على سبيل التقديـم
في البدء كانت الكلمة، كانت القصيدة، باعتبارها طفلة التعبير المدللة، أبجدية الوجود الأول حتى قيل إن آدم أول من قال شعرا. ومنذ البدء كانت شمس القصيدة تشرق من الشرق. وحسبنا أن نراقب حصاد المطابع لنكتشف حجم هذا الإبداع وغزارته، وندرك العدد الهائل من الشعراء الذين ساهموا في بناء هذا الصرح الشامخ الممرد من قصائد جميلة، شعراء صدقوا ما عاهدوا القصيدة عليه، فمنهم من قضى نحبه الشعري بالتوقف والعزوف إلى درجة أن لا أحد أصبح يذكره، ومنهم من لا يزال على قيد الإبداع، صوتا حاضرا باستمرار، مصاحبا لكل الأجيال.
إلى هذه السلالة الشعرية ينتمي الشاعر بوعلام دخيسي الذي أصر أن يكون صوتا شعريا مواظبا على الحضور، لا يخطئ موعده، ذلك أنه شاعر يرعى نصوصه الوليدة حولين كاملين حتى إذا بلغت الفطام زفها إلينا في ديوان شعري أنيق. (هديل السحر) 2012، (الحرف الثامن) 2014، (كي أشبه ظلي) 2016، (عطفا على خصر الكمان) 2018، ولا أشك أن قريحته حبلى بديوان سيولد في 2020، فهو من الشعراء الذين لا يستعملون موانع الحمل الشعري تحت أي مسوغ كان، إنه مهووس بالإنجاب ومتورط في الخصوبة.
ينتمي بوعلام دخيسي إلى سلالة المبدعين الساعين إلى تنمية الذوق الفني، من خلال قصائد تحتفي بالروح وتحتفل بالجمال، وتعتني بالحياة في أسمى مباهجها، تتمسك بحقها في الحلم بعالم أفضل. إنها سلالة الشعراء الذين يمارسون شهوة الكشف عن الإنساني في الإنسان، لكن بطريقة مألوفة محافظة ترتهن إلى لغة ذات نزوع تراثي معجما وتركيبا واقتباسا، لا تشاكس القواعد إلا في حدود ما تسمح به الضرورات الشعرية المقررة سلفا، فهو كثيرا ما يسألني كما يسأل غيري عن إمكانية زحاف هنا أو ضرورة شعرية هناك. شاعر يكتفي بالصور التي تسمح بها البلاغة العربية، ينزاح عن مألوف اللغة في حدود معقولة كي يقطف ما لذ من ثمار الصور الشعرية اليانعة الجميلة المحققة لانتشاء ما.
إن قراءة دواوين بوعلام دخيسي تبرز انصهار الشاعر بالأبعاد الإنسانية، ومخاطبة للإنسان كجوهر لا ككائن يقترف اليومي ويضيع فيه. وهذه الرؤية الإنسانية تعضدها القصائد الكثيرة التي شكلت رصيده الشعري، حيث يبئر في أشعاره موضوعات الحضور والغياب، الإمكان والاستحالة، صراع الجسد والروح، وهي الثنائيات العميقة في كل تجربة إنسانية مضمخة بعرق الإنسان ودمعه، مما يغطي على الانتماء الإيديولوجي أو الفهم الضيق لعلاقة الدين بالإبداع الذي ضيع كثيرا من التجارب الشعرية.
وقد مكن هذا الوعي الشاعر بوعلام دخيسي من أن ينجو من هذه التقريرية والمباشرة والوعظية، التي حولت قصائد بعض الشعراء الإسلاميين إلى وصايا وأدعية خالية من أي قيمة شعرية، فكانت أقرب إلى كتب "دلائل الخيرات" و"الدعاء المستجاب" منها إلى الشعر، في نكوص واضح عن ماضيها الحيوي المفعم بالإبداع والجمال، وبذلك الوعي صب الشاعر اهتمامه على التشكيل الجمالي، معجما وإيقاعا وصورا شعرية.
1- جسـد العنـوان:
يهتم الشاعر بوعلام دخيسي بصياغة عناوينه، ويحرص على أن تكون وفية وجميلة، وهما سمتان قلما تجتمعان في الإناث، أقصد إناث النصوص / القصائد طبعا. أن تكون العناوين وفية لدى بوعلام دخيسي هو أن تحمل هوية الديوان وتقدم معانيه، تصريحا بها أو تلميحا لها، وأن تكون جميلة هو أن تنزاح عن مألوف اللغة وأن تكون موقعة (من الإيقاع والتوقيع معا). ويمكن لاستقراء بسيط أن يعكس ذلك. "هديل السحر" انزياح دلالي يجمع بين المتنافرات، وقد سبق أن قلت عنه في تقديمي له: «إن "هديل السحر" بوصفه عنوانا يوّطد هذا التجاور، إذ الهديل صوت / إيقاع يخاطب الأذن، والسحر لحظة صامتة تمنح للعين والروح لذتها، كما أن القصيدة هديل يمارسه الشاعر في الغالب ضمن طقوس ليلية، وهو ما يجعل العنوان "هديل السحر" مرادفا للقصيدة». كما أنه عنوان موزون على المتقارب (فعولن فعو) والأمر نفسه ينطبق على (الحرف الثامن) و(كي أشبه ظلي) الموزونان على الخبب، ثم (عطفا على خصر الكمان) الموقع على البحر الرجز. فضلا على الانزياح الدلالي، القائم على المجاز والاستعارة، الذي يجعل من العنوان هوية للعمل باعتباره يدخل مع النص الذي يحمله في علاقة استبدالية، لأنه نص مختصر يحمل معنى - تاما أو ناقصا - يدفع نحو سلسلة من المعاني المتداخلة والمترابطة ثم إنه إيحاء، لأن النص الأدبي ينزاح عنوانه عن المألوف دلاليا وتركيبيا، مهما بدا واضحا وعاديا ومستقلا، لأنه ينزع بقارئه نحو التأويل وطرح الأسئلة عن معناه ومدى تواشجه مع النص الذي يحمله، ثم في ارتباطه أو إحالته على مرجع خارجي يتعالق معه ويساهم في تفسيره وشحنه بالدلالات الرمزية المطلوبة وإمداده بطاقة جمالية إضافية، توسع ما كان مختزلا وتكشف ما كان مكثفا. كما أنه يحمل هوية الشاعر أيضا. فالشاعر بوعلام دخيسي، وإن لم يقصد إلى ذلك، فقد صيّر عناوينه، بهذه الملامح التعبيرية والإيقاعية، دالة عليه. ذلك أن عناوينه معبر القارئ نحو النص، وبدونها يدخل القارئ متاهة النص دون دليل أو مرشد، ويكفي أن نتذكر إحساسا ينتابنا كلما عثرنا على كتاب مبتور، بلا غلاف وبدون خطاباته الموازية الأولى، أو على صفحات من كتاب ممزق، فإن ثقتنا بالمكتوب تتزحزح، إنها تعادل هزة العثور على لقيط - فالعنوان هوية - وانطلاقا من فكرة الهوية هذه نلج الديوان من عتبته الأولى.
اختار الشاعر عنوانا منزاحا عن مألوف العناوين الشعرية عامة، ومتماهيا مع بعضها، بالافتتاح بالاسم النكرة المنصوب الذي يذكرني بـ (سلاما وليشربوا البحار) لعبد الله راجع و(صعودا أناديك سهوا) لمحمد الطوبي تمثيلا لا استقراء، وإن كان الشاعر بوعلام اختلف تركيبيا عن العنوانين بإدراجه الاسم المنصوب ضمن جملة واحدة وليس من خلال جملتين كما في الديوانين المشار إليهما.
اختار بوعلام دخيسي أن يكون العنوان جملة إنشائية تفتتح بمصدر ينوب مناب فعل الأمر، وهي إحدى صيغ الأمر المعروفة، وتقديره اعطف على خصر الكمان. وهذه هي الدلالة الأولى التي يقصدها الشاعر، لكن يمكن أن نقوم بتأويل طفيف فنحول المصدر من دلالة الأمر بالترفق والعطف والتأني إلى دلالة العطف بمفهومه النحوي فيصير الدال "عطفا على..." معادلا لـ"بناء على..." التي نستعملها في استئناف الكلام وتصير مفعولا مطلقا لفعل محذوف تقديره (أَعطِفُ عطفا) وبذلك تستدعي العبارة وجود كلام سابق.
لا أشك في أن الدلالة التي يقصد إليها الكاتب هي الدلالة الأولى، أي الدعوة إلى الترفق بخصر الكمان، وهي أكثر انزياحا وجمالية خاصة أنه نظر إلى الكمان باعتباره جسدا مؤنثا ضامر الخصر، نظرا لشكلهما المتشابه، واستنادا إلى الصورة النمطية التي تحملها الثقافة العربية عن الجسد الجميل عريض الأرداف ضامر الخصر. بالإضافة إلى ولع الشاعر الخفي بالموسيقى التي أفرد لها عنوان ديوانه (الحرف الثامن) الذي يعادل معناه النوتة الثامنة بالأحرى، ولوضعه رسما لبعض النوتات الموسيقية ورسما للكمان داخل جسد الديوان.
يستمد عنوان الديوان إذن، سلطة مضاعفة، لمركزيته أولا، بوصفه علامة جوهرية للمصاحب النصي، ثم لاكتفائه الدلالي، حيث جاء جملة تامة التركيب والدلالة غير ناقصة ولا مبهمة، ثم لبعده الشعري إيقاعا وانزياحا، إذ إنه عنوان يثير شهية القارئ بكونه أمرا يستدعي امتثالا، ويدفعنا إلى مزيد من التأمل وطرح السؤال: ألم يكن الشاعر، وهو يصوغ العنوان خاضعا لتأثير الحديث النبوي الشريف: (رِفْقًا بالقَوارير)؟ ألا يحمل العنوان عبء التناص مع المقدس، خاصة وأن المشترك بين الكمان صاحب الخصر والقوارير / النساء هو دلالة التأنيث؟ أليست "عطفا" هي "رفقا"؟ أكتفي في هذا السياق بإثارة الأسئلة.
نخلص إلى أن التأملات في الأبعاد الجمالية والدلالية التي يحملها العنوان تركيبا وانزياحا وإيقاعا وتناصا، يمكن أن تتناسل بشكل قد يكون لا نهائيا ولا يستنفده التأويل، خاصة أن هذه المكونات المذكورة هي المقومات الجمالية لكل نص، وبذلك يكون العنوان وعدا مقدما لنا - نحن القراء - بأننا سنعثر على هذه الجوانب داخل الديوان، لذلك سنحاول الكشف عنها من خلال اقتراف الخطيئة النقدية مع هذه القوارير الجمالية / القصائد. وأتمنى أن أكون عطوفا على خصرها ومترفقا بهشاشتها.
2. جماليـة الإيقـاع:
أعتقد دائما أن الشعر لعبة لها قواعدها، وأي لعبة تفسد حين نضحي بإحدى هذه القواعد. ومن حق أي كان أن يكتب كما يريد، لكنه إذا أراد أن يسمي ما يكتبه شعرا فمن الضروري احترام قواعد الشعر التي أرساها تاريخنا الشعري العربي، وهي الصورة والإيقاع والرؤيا. فعلى هذه الأثافي ينضج قِدْر القصيدة، كما أقول دائما.
الشعر أولا لغة مجازية، انزياح عن المألوف واختراق لأبعاد التعبير العادي، وابتعاد عن حرفية النثر، يستند إلى الرمز ليقول به ما لا تقوله الحقيقة، وإلى الإشارة ليتجاوز حدود العبارة، وليخلق معاني لم يكن لها إمكان الوجود لولا هذا الانحراف والخرق.
الشعر، ثانيا، إيقاع، إنه تلك الطاقة الموسيقية المتموجة على جسد القصيدة مثل كف عاشق رومانسي مرهف، قد لا ننتبه إلى مرورها إلا من خلال ما تتركه من لذة وتأثير وخَدَر. وعندما أقول الشعر إيقاع فإني لا أقصره على الوزن، لأن الإيقاع أعمق وأشمل، فهو يضم ما تحفل به اللغة من تواز وترصيع وتجنيس وتكرار وغيرها من العناصر.
أما ثالثة الأثافي فهي الرؤيا. فالشعر لا يقف عند حدود الوصف والشرح للعواطف والانفعالات ورصد الواقع، وإنما تقف وراء كل ذلك خلفية فكرية ضرورية تمنح هذه العناصر قوتها من جهة وعمقها من جهة ثانية، كما تمنحها مسوغات وجودها، أي مشروعيتها من جهة ثالثة.
لقد سبق أن قلت مثل هذا الكلام في تقديم ديوان (هديل السحر) للشاعر الصديق بوعلام دخيسي باعتباره ديوانا يرتكز على هذه العناصر الثلاثة. وأعيد القول هنا لأؤكد أن الشاعر يكتب داخل هذا الإطار الشعري، فلم تستهوه سيولة قصيدة النثر ولم تغوه رشاقة الهايكو وخفته، كما أغوت غيره، بل بقي وفيا لخطه الشعري الذي رسمه منذ البداية.
نلمس في هذا الديوان، كما في سابقيه، سلطة الشعر العمودي الذي هيمن على معظم نصوصه، حيث إن الإيقاع، في عمومه إيقاع محافظ يرتهن إلى القصيدة ذات الشطرين، بل حتى ما يبدو منتميا إلى القصائد الحرة فلم يكن بعيدا عن هذا الجو المحافظ، فضلا عن ممارسة الشاعر لخدعة التوزيع البصري حيث يكتب النص العمودي بطريقة القصيدة الحرة. لكن ما يحسب لهذا الديوان هو اتساع مجاله الإيقاعي حيث وظف الشاعر سبعة بحور شعرية تمتد من الطويل إلى الخبب، مما أعطى للديوان تكثيفا موسيقيا. وقد جاء توزيع البحور على الشكل التالي: الكامل (7 قصائد) المتدارك والخبب (7 قصائد) والمتقارب (4 قصائد) والوافر (3 قصائد) والبسيط (قصيدتان) والطويل (قصيدة واحدة) والرمل (قصيدة واحدة).
إضافة إلى هذا التنويع على مستوى البحور الشعرية، حشد الشاعر مكونات إيقاعية عدة كالتوازي والترصيع والتجنيس والتكرار، واهتم بالقوافي مما أضفى أجواء نغمية بالغة الغنى والتنوع. ولا يخفى على متصفح الديوان اهتمام الشاعر بالتشكيل البصري حتى في القصائد ذات الشطرين، من حيث توزيع الأشطر وممارسة لعبة البياض بما تملك من دلالات، مما يعكس وعيا بصريا لدى الشاعر. إنه تشكيل يمنح العين متعة لا تقل عن متعة الأذن، من هنا جمع الشاعر بين إيقاعين: سمعي وبصري.
وإذا قارنا بين (هديل السحر) الذي هيمنت عليه القصائد العمودية (25 / 30) وديوان (عطفا على خصر الكمان) نجد أن الشاعر قد تخفف من القصيدة العمودية بشكل كبير وإن كان لا يزال تحت سلطة العروض وسحر أوزانه.
3 ـ انفتـاح النـص: شعريـة الاستدعـاء:
الاستدعاء -كما نقترحه - يستوعب التناص، باعتباره اتكاء مرجعيا نصيا، ويتجاوزه إلى البحث عن كل ما يمكنه أن يحيل على نصوص أو تجارب أو رؤية أو استلهام لخط شعري ما دون "اقتباس" نصوص بعينها، فهو يشمل المعجم والإيقاع والأسماء والأحداث والأفكار والأجناس والفنون... وكل ما يمكن استحضاره قصد إغناء النص.
ولا يعد ترفا أن يكشف الناقد عن النصوص المستدعاة أو الفنون والأجناس المستضافة في أي نص شعري جديد، ذلك أن أي شاعر إلا وينطلق من نصوص سابقة اطلع عليها ووظفها في ثنايا نصه الجديد، ذلك أن انتقاء الشاعر لنصوص دون غيرها، ولرموز وأساطير وأسماء وأماكن إلى غير ذلك، ليس انتقاء بريئا. إنه اختيار من بين عدة إمكانات نصية، لذلك هو محكوم بخلفية ما ومتضمن لموقف مسبق، خاصة إذا تجاوز النقلَ إلى التحويل والتحوير أو الانتهاك والتكسير.
عندما نقرأ تجربة الشاعر المغربي نجدها لا تشتغل بوصفها إبداعا خاصا بكرا مستقلا عما يمور في الحقل الثقافي والأدبي، بل إنها نصوص ترتهن إلى وعي شعري عميق يدرك أن النص الأدبي لا يمكنه أن يسير اعتمادا على الموهبة وحدها، وإنما ترفده الثقافة الشعرية والثقافة العامة التي ينفتح عليها الشاعر وتتمرأى في منجزه، إذ النص لا يعدو أن يكون مرآة لمقروء صاحبه ومدى قدرته على هضمه وامتصاصه وتوظيفه بشكل جديد، فهو يشاكس هذا المقروء آنا وينقلب عليه كلية آنا آخر. وبهذا كان النص الشعري نسيجا منفتحا على نصوص وأجناس وروافد ثقافية أخرى من منطق التفاعل الضروري لكل نص كي يخلد ويدوم ويتجاوز راهنيته ويكتب رهاناته. كما أن الاستدعاء ليس مجرد "تقنية شعرية" وإنما هو "نشاط ثقافي" يمارسه الشاعر ليترك أثرا. إنه بكلمة واحدة "فعل" acte.
يشكل الاستدعاء رافدا أساسيا بالنسبة للغة الشاعر، إذ إنه يمده بنصوص كثيرة تتعدد مرجعياتها ومشاربها، فنراه يفككها ويعيد بناء نصوصه الشعرية على أنقاضها، أو يمحو أطراسها ليكتب نصوصا أخرى على ما تبقى من آثارها. فالاستدعاء ليس مجرد إقحام لنص سابق عليه يقصد من ورائه استعراض المخزون الثقافي بقدر ما هو محاورة فكرية وثقافية له من منظور جديد، وهو ما يمنح النص المؤلَّف طاقة على تأويل النص المستدعى وتحديثه وإعطائه راهنيته من خلال تحويره الجزئي أو نفيه الكلي. ولعل في طريقة التعامل مع النص المستدعى، تثبيتا أو نفيا، تحويرا أو نقلا كشفا عن الموقف أو الرؤيا التي يعبر من خلالها المبدع، لأنه إذا لم تكن لديه هذه الرؤيا ولم يمتلك هذا الوعي فإن الاستدعاء سيكون مجانيا ومقحما ولا يتجاوز الاستعراضية ولا يقوم بوظائفه، بل لا يؤدي إلا إلى حشو النص وإرباك القارئ، مما يحرم النص من أي جمالية منتظرة، كما يفقده القدرة على التعبير عن الرؤية الشعرية التي يحملها الشاعر.
وقد سبق أن قلت في سياق سابق إن كثيرا من شعراء الجهة الشرقية مفتونون بالتناص مع تفاوت بينهم، واختلاف في طرق توظيفه إذ في كل ديوان من دواوين هؤلاء الشعراء تداهمك عشرات النصوص الغائبة حسب رؤية الشاعر فنعثر على آيات، أحاديث، أقوال، حكم، أشعار، نصوص تاريخية. وهذا المكون الشعري يثير مخزون القارئ المعرفي، ويبرهن على عمق الاطلاع لديهم، وعلى امتلاء ذاكرتهم الشعرية واشتغالها. فهو عندهم ليس مجرد توظيف لنص سابق، وإنما هو حوار عميق يكشف ارتهان الشاعر لمخزون ثقافي عميق وأصيل وانطلاقه من رؤية أعمق. وهذا ما يجعل النص الجديد تأويلا للنص المستدعى، يمنحه تجدده وحداثته، من خلال تفكيكه أو تحويره أو نفيه، عبر حركة معقدة من التفاعل تدفع بالنص إلى حالة من التركيب، وتؤشر على مستوى الوعي الشعري لدى المبدع من جهة، ومستوى مخزونه الثقافي من جهة ثانية، كما أنها تكشف، من خلال طريقة التعامل مع النص المستدعى، تثبيتا أو نفيا، نقلا أو تحويرا، عن الموقف أو الرؤيا التي يحملها المبدع أو تصدر قصائده عنها؛ لأنه - في حالة غياب هذه الرؤيا وهذا الوعي - يكون الاستدعاء مجانيا وجزئيا، ولا يؤدي وظائفه الدلالية، بل لا يؤدي إلا إلى التفكك النصي والحيرة وإرباك المتلقي؛ مما يفقد النص جماليته وقدرته على إيصال الرؤية الشعرية التي ينطلق منها.
ولا يشذ الشاعر بوعلام دخيسي عن هذه القاعدة إجمالا، وإن كان المقروء الواضح لديه هو المقروء الديني حيث هيمنة المضمر القرآني والحديثي، مع حضور قليل للمضمرات الشعرية القديمة وخفوت واضح للمرجعيات الشعرية الحديثة إلى حد الغياب، مما يفسر انفصال الشاعر عن المتون الشعرية الحداثية لغة وتصورا.
يحضر النص القرآني بقوة في المجموعة الشعرية (عطفا على خصر الكمان) حيث يستدعي الشاعر آيات قرآنية، خاصة ما يتعلق بالقصص النبوي. وبتتبع المعجم الشعري نعثر على ألفاظ تحيلنا على هذا النبي أو ذاك، بل إنها تتراكم في نص معين سماه "لست ككل الشعراء" إلى درجة كبيرة إذ حشد جل تلك القصص. ومن الأمثلة الدالة على هذا المعجم القرآني نذكر: ما زال الشعر عصاي - أهش بها - قري عيونا - هو من كلمني في الوادي - هو من أمر الطير - من أمسك الريح - أدخلني قصرك بلقيس - إن صواعا في جيب الشاعر - يوم كسرت الألواح - حملت على الدسر ¬- قل للنار سلاما - لو حفظ الجالس منساته - خلقنا في كبد - هل من مزيد... وغيرها كثير، أما النص الحديثي فيقف العنوان شاهدا على حضوره، إضافة إلى جمل مثل: عرفت فالزم - اغتنم خمسا - لا هجرة اليوم من بعد فتح ولكن جهاد... إضافة إلى معجم ديني واضح في استعمال ألفاظ وعبارات مثل: الصلاة - أصلي - المحراب - صمت احتسابا - تدعوك للإيمان - توحد الرحمن - فادخلوا آمنين - محرِما - اغفري - عديه حجا - وليقرأ بما تيسر - ليلة القدر... لكن الشاعر قام بانتهاك هذه العبارات وتحويرها لتوظيفها في سياقات دلالية أخرى خاصة في سياق حديثه عن أو مع القصيدة، مما يمنح القصيدة قدسية خاصة بفضل إسباغ هذه الظلال القدسية عليها.
أما الشعر القديم فلم أعثر إلا على نص أبي تمام المشهور في بائيته التي عارضها الشاعر في الإهداء، هذا إذا اعتبرنا الإهداء قصيدة من الديوان، إذ يقول )البسيط(:
الحبّ أصدق أنباء مِنَ النّسبِ
في حدّه الحدّ بين الصّدق والكذبِ
وإن كنت شخصيا لم أستوعب كيف يكون الحب أصدق أنباء من النسب، فهما ليسا ضدين كما كان السيف والقلم في البيت الأصلي. مجرد رأي.
ربما هي لعنة شهرة النص القديم وسطوته وعدم الجرأة في الإمعان في مشاكسته وانتهاكه.
4. الخطـاب الميتـاشعـري وسلطـة النقـد:
سبق أن حددنا في دراسة سابقة مفهوم الخطاب الميتاشعري باعتباره بنية نصية مختصرة تخترق النص الشعري، وتضمنه رأيا أو تصورا نقديا يحاول الشاعر عرضه وتبليغه بصيغة غير مباشرة. هذا ما جعل هذا الخطاب كاشفا يجلي أسرار الإبداع الحقيقي، هذا الإبداع "الذي يحاور ذاته ويفضي ببعض أسراره وكأنه لا يمكن لغير الأدب الحق أن يتحدث عن الأدب" .
إن هذا الخطاب يمارس داخل القصيدة تحققا مزدوجا؛ فهو موضوع، وفي الآن ذاته خطاب حول ذلك الموضوع ورؤية له وتصور حوله. فهذا الخطاب الميتاشعري موجود في القصيدة العربية منذ القديم، لكن الطبيعة اللغوية للنص الشعري، باعتبارها لغة إيحائية تضمر أكثر مما تظهر وتلمح أكثر مما تفصح، جعلت حضوره خافتا ولا يبرز إلا عند شعراء يملكون منسوبا عاليا من الجرأة في خوض مغامرة استثمار هذا الخطاب داخل نصوصهم الشعرية.
في ديوان (عطفا على خصر الكمان) حضور قوي وواع لهذا الخطاب الميتاشعري، وهو ما جعلنا أمام تجسد نقدي لكثير من القضايا وحضور عميق لكثير من المفاهيم.
فالشاعر بوعلام دخيسي يعي تجربته ويمتلك تصوراته الخاصة، وهذا ما حدا به إلى استثمار نصوصه الشعرية لشرح هذه التصورات، وهو الأمر الذي يمكننا من أن "ننظر إلى الخطاب الميتاشعري باعتباره مدخلا للكشف عن الأسئلة المخصوصة بالكتابة الشعرية المغربية، إنه يرتسم في الغالب كإعلان عن هوية شعرية؛ أي يخط حدود المعالم التي تستند إليها التجربة الشعرية مثلما يعين بدرجة هامة مستويات تشكل النص الشعري" .
من خلال قراءة ديوان (عطفا على خصر الكمان) نعثر على معجم نقدي كبير من ألفاظه: القصيدة - الشعر - الشعراء - القريض - البيت - الشاعر - ديوان شعري - الكلمات - القافية - المجاز... لكن لا يكفي أن أجرد هذه الألفاظ وإنما يحتاج الأمر إلى الكشف عن التصورات الثاوية خلف هذا التوظيف.
إن الرؤية المتحكمة في تصور الشاعر للقصيدة رؤية رومانسية بكائية حالمة، فالشاعر لا يزال يرى أن "قدر الشاعر أن يعيش تحت أمطار الحزن" - كما يقول نزار قباني - والمقولات التي ترى أن الفنان شمعة تحترق لتضيء طريق الآخرين، وغيرها من الاستعارات التي تجاوزها الأفق الحداثي وأصبحت من الأوهام الموروثة عن بكائيات قديمة. الشاعر يصرح منذ بداية الديوان أن:
لا شيء يأتي مِنْ سرورٍ
آيةُ الشِّعر الشَّجَنْ
ويدعو من شاء قول الشعر إلى اغتنام أوجاع الوطن كما أنه يتوقع أن القصيدة ترافق الحزن، فينتظر حضورها معه أو بعده فيقول:
أتى الحزنُ، لم تأتِ القصيدةُ بعدَهُ
وقوله:
لن يَرِثَ الحزنُ القصيدةَ وحدَهُ"
مما يكشف عن هذا النزوع نحو البكائية التي ترافق القصيدة طيلة الديوان. الفرح عقيم - الحزن منتج - هذه هي الاستعارة التصورية الكبرى التي تقف خلف هذا الديوان الذي هيمنت عليه تيمة القصيدة بكل ما أوتيت من سلطة وهيمنة. مع حضور طفيف لموضوعات أخرى لا تزحزح هذه الهيمنة مما يجعلني أبالغ قليلا وأقول: إن هذا الديوان هو سيرة شعرية أو سيرة قصيدة في علاقتها باللغة وبالملهمة المتوارية المطالبة بالظهور في قصيدته "عين على العتاب" أو في محاورته من ساعده على اقتراف الشعر ورطه فيه في نص "وحدك" .
في الختام نؤكد حتمية أن هذه الدقائق لا تكفي لقول الكثير عن تجربة شعرية ممتدة في الزمان والمكان، سامقة الجمال والإبداع، لكن حسبنا الاقتراب من أجواء تجربة شعرية تستحق الانتباه.
في البدء كانت الكلمة، كانت القصيدة، باعتبارها طفلة التعبير المدللة، أبجدية الوجود الأول حتى قيل إن آدم أول من قال شعرا. ومنذ البدء كانت شمس القصيدة تشرق من الشرق. وحسبنا أن نراقب حصاد المطابع لنكتشف حجم هذا الإبداع وغزارته، وندرك العدد الهائل من الشعراء الذين ساهموا في بناء هذا الصرح الشامخ الممرد من قصائد جميلة، شعراء صدقوا ما عاهدوا القصيدة عليه، فمنهم من قضى نحبه الشعري بالتوقف والعزوف إلى درجة أن لا أحد أصبح يذكره، ومنهم من لا يزال على قيد الإبداع، صوتا حاضرا باستمرار، مصاحبا لكل الأجيال.
إلى هذه السلالة الشعرية ينتمي الشاعر بوعلام دخيسي الذي أصر أن يكون صوتا شعريا مواظبا على الحضور، لا يخطئ موعده، ذلك أنه شاعر يرعى نصوصه الوليدة حولين كاملين حتى إذا بلغت الفطام زفها إلينا في ديوان شعري أنيق. (هديل السحر) 2012، (الحرف الثامن) 2014، (كي أشبه ظلي) 2016، (عطفا على خصر الكمان) 2018، ولا أشك أن قريحته حبلى بديوان سيولد في 2020، فهو من الشعراء الذين لا يستعملون موانع الحمل الشعري تحت أي مسوغ كان، إنه مهووس بالإنجاب ومتورط في الخصوبة.
ينتمي بوعلام دخيسي إلى سلالة المبدعين الساعين إلى تنمية الذوق الفني، من خلال قصائد تحتفي بالروح وتحتفل بالجمال، وتعتني بالحياة في أسمى مباهجها، تتمسك بحقها في الحلم بعالم أفضل. إنها سلالة الشعراء الذين يمارسون شهوة الكشف عن الإنساني في الإنسان، لكن بطريقة مألوفة محافظة ترتهن إلى لغة ذات نزوع تراثي معجما وتركيبا واقتباسا، لا تشاكس القواعد إلا في حدود ما تسمح به الضرورات الشعرية المقررة سلفا، فهو كثيرا ما يسألني كما يسأل غيري عن إمكانية زحاف هنا أو ضرورة شعرية هناك. شاعر يكتفي بالصور التي تسمح بها البلاغة العربية، ينزاح عن مألوف اللغة في حدود معقولة كي يقطف ما لذ من ثمار الصور الشعرية اليانعة الجميلة المحققة لانتشاء ما.
إن قراءة دواوين بوعلام دخيسي تبرز انصهار الشاعر بالأبعاد الإنسانية، ومخاطبة للإنسان كجوهر لا ككائن يقترف اليومي ويضيع فيه. وهذه الرؤية الإنسانية تعضدها القصائد الكثيرة التي شكلت رصيده الشعري، حيث يبئر في أشعاره موضوعات الحضور والغياب، الإمكان والاستحالة، صراع الجسد والروح، وهي الثنائيات العميقة في كل تجربة إنسانية مضمخة بعرق الإنسان ودمعه، مما يغطي على الانتماء الإيديولوجي أو الفهم الضيق لعلاقة الدين بالإبداع الذي ضيع كثيرا من التجارب الشعرية.
وقد مكن هذا الوعي الشاعر بوعلام دخيسي من أن ينجو من هذه التقريرية والمباشرة والوعظية، التي حولت قصائد بعض الشعراء الإسلاميين إلى وصايا وأدعية خالية من أي قيمة شعرية، فكانت أقرب إلى كتب "دلائل الخيرات" و"الدعاء المستجاب" منها إلى الشعر، في نكوص واضح عن ماضيها الحيوي المفعم بالإبداع والجمال، وبذلك الوعي صب الشاعر اهتمامه على التشكيل الجمالي، معجما وإيقاعا وصورا شعرية.
1- جسـد العنـوان:
يهتم الشاعر بوعلام دخيسي بصياغة عناوينه، ويحرص على أن تكون وفية وجميلة، وهما سمتان قلما تجتمعان في الإناث، أقصد إناث النصوص / القصائد طبعا. أن تكون العناوين وفية لدى بوعلام دخيسي هو أن تحمل هوية الديوان وتقدم معانيه، تصريحا بها أو تلميحا لها، وأن تكون جميلة هو أن تنزاح عن مألوف اللغة وأن تكون موقعة (من الإيقاع والتوقيع معا). ويمكن لاستقراء بسيط أن يعكس ذلك. "هديل السحر" انزياح دلالي يجمع بين المتنافرات، وقد سبق أن قلت عنه في تقديمي له: «إن "هديل السحر" بوصفه عنوانا يوّطد هذا التجاور، إذ الهديل صوت / إيقاع يخاطب الأذن، والسحر لحظة صامتة تمنح للعين والروح لذتها، كما أن القصيدة هديل يمارسه الشاعر في الغالب ضمن طقوس ليلية، وهو ما يجعل العنوان "هديل السحر" مرادفا للقصيدة». كما أنه عنوان موزون على المتقارب (فعولن فعو) والأمر نفسه ينطبق على (الحرف الثامن) و(كي أشبه ظلي) الموزونان على الخبب، ثم (عطفا على خصر الكمان) الموقع على البحر الرجز. فضلا على الانزياح الدلالي، القائم على المجاز والاستعارة، الذي يجعل من العنوان هوية للعمل باعتباره يدخل مع النص الذي يحمله في علاقة استبدالية، لأنه نص مختصر يحمل معنى - تاما أو ناقصا - يدفع نحو سلسلة من المعاني المتداخلة والمترابطة ثم إنه إيحاء، لأن النص الأدبي ينزاح عنوانه عن المألوف دلاليا وتركيبيا، مهما بدا واضحا وعاديا ومستقلا، لأنه ينزع بقارئه نحو التأويل وطرح الأسئلة عن معناه ومدى تواشجه مع النص الذي يحمله، ثم في ارتباطه أو إحالته على مرجع خارجي يتعالق معه ويساهم في تفسيره وشحنه بالدلالات الرمزية المطلوبة وإمداده بطاقة جمالية إضافية، توسع ما كان مختزلا وتكشف ما كان مكثفا. كما أنه يحمل هوية الشاعر أيضا. فالشاعر بوعلام دخيسي، وإن لم يقصد إلى ذلك، فقد صيّر عناوينه، بهذه الملامح التعبيرية والإيقاعية، دالة عليه. ذلك أن عناوينه معبر القارئ نحو النص، وبدونها يدخل القارئ متاهة النص دون دليل أو مرشد، ويكفي أن نتذكر إحساسا ينتابنا كلما عثرنا على كتاب مبتور، بلا غلاف وبدون خطاباته الموازية الأولى، أو على صفحات من كتاب ممزق، فإن ثقتنا بالمكتوب تتزحزح، إنها تعادل هزة العثور على لقيط - فالعنوان هوية - وانطلاقا من فكرة الهوية هذه نلج الديوان من عتبته الأولى.
اختار الشاعر عنوانا منزاحا عن مألوف العناوين الشعرية عامة، ومتماهيا مع بعضها، بالافتتاح بالاسم النكرة المنصوب الذي يذكرني بـ (سلاما وليشربوا البحار) لعبد الله راجع و(صعودا أناديك سهوا) لمحمد الطوبي تمثيلا لا استقراء، وإن كان الشاعر بوعلام اختلف تركيبيا عن العنوانين بإدراجه الاسم المنصوب ضمن جملة واحدة وليس من خلال جملتين كما في الديوانين المشار إليهما.
اختار بوعلام دخيسي أن يكون العنوان جملة إنشائية تفتتح بمصدر ينوب مناب فعل الأمر، وهي إحدى صيغ الأمر المعروفة، وتقديره اعطف على خصر الكمان. وهذه هي الدلالة الأولى التي يقصدها الشاعر، لكن يمكن أن نقوم بتأويل طفيف فنحول المصدر من دلالة الأمر بالترفق والعطف والتأني إلى دلالة العطف بمفهومه النحوي فيصير الدال "عطفا على..." معادلا لـ"بناء على..." التي نستعملها في استئناف الكلام وتصير مفعولا مطلقا لفعل محذوف تقديره (أَعطِفُ عطفا) وبذلك تستدعي العبارة وجود كلام سابق.
لا أشك في أن الدلالة التي يقصد إليها الكاتب هي الدلالة الأولى، أي الدعوة إلى الترفق بخصر الكمان، وهي أكثر انزياحا وجمالية خاصة أنه نظر إلى الكمان باعتباره جسدا مؤنثا ضامر الخصر، نظرا لشكلهما المتشابه، واستنادا إلى الصورة النمطية التي تحملها الثقافة العربية عن الجسد الجميل عريض الأرداف ضامر الخصر. بالإضافة إلى ولع الشاعر الخفي بالموسيقى التي أفرد لها عنوان ديوانه (الحرف الثامن) الذي يعادل معناه النوتة الثامنة بالأحرى، ولوضعه رسما لبعض النوتات الموسيقية ورسما للكمان داخل جسد الديوان.
يستمد عنوان الديوان إذن، سلطة مضاعفة، لمركزيته أولا، بوصفه علامة جوهرية للمصاحب النصي، ثم لاكتفائه الدلالي، حيث جاء جملة تامة التركيب والدلالة غير ناقصة ولا مبهمة، ثم لبعده الشعري إيقاعا وانزياحا، إذ إنه عنوان يثير شهية القارئ بكونه أمرا يستدعي امتثالا، ويدفعنا إلى مزيد من التأمل وطرح السؤال: ألم يكن الشاعر، وهو يصوغ العنوان خاضعا لتأثير الحديث النبوي الشريف: (رِفْقًا بالقَوارير)؟ ألا يحمل العنوان عبء التناص مع المقدس، خاصة وأن المشترك بين الكمان صاحب الخصر والقوارير / النساء هو دلالة التأنيث؟ أليست "عطفا" هي "رفقا"؟ أكتفي في هذا السياق بإثارة الأسئلة.
نخلص إلى أن التأملات في الأبعاد الجمالية والدلالية التي يحملها العنوان تركيبا وانزياحا وإيقاعا وتناصا، يمكن أن تتناسل بشكل قد يكون لا نهائيا ولا يستنفده التأويل، خاصة أن هذه المكونات المذكورة هي المقومات الجمالية لكل نص، وبذلك يكون العنوان وعدا مقدما لنا - نحن القراء - بأننا سنعثر على هذه الجوانب داخل الديوان، لذلك سنحاول الكشف عنها من خلال اقتراف الخطيئة النقدية مع هذه القوارير الجمالية / القصائد. وأتمنى أن أكون عطوفا على خصرها ومترفقا بهشاشتها.
2. جماليـة الإيقـاع:
أعتقد دائما أن الشعر لعبة لها قواعدها، وأي لعبة تفسد حين نضحي بإحدى هذه القواعد. ومن حق أي كان أن يكتب كما يريد، لكنه إذا أراد أن يسمي ما يكتبه شعرا فمن الضروري احترام قواعد الشعر التي أرساها تاريخنا الشعري العربي، وهي الصورة والإيقاع والرؤيا. فعلى هذه الأثافي ينضج قِدْر القصيدة، كما أقول دائما.
الشعر أولا لغة مجازية، انزياح عن المألوف واختراق لأبعاد التعبير العادي، وابتعاد عن حرفية النثر، يستند إلى الرمز ليقول به ما لا تقوله الحقيقة، وإلى الإشارة ليتجاوز حدود العبارة، وليخلق معاني لم يكن لها إمكان الوجود لولا هذا الانحراف والخرق.
الشعر، ثانيا، إيقاع، إنه تلك الطاقة الموسيقية المتموجة على جسد القصيدة مثل كف عاشق رومانسي مرهف، قد لا ننتبه إلى مرورها إلا من خلال ما تتركه من لذة وتأثير وخَدَر. وعندما أقول الشعر إيقاع فإني لا أقصره على الوزن، لأن الإيقاع أعمق وأشمل، فهو يضم ما تحفل به اللغة من تواز وترصيع وتجنيس وتكرار وغيرها من العناصر.
أما ثالثة الأثافي فهي الرؤيا. فالشعر لا يقف عند حدود الوصف والشرح للعواطف والانفعالات ورصد الواقع، وإنما تقف وراء كل ذلك خلفية فكرية ضرورية تمنح هذه العناصر قوتها من جهة وعمقها من جهة ثانية، كما تمنحها مسوغات وجودها، أي مشروعيتها من جهة ثالثة.
لقد سبق أن قلت مثل هذا الكلام في تقديم ديوان (هديل السحر) للشاعر الصديق بوعلام دخيسي باعتباره ديوانا يرتكز على هذه العناصر الثلاثة. وأعيد القول هنا لأؤكد أن الشاعر يكتب داخل هذا الإطار الشعري، فلم تستهوه سيولة قصيدة النثر ولم تغوه رشاقة الهايكو وخفته، كما أغوت غيره، بل بقي وفيا لخطه الشعري الذي رسمه منذ البداية.
نلمس في هذا الديوان، كما في سابقيه، سلطة الشعر العمودي الذي هيمن على معظم نصوصه، حيث إن الإيقاع، في عمومه إيقاع محافظ يرتهن إلى القصيدة ذات الشطرين، بل حتى ما يبدو منتميا إلى القصائد الحرة فلم يكن بعيدا عن هذا الجو المحافظ، فضلا عن ممارسة الشاعر لخدعة التوزيع البصري حيث يكتب النص العمودي بطريقة القصيدة الحرة. لكن ما يحسب لهذا الديوان هو اتساع مجاله الإيقاعي حيث وظف الشاعر سبعة بحور شعرية تمتد من الطويل إلى الخبب، مما أعطى للديوان تكثيفا موسيقيا. وقد جاء توزيع البحور على الشكل التالي: الكامل (7 قصائد) المتدارك والخبب (7 قصائد) والمتقارب (4 قصائد) والوافر (3 قصائد) والبسيط (قصيدتان) والطويل (قصيدة واحدة) والرمل (قصيدة واحدة).
إضافة إلى هذا التنويع على مستوى البحور الشعرية، حشد الشاعر مكونات إيقاعية عدة كالتوازي والترصيع والتجنيس والتكرار، واهتم بالقوافي مما أضفى أجواء نغمية بالغة الغنى والتنوع. ولا يخفى على متصفح الديوان اهتمام الشاعر بالتشكيل البصري حتى في القصائد ذات الشطرين، من حيث توزيع الأشطر وممارسة لعبة البياض بما تملك من دلالات، مما يعكس وعيا بصريا لدى الشاعر. إنه تشكيل يمنح العين متعة لا تقل عن متعة الأذن، من هنا جمع الشاعر بين إيقاعين: سمعي وبصري.
وإذا قارنا بين (هديل السحر) الذي هيمنت عليه القصائد العمودية (25 / 30) وديوان (عطفا على خصر الكمان) نجد أن الشاعر قد تخفف من القصيدة العمودية بشكل كبير وإن كان لا يزال تحت سلطة العروض وسحر أوزانه.
3 ـ انفتـاح النـص: شعريـة الاستدعـاء:
الاستدعاء -كما نقترحه - يستوعب التناص، باعتباره اتكاء مرجعيا نصيا، ويتجاوزه إلى البحث عن كل ما يمكنه أن يحيل على نصوص أو تجارب أو رؤية أو استلهام لخط شعري ما دون "اقتباس" نصوص بعينها، فهو يشمل المعجم والإيقاع والأسماء والأحداث والأفكار والأجناس والفنون... وكل ما يمكن استحضاره قصد إغناء النص.
ولا يعد ترفا أن يكشف الناقد عن النصوص المستدعاة أو الفنون والأجناس المستضافة في أي نص شعري جديد، ذلك أن أي شاعر إلا وينطلق من نصوص سابقة اطلع عليها ووظفها في ثنايا نصه الجديد، ذلك أن انتقاء الشاعر لنصوص دون غيرها، ولرموز وأساطير وأسماء وأماكن إلى غير ذلك، ليس انتقاء بريئا. إنه اختيار من بين عدة إمكانات نصية، لذلك هو محكوم بخلفية ما ومتضمن لموقف مسبق، خاصة إذا تجاوز النقلَ إلى التحويل والتحوير أو الانتهاك والتكسير.
عندما نقرأ تجربة الشاعر المغربي نجدها لا تشتغل بوصفها إبداعا خاصا بكرا مستقلا عما يمور في الحقل الثقافي والأدبي، بل إنها نصوص ترتهن إلى وعي شعري عميق يدرك أن النص الأدبي لا يمكنه أن يسير اعتمادا على الموهبة وحدها، وإنما ترفده الثقافة الشعرية والثقافة العامة التي ينفتح عليها الشاعر وتتمرأى في منجزه، إذ النص لا يعدو أن يكون مرآة لمقروء صاحبه ومدى قدرته على هضمه وامتصاصه وتوظيفه بشكل جديد، فهو يشاكس هذا المقروء آنا وينقلب عليه كلية آنا آخر. وبهذا كان النص الشعري نسيجا منفتحا على نصوص وأجناس وروافد ثقافية أخرى من منطق التفاعل الضروري لكل نص كي يخلد ويدوم ويتجاوز راهنيته ويكتب رهاناته. كما أن الاستدعاء ليس مجرد "تقنية شعرية" وإنما هو "نشاط ثقافي" يمارسه الشاعر ليترك أثرا. إنه بكلمة واحدة "فعل" acte.
يشكل الاستدعاء رافدا أساسيا بالنسبة للغة الشاعر، إذ إنه يمده بنصوص كثيرة تتعدد مرجعياتها ومشاربها، فنراه يفككها ويعيد بناء نصوصه الشعرية على أنقاضها، أو يمحو أطراسها ليكتب نصوصا أخرى على ما تبقى من آثارها. فالاستدعاء ليس مجرد إقحام لنص سابق عليه يقصد من ورائه استعراض المخزون الثقافي بقدر ما هو محاورة فكرية وثقافية له من منظور جديد، وهو ما يمنح النص المؤلَّف طاقة على تأويل النص المستدعى وتحديثه وإعطائه راهنيته من خلال تحويره الجزئي أو نفيه الكلي. ولعل في طريقة التعامل مع النص المستدعى، تثبيتا أو نفيا، تحويرا أو نقلا كشفا عن الموقف أو الرؤيا التي يعبر من خلالها المبدع، لأنه إذا لم تكن لديه هذه الرؤيا ولم يمتلك هذا الوعي فإن الاستدعاء سيكون مجانيا ومقحما ولا يتجاوز الاستعراضية ولا يقوم بوظائفه، بل لا يؤدي إلا إلى حشو النص وإرباك القارئ، مما يحرم النص من أي جمالية منتظرة، كما يفقده القدرة على التعبير عن الرؤية الشعرية التي يحملها الشاعر.
وقد سبق أن قلت في سياق سابق إن كثيرا من شعراء الجهة الشرقية مفتونون بالتناص مع تفاوت بينهم، واختلاف في طرق توظيفه إذ في كل ديوان من دواوين هؤلاء الشعراء تداهمك عشرات النصوص الغائبة حسب رؤية الشاعر فنعثر على آيات، أحاديث، أقوال، حكم، أشعار، نصوص تاريخية. وهذا المكون الشعري يثير مخزون القارئ المعرفي، ويبرهن على عمق الاطلاع لديهم، وعلى امتلاء ذاكرتهم الشعرية واشتغالها. فهو عندهم ليس مجرد توظيف لنص سابق، وإنما هو حوار عميق يكشف ارتهان الشاعر لمخزون ثقافي عميق وأصيل وانطلاقه من رؤية أعمق. وهذا ما يجعل النص الجديد تأويلا للنص المستدعى، يمنحه تجدده وحداثته، من خلال تفكيكه أو تحويره أو نفيه، عبر حركة معقدة من التفاعل تدفع بالنص إلى حالة من التركيب، وتؤشر على مستوى الوعي الشعري لدى المبدع من جهة، ومستوى مخزونه الثقافي من جهة ثانية، كما أنها تكشف، من خلال طريقة التعامل مع النص المستدعى، تثبيتا أو نفيا، نقلا أو تحويرا، عن الموقف أو الرؤيا التي يحملها المبدع أو تصدر قصائده عنها؛ لأنه - في حالة غياب هذه الرؤيا وهذا الوعي - يكون الاستدعاء مجانيا وجزئيا، ولا يؤدي وظائفه الدلالية، بل لا يؤدي إلا إلى التفكك النصي والحيرة وإرباك المتلقي؛ مما يفقد النص جماليته وقدرته على إيصال الرؤية الشعرية التي ينطلق منها.
ولا يشذ الشاعر بوعلام دخيسي عن هذه القاعدة إجمالا، وإن كان المقروء الواضح لديه هو المقروء الديني حيث هيمنة المضمر القرآني والحديثي، مع حضور قليل للمضمرات الشعرية القديمة وخفوت واضح للمرجعيات الشعرية الحديثة إلى حد الغياب، مما يفسر انفصال الشاعر عن المتون الشعرية الحداثية لغة وتصورا.
يحضر النص القرآني بقوة في المجموعة الشعرية (عطفا على خصر الكمان) حيث يستدعي الشاعر آيات قرآنية، خاصة ما يتعلق بالقصص النبوي. وبتتبع المعجم الشعري نعثر على ألفاظ تحيلنا على هذا النبي أو ذاك، بل إنها تتراكم في نص معين سماه "لست ككل الشعراء" إلى درجة كبيرة إذ حشد جل تلك القصص. ومن الأمثلة الدالة على هذا المعجم القرآني نذكر: ما زال الشعر عصاي - أهش بها - قري عيونا - هو من كلمني في الوادي - هو من أمر الطير - من أمسك الريح - أدخلني قصرك بلقيس - إن صواعا في جيب الشاعر - يوم كسرت الألواح - حملت على الدسر ¬- قل للنار سلاما - لو حفظ الجالس منساته - خلقنا في كبد - هل من مزيد... وغيرها كثير، أما النص الحديثي فيقف العنوان شاهدا على حضوره، إضافة إلى جمل مثل: عرفت فالزم - اغتنم خمسا - لا هجرة اليوم من بعد فتح ولكن جهاد... إضافة إلى معجم ديني واضح في استعمال ألفاظ وعبارات مثل: الصلاة - أصلي - المحراب - صمت احتسابا - تدعوك للإيمان - توحد الرحمن - فادخلوا آمنين - محرِما - اغفري - عديه حجا - وليقرأ بما تيسر - ليلة القدر... لكن الشاعر قام بانتهاك هذه العبارات وتحويرها لتوظيفها في سياقات دلالية أخرى خاصة في سياق حديثه عن أو مع القصيدة، مما يمنح القصيدة قدسية خاصة بفضل إسباغ هذه الظلال القدسية عليها.
أما الشعر القديم فلم أعثر إلا على نص أبي تمام المشهور في بائيته التي عارضها الشاعر في الإهداء، هذا إذا اعتبرنا الإهداء قصيدة من الديوان، إذ يقول )البسيط(:
الحبّ أصدق أنباء مِنَ النّسبِ
في حدّه الحدّ بين الصّدق والكذبِ
وإن كنت شخصيا لم أستوعب كيف يكون الحب أصدق أنباء من النسب، فهما ليسا ضدين كما كان السيف والقلم في البيت الأصلي. مجرد رأي.
ربما هي لعنة شهرة النص القديم وسطوته وعدم الجرأة في الإمعان في مشاكسته وانتهاكه.
4. الخطـاب الميتـاشعـري وسلطـة النقـد:
سبق أن حددنا في دراسة سابقة مفهوم الخطاب الميتاشعري باعتباره بنية نصية مختصرة تخترق النص الشعري، وتضمنه رأيا أو تصورا نقديا يحاول الشاعر عرضه وتبليغه بصيغة غير مباشرة. هذا ما جعل هذا الخطاب كاشفا يجلي أسرار الإبداع الحقيقي، هذا الإبداع "الذي يحاور ذاته ويفضي ببعض أسراره وكأنه لا يمكن لغير الأدب الحق أن يتحدث عن الأدب" .
إن هذا الخطاب يمارس داخل القصيدة تحققا مزدوجا؛ فهو موضوع، وفي الآن ذاته خطاب حول ذلك الموضوع ورؤية له وتصور حوله. فهذا الخطاب الميتاشعري موجود في القصيدة العربية منذ القديم، لكن الطبيعة اللغوية للنص الشعري، باعتبارها لغة إيحائية تضمر أكثر مما تظهر وتلمح أكثر مما تفصح، جعلت حضوره خافتا ولا يبرز إلا عند شعراء يملكون منسوبا عاليا من الجرأة في خوض مغامرة استثمار هذا الخطاب داخل نصوصهم الشعرية.
في ديوان (عطفا على خصر الكمان) حضور قوي وواع لهذا الخطاب الميتاشعري، وهو ما جعلنا أمام تجسد نقدي لكثير من القضايا وحضور عميق لكثير من المفاهيم.
فالشاعر بوعلام دخيسي يعي تجربته ويمتلك تصوراته الخاصة، وهذا ما حدا به إلى استثمار نصوصه الشعرية لشرح هذه التصورات، وهو الأمر الذي يمكننا من أن "ننظر إلى الخطاب الميتاشعري باعتباره مدخلا للكشف عن الأسئلة المخصوصة بالكتابة الشعرية المغربية، إنه يرتسم في الغالب كإعلان عن هوية شعرية؛ أي يخط حدود المعالم التي تستند إليها التجربة الشعرية مثلما يعين بدرجة هامة مستويات تشكل النص الشعري" .
من خلال قراءة ديوان (عطفا على خصر الكمان) نعثر على معجم نقدي كبير من ألفاظه: القصيدة - الشعر - الشعراء - القريض - البيت - الشاعر - ديوان شعري - الكلمات - القافية - المجاز... لكن لا يكفي أن أجرد هذه الألفاظ وإنما يحتاج الأمر إلى الكشف عن التصورات الثاوية خلف هذا التوظيف.
إن الرؤية المتحكمة في تصور الشاعر للقصيدة رؤية رومانسية بكائية حالمة، فالشاعر لا يزال يرى أن "قدر الشاعر أن يعيش تحت أمطار الحزن" - كما يقول نزار قباني - والمقولات التي ترى أن الفنان شمعة تحترق لتضيء طريق الآخرين، وغيرها من الاستعارات التي تجاوزها الأفق الحداثي وأصبحت من الأوهام الموروثة عن بكائيات قديمة. الشاعر يصرح منذ بداية الديوان أن:
لا شيء يأتي مِنْ سرورٍ
آيةُ الشِّعر الشَّجَنْ
ويدعو من شاء قول الشعر إلى اغتنام أوجاع الوطن كما أنه يتوقع أن القصيدة ترافق الحزن، فينتظر حضورها معه أو بعده فيقول:
أتى الحزنُ، لم تأتِ القصيدةُ بعدَهُ
وقوله:
لن يَرِثَ الحزنُ القصيدةَ وحدَهُ"
مما يكشف عن هذا النزوع نحو البكائية التي ترافق القصيدة طيلة الديوان. الفرح عقيم - الحزن منتج - هذه هي الاستعارة التصورية الكبرى التي تقف خلف هذا الديوان الذي هيمنت عليه تيمة القصيدة بكل ما أوتيت من سلطة وهيمنة. مع حضور طفيف لموضوعات أخرى لا تزحزح هذه الهيمنة مما يجعلني أبالغ قليلا وأقول: إن هذا الديوان هو سيرة شعرية أو سيرة قصيدة في علاقتها باللغة وبالملهمة المتوارية المطالبة بالظهور في قصيدته "عين على العتاب" أو في محاورته من ساعده على اقتراف الشعر ورطه فيه في نص "وحدك" .
في الختام نؤكد حتمية أن هذه الدقائق لا تكفي لقول الكثير عن تجربة شعرية ممتدة في الزمان والمكان، سامقة الجمال والإبداع، لكن حسبنا الاقتراب من أجواء تجربة شعرية تستحق الانتباه.