غانية ملحيس - بعد احتلال موقع الضحية: ماذا تكشف اعترافات القوة؟

حين كتب الصديق يحيى بركات عن “احتلال الجلاد موقع الضحية”،كان يصف واحدة من أكثر المفارقات غرابة في التاريخ الحديث: كيف نجح مشروع استعماري استيطاني إحلالي في أن يقدم نفسه للعالم بوصفه الضحية، بينما ظل الشعب الذي اقتُلعت أرضه، ويتعرض لموجات متعاقبة من الاقتلاع والتهجير والإبادة منذ أكثر من ثمانية عقود، مطالبا بإثبات مظلوميته جيلا بعد جيل.

لكن السؤال الذي تطرحه اللحظة الراهنة لم يعد فقط: كيف نجحت هذه الرواية؟ بل أصبح سؤالا أكثر تعقيدا:ماذا يحدث عندما تبدأ الرواية نفسها بكشف تناقضاتها، إلى الحد الذي تصبح فيهاهذه التناقضات مرئية بذاتها، وتبدأ فيه الرواية في تفكيك خطابها من الداخل؟
وهنا تحديدا تكتسب التصريحات الأخيرة لكل من بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب أهمية تتجاوز معناها السياسي المباشر.
ففي أول ظهور له بعد توقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران في الخامس عشر من حزيران الجاري، استعرض نتنياهو ما وصفه بإنجازاته التاريخية التي أنقذت إسرائيل من إبادة كانت وشيكة، لولا الحرب التي خاضتها دولته على الجبهات الممتدة من غزة والضفة الغربية إلى لبنان وسورياواليمن والعراق وإيران.
وفي اليوم نفسه تقريبا، كرر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خلال لقاءاته الصحفية على هامش قمة الدول السبع، أن إسرائيل ما كانت لتبقى لولا قراره الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران عام 2018، ولولا انخراط إدارتهوالمشاركة في الحرب الإسرائيلية منذ عودته إلى البيت الأبيض.

قد تبدو هذه التصريحات، للوهلة الأولى، امتدادا طبيعيا للخطاب السياسي المعتاد، لكن التأمل فيها يكشف مفارقة أعمق بكثير.
فأي دولة هذه التي تخوض حروبا متزامنة على أكثر من جبهة، وتمتلك تفوقا عسكريا واستخباريا وتكنولوجيا هائلا، وتتمتع بدعم غير مسبوق من القوة الأعظم في العالم، ثم تعرّف نفسها في الوقت ذاته باعتبارها ضحية كانت على وشك الإبادة؟
وأي قوة هذه التي تستطيع فرض إرادتها على جزء كبير من الإقليم، لكنها لا تستطيع تعريف نفسها إلا من خلال الخوف؟
هنا لا يعود السؤال متعلقا بالأمن أو السياسة أو الحرب فقط. بل بطبيعة العلاقة بين القوة والشرعية.

لقد نجحت إسرائيل طوال عقود في تحويل الاضطهاد التاريخي الذي تعرض له اليهود في أوروبا إلى مصدر مهم للشرعية الأخلاقية والسياسية في الغرب.
لكن الشرعية شيء، والقوة شيء آخر. فالقوة تستطيع احتلال الأرض، وابادة الإنسان والعمران، ومحو المدن، وفرض الوقائع، إعادة تشكيل موازين القوى، لكنها لا تستطيع وحدها إنتاج الشرعية بصورة دائمة.ولا تحويل الوقائع إلى حقائق تاريخية مستقرة.
ولهذا لم تكن رواية الضحية مجرد قصة إنسانية مؤثرة، بل كانت أيضا مصدرا للشرعية. إذ أنالتعاطف الأخلاقي الذي أنتجته هذه الرواية لم يمنح إسرائيل قبولا عاطفيا فحسب، بل منحها أيضا مساحة واسعة من الحصانة السياسية والأخلاقية.

غير أن الأهمية السياسية لرواية الضحية لا تكمن فقط فيما أنتجته من تعاطف، بل فيما وفرته من شرعية. ومع مرور الوقت لم يعد الخوف مجرد شعور جماعي ناتج عن تجربة تاريخية مؤلمة، بل تحول إلى أحد مصادر الشرعية نفسها. إذ أصبحت صورة الدولة المهددة جزءا من الأساس الأخلاقي الذي يبرر سياساتها وسلوكياتها ويمنحها استثناءات لا تُمنح لغيرها.
ومن هنا يمكن فهم مفارقة لافتة: فكلما ازدادت القوة الإسرائيلية، ازدادالاحتياج إلى إعادة إنتاج صورة الخطر الوجودي. ليس لأن القوة تتراجع، بل لأن الشرعية التي تأسست تاريخيا على سردية التهديد تحتاج باستمرار إلى إعادة تأكيد شروطها الرمزية والأخلاقية.
وهنا تحديدا تبرز أهمية اللحظة الراهنة. فحين تصبح الدولة الأقوى في الإقليم مطالبة باستمرار بإثبات أنها ضحية، وحين تتحول كل حرب تخوضها إلى حرب وجود، وكل خصم تواجهه إلى تهديد بالإبادة. فإن السؤال لم يعد يتعلق بحجم الخطر الخارجي،بقدر ما يتعلق بطبيعة الشرعية التي تستند إليها القوة ذاتها.
ولعل المفارقة الأعمق أن تصريحات نتنياهو وترامب لا تكشف ضعف إسرائيل، بقدر ما تكشف حدود القوة نفسها.

فالدول الواثقة من شرعيتها لا تحتاج إلى إعادة إنتاج خطاب النجاة، أو تحويل مواجهاتها إلى معارك بقاء، أو تعريف نفسها باستمرار باعتبارها ضحية.
أما حين يصبح الخوف هو اللغة السياسية الدائمة رغم فائض القوة، فإن المشكلة لا تعود في موازين القوة، بل في قدرتها على إنتاج الشرعية.
فالقوة التي لا تستند إلى شرعية مستقرة لا تستطيع الاكتفاء بالانتصار، بل تضطر إلى إعادة إنتاج صورة التهديد باستمرار، وكلما ازداد التفوق المادي والعسكري، ازداد الاحتياج إلى خطاب الخطر الوجودي بوصفه آلية لتثبيت المعنى السياسي والأخلاقي لهذا التفوق.
ولهذا يمكن فهم التحولات التي بدأت تظهر خلال السنوات الأخيرة في الجامعات الغربية، والنقابات المهنية، والأوساط الثقافية والإعلامية، وفي قطاعات متزايدة من الرأي العام العالمي. ولم يعد هذا التبدل مجرد حراك احتجاجي عابر، بل أصبح واقعا ظاهرا في اشتباك قانوني وأخلاقي غير مسبوقفي أروقة المحاكم الدولية التي وضعت القوة لأول مرة في موقع المساءلة، توازيا مع ثورة وعي في كبريات الجامعات الغربية، حيث أعاد الجيل الجديد صياغة المفاهيم، رافضا الخضوع لابتزاز السردية القديمة، ومعلنا انحيازه للمشهد الأول: سؤال الحق والعدالة.

فما يتعرض للاهتزاز ليس التفوق العسكري الإسرائيلي. ولا الدعم الأمريكي، ولا موازين القوة المباشرة، بل الرواية التي منحت هذه القوة معناها الأخلاقي لعقود طويلة.
لقد نجحت إسرائيل في احتلال موقع الضحية،لكن السؤال الذي تطرحه اللحظة الراهنة هو ما إذا كان هذا الموقع نفسه بدأ يفقد قدرته على إنتاج الشرعية.
وهنا ربما تصبح مفارقة التاريخ أكثر وضوحا: فالقوة تستطيع احتلال الأرض، واحتلال الرواية زمنا، وتأجيل الأسئلة الكبرى لعقود طويلة.لكنها لا تستطيع إلى الأبد احتلال الحقيقة.
وحين تبدأ الحقيقة بالعودة إلى المشهد الأول، يعود السؤال المؤجل منذ قرن: هل تستطيع القوة وحدها أن تمنح نفسها الشرعية؟
أم أن الشرعية، في النهاية، هي التي تمنح القوة معناها وحدودها؟

وربما لهذا السبب لا تكمن أهمية تصريحات نتنياهو وترامب فيما قالاه عن القوة، بل فيما كشفاه من دون قصد عن حدودها.
فالقوة التي تحتاج، بعد ثمانية عقود من التفوق العسكري والدعم الدولي، إلى إعادة إنتاج صورة الضحية مرة بعد أخرى، قد لا تكون في أزمة قوة،بل في أزمة شرعية.
وهذه أزمة لا تستطيع الجيوش حلها، ولا الطائرات، ولا الحروب. لأنها تبدأ حيث تنتهي القوة: في سؤال العدالة، وفي سؤال الحقيقة. وفي ذلك المشهد الأول الذي حاول كثيرون حذفه من الرواية، لكنه ما يزال يعود، مرة بعد أخرى، ليطالب بحقه في الظهور.


غانية ملحيس
17/6/2026

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى