من تجويز تولّد الإنسان بتلك البقعة من غير أب ولا أم"
فقد يكون حي بن يقظان ولد على هذه الشاكلة، غير أن هناك تفسيرا آخر، ذلك أن الجزيرة المذكورة كانت بالقرب منها جزيرة أخرى يعيش بها الناس، وكان مالكها رجلا شديد البأس وشديد الغيرة على أخته الحسناء، حتى عضلها، ما لم يكن لها زوج كفؤ.
وكان ثمة رجل اسمه يقظان تزوج منها سرّا، فولدت له ولدا، وخشيت من غضب أخيها، فوضعته في تابوت وألقت به في النهر وهي تتضرع إلى الله أن يحفظه، بعد ذلك سيتحطم التابوت وقد رسا بأجمة، وطفق الصبي يبكي، فسمعته ظبية كانت فقدت طَلاها، الذي افترسه عقاب، فظنته هو فأرضعته. وهكذا نشأ بين ظهراني الحيوانات والوحوش، فألفته وألفها، وكان يحاكيها في صراخها وفي غير ذلك، ثم ما لبث أن لاحظ لها أوبارا وأشعارا وريشا ومخالب وحوافر وأنيابا، ولها وثْب وقفْز وعدْو، ممّا ليس لديه أو ممّا لا يشبه ما لديه، أوممّا لا يقدر على الإتيان به، ثم بدأ يحب البعض منها ويكره البعض الآخر، حين يكون وحده ويتمثّل صورها وهي بعيدة عنه.
انطلاقا من هذه الملاحظات العينية والمقارنات البسيطة، سيدخل حي بن يقظان في رحلة طويلة من التأمل وإعمال العقل في كل ما يحيط به من حيوان ونبات وحجر وماء وهواء ...فيرصد بقوة مظاهر الكثرة في الوحدة والوحدة في الكثرة، مما يجعله يحسّ أن ثمة روحا خلف ما يبدو كثيرا، وهو واحد بالذي يجمع في ما بينه، كالأعضاء من الجسم الواحد، أو كهيئات الحيوان من الجنس نفسه.
يقول ابن طفيل على لسانه بطله:
"فظهر له بهذا التأمل، أن الروح الحيواني الذي لجميع جنس الحيوان واحد بالحقيقة، وإن كان فيه اختلاف يسير، اختص به نوع دون نوع: بمنزلة ماء واحد مقسوم على أوان كثيرة، بعضه أبردُ من بعض"
ويستمر البطل في اكتشاف الحقائق بواسطة التأمل، فتتشكل نظرته الإيمانية شيئا فشيئا، اعتمادا على الفكرة نفسها: فكرة الوحدة في عناصر الكون ضد الكثرة فيه: " فلما انتهى إلى هذه المعرفة، ووقف على أن الفلك بجملته وما يحتوي عليه، كشيء واحد متصل بعضه ببعض، وأن جميع الأجسام التي كان ينظر فيها أولا: كالأرض والماء والهواء والنبات والحيوان وما شاكلها، هي كلّها في ضمنه وغير خارجة عنه، وأنه كله أشبه شيء بشخص من أشخاص الحيوان، وما فيه من الكواكب المنيرة هي بمنزلة حواس الحيوان، وما فيه من ضروب الافلاك، ...هي بمنزلة أعضاء الحيوان"
في هذه المرحلة من التأمل، سيعِنُّ له سؤال، سيكون محور القصة وخيطها الموجّه: إنه سؤال حول العالم وكيفية تشكّله أو تكوّنه، أي هل هو من لا شيء، أي من عدم أم هو سابق على العدم، وهو السؤال الذي دارت حوله مناظرات كثيرة في التراث العربي الفلسفي وغير الفلسفي، نذكر في هذا السياق المعتزلة وباقي أهل علم الكلام.
في أجوبة البطل على السؤالين تعدد، يقصد منه ابن طفيل الإشارة إلى الاختلافات الواقعة عند الفلاسفة حول سؤال الخلْق، فبطله يلاحظ أن في العالم حوادث وما لا يكون سابقا على الحوادث لا يكون قديما، ثم إن العالم إن وجد من عدم، فهو محتاج إلى مخْرج له من العدم، وهذا المخْرج المفروض أن يكون هو المحدِث الأول، لكن لماذا أحدث العالمَ في زمن ولم يحدثه في غيره؟ هل طرأ عليه شيء، وإذا كان ذلك كذلك، فليس بمحدِث أول لأنه ليس وحده، أم انه طرأ فيه وليس عليه، وعندئذ ما الذي أحدث ذلك التغيير.
لا يمكن للمحدث الذي يقع في ذاته تغيير أن يكون المحدث الأول، لأن المحدِث الحقيقيَّ غير متّصل بالأجسام وهو بريء من التغير في الجسمية، إنه لا جسم له، وهو المحدِث الواجب الوجود بذاته.
بهذا الشكل يقوده عقلُه، بناء على تجاربه السابقة، وبالتأمل إلى إدراك وجود الله، الذي سيكون من غاياته، للتخلص من الارتباط بالأبعاد الجسمية التي يشترك فيها مع الكون كله، التأمل في الذات الإلهية والاستغراق في ذلك، لتحقيق المشاهدة( المشاهدة مصطلح صوفي وفي الكتاب كثير جدا من اصطلاحات التصوف)...ولتحقيق ذلك لا يستطيع تحاشي كلّ ما يشترك فيه مع الحيوانات ، فكان له أن يتشبه بها، ثم يرتقي قليلا ويتشبه بالكواكب والنجوم ( هي لا تتأثر بما يتأثر به الحيوان من رغبة في المطعوم والمشروب الخ) وفي المرحلة الثالثة والأساسَة، يتشبه(هكذا) بالواجب الوجود في محاولة التخلص من أبعاد الجسم المادية ومعانقة ما يسميه (الذات).
ويصف ابن طفيل بطله في هذه المرحلة، فيقول:" ومازال يقتصر على السكون في قصر مغارته مطرقا، غاضا بصره، معرضا عن جميع المحسوسات والقوى الجسمانية، والفكرة في الموجود الواجب الوجود وحده دون شركه، فمتى سنح سانح سواه، طرده عن خياله جهده، .... بحيث تمر عليه عدة ايام لا يتغذى فيها ولا يتحرك"
وبناء على المشاهدة والفناء في ذلك، يدرك حي بن يقظان الحق الواجب الوجود أي الله، حتى وهو غير مخالط لبني جنسه وليس عارفا باللغة البشرية.
وحين بلغ الخمسين كان له أول اتصال ببني البشر، وذلك حين" اتفقت له صحبة أبسال"
الذي جاء إلى الجزيرة طلبا للاعتزال والتأمل في الذات الإلهية، ولما جلسا إلى بعضهما البعض، بعد طول هروب أبسال من حي بن يقظان، خوفا من أن يشغله عن الذي جاء من أجله، وبعد أن علمه اللغة، تحدثا في أمور الخلق والذوات المفارِقة للأجسام والواصلين والمحجوبين (الذين لا يتمتعون بالمشاهدة أي مشاهدة الحق)، حينئذ تأكد أبسال أن حي بن يقظان تعلم كل ما تعلمه في أمور الدين في معزل عن كل الظروف التي، وَفقها تمكن هو من اكتساب العلم بالدين والخالق.
والخلاصة أن المعقول من الدين يوافق بالضرورة المنقول منه.
القصة لا شك عميقة وبعدها الصوفي صارخ وتمثّلها للإنسان في صورته المجردة واضح أيضا، رغم كثرة الاستشهاد بالقرآن الكريم، والإشارة للسلف الصالح وللرسول صلى الله عليه وسلم، وربما كان لهذا أثر في انتشارها أكثر من قصتي ابن سينا والسهروردي، فضلا عن فرادتها وأصالتها، ولقد كان مترجمُها إلى اللغة اللاتينية ذكيا حين ترجمها ب: « Philosophus autodidactus » أي: "الفيلسوف العصامي".
هذا، ويبدو أن للكتاب أثرا واضحا في الآداب الأجنبية، وإلا من يستطيع إنكار الشبه بين رواية طرزان ل ( (Edgar Rice Burroughs1875-1950 وقصة حي بن يقظان لابن طفيل، ومن يستطيع إنكار هذا بينها وبين رواية ماوكلي لصاحبها (Rudyard Kipling) (1835-1936) أو بينها وبين رواية روبينسون كروزو لصاحبها (Daniel Defoe) (1660-1753)
لقد أجمع الكل على أهمية الكتاب بمن فيهم إرنست رينان(Ernest Renan)، المعروف باحتقاره للفلسفة العربية، ولكل فكر موصول بالدين، يقول:
" De tous les monuments de la philosophie arabe, c’est peut-être le seul qui puisse nous offrir plus qu’un intérêt historique "
4- المقامات.
للمقامات عند العرب (مقامات الهمذاني ومقامات الحريري) مكانة خاصة لا نجدها لها عند الغربيين، رغم ترجماتها المتعدّدة، لأسباب كثيرة يأتي على رأسها، غريب اللفظ وشدة التكلّف في استعمال السجع والجناس والطباق والتورية وباقي أنواع البديع، والإمعان في استعمال مهارات لغوية لا تفيد القارئ في شيء، ومن ذلك تكوين جمل أو أبيات شعرية تُقرأ من اليمين إلى اليسار ومن اليسار إلى اليمين.
ترجماتها جميعها لا شك فاشلة لما سبق من التّمحّل الذي اعتمده صاحبها، ونتصور أننا كنا مطالبين في زمن ما، وما زلنا ربّما بترجمة المقامات أولا إلى لغتنا العربية (الفصحى) المتداولة في مظان الكتب القديمة والحديثة.
إن الترجمة في تصورنا في حالة المقامات مستحيلة، لأن المقامات هي قبل كل شيء، لعب لغوي ومِراس أسلوبيّ، وليست حكاية أو قصة صِرفا. القصد من المقامة في الأصل إظهار البراعة في اللغة وفي البلاغة والنحو: في اللغة استعمال كل حوشيّ غريب، وفي البلاغة التوسّل بكل أنواع البديع من أسجاع وطباقات وموازنات، وفي النحو عرض مسألة إعرابية دقيقة كإعمال المصدر في الذي يليه، كما هو الحال في " المقامة النحوية" في مقامات الحريري، وهلمّ جرّا.
كيف يمكن ترجمة نصوص تعتمد قبل أيّ أمر آخرَ، على ما يتّصل باللغة المكتوب بها على جهة الخصوص، فما كان جناسا في لغة لا يكون كذلك في لغة أخرى، وما كان يقبل الازدواج بألفاظ بأعيانها، لا يقبل ذلك في غيرها، وما كان يُقرأ من اليمين ومن اليسار ويؤدي معنى، لا يقرأ معادلُه بالطريقة نفسها في اللغات الأخرى.
على المترجم في هذا المقام ترجمة أثر تلك الأشكال اللغوية في المتلقي، ولكي ينجح في ذلك، على المتلقي أن يتوافر في لغته على نظائر لما في المقامات لغويا.
يقول سالومن مونك (Salomon Munk)، وهو أحد مترجمي مقامات الحريري:
« Je ne me cache pas tout ce qu’un semblable essai a de téméraire et de présomptueux ; car les formes dont ce poète [al-Hariri] a revêtu ses compositions spirituelles, et qui ont tant de charme dans la langue originale, ne sont que trop étrangères aux habitudes de notre goût, et j'ai besoin de réclamer l’indulgence de lecteur pour cette fleur orientale transplantée sur le sol européen »
الأسلوب في المكتوب العربي في نص المقامات غريب جدا بالقياس إلى الأسلوب الفرنسي، الأمر الذي سيضطر المترجم إلى التحوير في نقل النص العربي.
وفي السياق نفسه، والأدهى أن يذهب مترجم آخر هو Garcin de Tassy
إلى حذف جزء من المقامة المسمّاة "شعرية" لفراغ محتواه في تصوّره ولبعده الشكلي الذي يعتمد الموازنة بمبالغة:
« Ici suivent dix vers qu’ils récitent alternativement, et qui ne sont guère intéressants que par le parallélisme d’expressions, qu’ils renferment, parallélisme qu’il est impossible de faire passer dans une autre langue »
يتحدث الجاحظ، وهو مَن هو في باب البيان والفصاحة عن الصنعة والتكلّف في الأسلوب، فيقول: «أستحي من الكتابة، وأستنكف بأن أنسب اليها في البلاغة، وأن أعرف بها في غير موضعها، ومن السجع أن يظهر منّي، ومن الصّنعة ان تُعرف في كتبي، ومن العجب بكثير ما يكون مني».
استنادا إلى هذا، فلا فصاحة في السجع إن كان ديْدنُ الكاتب اتباعه، إلا أن يأتيَ عفوَ الخاطر، دون اطّراد، وهذا يقع في كل اللغات، وممّا يُستطاب في أحايين كثيرة.
في الفرنسية، نجد للأسجاع نماذج من العبارات المسكوكة من مثل:
« Qui se ressemble, se rassemble »
« Vouloir, c’est pouvoir »
وكذلك الأمر في الإسبانية:
«Querer es poder»
“Hablando del rey de Roma, por la puerta asoma”
«Vivir no es solo existir”
وفي الإنجليزية:
« After dinner rest a while, after supper walk a mile”
“Good words without deeds, are rushes and reeds”
ما جاء تلقاء في العبارات المسكوكة السابقة، لا عيب فيه لأنك لا تجد فيه تكلّفا، لكنه على غير ذلك في المقامات، (وفي بعض الأدب الغربي، دون مرافقته بالتعقيد في اللغة)، ولهذا لم تحظ عند الغرب بما حظيت به أعمال كالتوابع والزوابع لابن شهيد وحي بن يقظان رغم عمقها وتعقيدها الفكريين، وألف ليلة وليلة، ونحن نختلف عن أستاذنا شوقي ضيف في ذهابه إلى تأثر الأدب الإسباني بالمقامات.
يقول:" ومع ذلك يمكن أن نرى أثرها في بعض القصص الإسباني الذي يصف لنا حياة المشرّدين والشحاذين. ولعل من الطريف أن لهذا القصص عندهم بطلا يسمى بيكارون (Picaroon) وهو يشبه من بعض الوجوه أبا الفتح الإسكندري عند بديع الزمان، وأبا زيد السروجي عند الحريري"، وإن كان شوقي ضيف، يتحدث قبل هذه الفقرة عن ضعف تأثير المقامات في الآداب الغربية.
الإشارة واضحة عند أستاذنا شوقي ضيف، إلى الأدب البيكاريسكي (literatura picaresca)، وبطلها el picaro الذي يشبه بطل المقامات، لأنه محتال (picaro) ومشرّد، لكن من شروط الأدب البيكاريسكي، أن يكتب بلغة متداولة سهلة، في متناول الجميع بدون استثناء، مع الميل إلى الاختصار، والغاية منها قبل كل شيء القصة وما يستفاد منها واللغة وسيلة فقط، لا اللغة في ذاتها كما هو الشأن في المقامات. لا يمكن التأثر في هذا المجال لأن الغاية في النصين مختلفة، واحد يحتفل بالشكل والآخر بالمحتوى.
5-رسالة التوابع والزوابع
التوابع في اللغة العربية جمع تابعة وهو الجني والزوابع زوبعة وهو الشيطان أو هو رئيس الجن، ورسالة التوابع والزوابع لابن شهيد، قائمة في الأصل على محاورات بينه وبين توابع الشعراء والكتاب، وهو أميل إلى توابع الشعراء لخطورة شأنهم، ولفصاحتهم.
تجدر الإشارة إلى أن المنشور من كتاب التوابع والزوابع ليس كل الكتاب، بل هو ما وضَع منها ابن بسام في كتابه "الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة".
تقرأ رسالة التوابع والزوابع، فتقتنع أن ابن شهيد (382-426) نسج القصة من أجل عرض قدراته الإبداعية والمعرفية، فهو يناظر وينتقد ويعرض شعره على الجن وينال إعجابهم، وينتقد غيره فيبزّه.
وكما كانت القصة مجرد تسويغ لإظهار المكنة اللغوية عند الحريري والهمذاني، كانت مجرد قالب لعرض المهارة والطاقة المعرفية النقدية والشعرية عند ابن شهيد.
ولا تقتصر الحكاية على مناظرات ومحاورات بين أبي عامر بن شهيد والجن والشياطين، بل يتجاوز ذلك إلى حمير الجن وبغالهم، حيث يلتقي بشعراء منهم، فيصدر حكما على شعر بغل وشعر حمار، ويلتقي بإوزة تدعى العاقلة وإن كانت مجنونة، ويحاورها في علوم اللغة والنحو، فيفحمها. وبعد أن يفرغ من علم الشعر وتوابع الشعراء والشعراء من الجن وحيواناتهم، ينتقل للقاء بتوابع الكتاب أو الخطباء، وعلى رأسهم توابع الجاحظ وعبد الحميد الكاتب وبديع الزمان الهمذاني، وتجدر الإشارة إلى أن للهمذاني مقامة تسمى: المقامة الإبليسية، ويذهب بعض رجال الأدب الأندلسي إلى أن ابن شهيد استمد فكرة التوابع والزوابع منها، ففي المقامة أيضا حديث عن إبليس وهو في صورة رجل مسن يروي أشعار امرئ القيس وعبيد ولبيد وأبي نواس وغيرهم.
إن التوابع والزوابع كتاب تحدّ ألقاه ابن شهيد في وجه محتقريه من بني جلدته، ولهذا جماع علوم ومعارف كثيرة، تدخل في فني الشعر والنثر.
ومن العنوان نحس أن الشاعر ابن شهيد يومن بأفضلية الموهبة والإلهام على الصناعة والاكتساب. ولهذا، فعنده (أن إصابة البيان لا يقوم بها حفظ كثير الغريب واستيفاء مسائل النحو، وإنما يقوم بها الطبع مع وزنه من هذين: النحو والغريب)..
وفضلا عن موضوع الإلهام، ثمة موضوعات نقدية ولغوية يعرض لها ابن شهيد في كتابه، من خلال محاوراته ومناظراته مع الجن وأتباعهم، ومن ذلك موضوع القدامة والحداثة، الذي لا ينتصر فيه لرأي دون آخر، و المعارضة والموازنة والسرقات والسجع.[/HEADING]

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى