تشكل العامية المصرية تاريخيًا وعاءً سحريًا لالتقاط نبض الشارع وهموم الإنسان العادي. وفي هذا الديوان، نحن أمام تجربة شعرية وإنسانية بالدرجة الأولى، تعيد صياغة الوجع في قالب فلسفي وجودي يقترب من سيكولوجيا الإنسان المعاصر في طاحونة الحياة اليومية. محمود رمضان يكتب القصيدة بوصفها بوصفها كائناً حياً ينبض بالتجربة ويتنفس بالوجع، ويستمد شرعيته من صدقه الأخلاقي والإنساني.
يحمل عنوان الديوان (زرع السنين) دلالة زمنية وفلاحية بامتياز؛ فالأيام سنبلة، والعمر حصاد، غير أن الشاعر يفاجئنا من خلال نصوصه بأن هذا "الزرع" غالباً ما يتبعثر بين المخاليق، أو يُهضم في ماكينة الزمن، ليظل الإنسان طوال عمره يزرع في أرض الزمن أملاً، ولو كان يدرك أن بعض الحقول قد لا تمنحه الثمار.
وإذا أردنا تفكيك الرؤية الفلسفية التي تحكم عالم محمود رمضان الشعري نجد أنها تتمحور حول مفهوم "جدلية العجز والوعي الذاتي"؛ فالإنسان في ديوانه ضحية لـ "وهم العجز" والاستسلام الداخلي. وتنقسم هذه الفلسفة إلى ثلاثة محاور أساسية تنبثق من القصائد:
جحود "المخاليق" والتفتت الذاتي: يعاني البطل عند محمود رمضان من "فائض عطاء" ينتهي به إلى عُزلة خانقة. فالإنسان يوزع ماله وجسمه وفكره، بيحرق دمه وفاءً للآخرين، ليفاجأ في النهاية بأنه يسكن وحيداً في "أوضة في بير السلم" بينما العالم يواصل صخبه. نلحظ ذلك بوضوح في قصيدة (كان إنسان) وقصيدة (مجاريح).
شراك الوجود والمسخ الوجودي: يرصد الشاعر كيف يتحول الإنسان بفعل الضغوط والركض خلف البقاء من كائن فاعل يملك حق الرفض إلى مجرد آلة مستسلمة تقول (حاضر) كآلية خنوع مبررة لحماية الذات، كما في قصيدة (بقيت أقول حاضر(، أو يتحول البشر إلى أشباح بلا جوهر فقدت الدفء والحنان، وصارت كصور فوتوغرافية جامدة معلقة على جدران دنيا "مش لينا" كما في قصيدة (صور تايهين).
الخلاص النوراني وصوفية الانعتاق: لا يغلق الشاعر أبواب الجحيم الدستوبي للواقع، إنما يقدم "مصل المقاومة" والتسامي الصوفي عبر قناتين: الخيال المقاوم الذي يعيد محاكمة التاريخ وفك شفراته المكتوبة بالخط الشيني المطموس عبر قصيدة (وجبة الأحلام)، والعشق والتسامي كما في قصيدتي (هالة) و(فرد قمري)
الحب عند محمود رمضان هو القوة الفيزيائية والروحية الوحيدة القادرة على إنبات أجنحة للإنسان ليطير بها فوق شوارع البازلت الجافة.
شاعر الإنسان البسيط:
من أبرز ملامح التجربة انحياز الشاعر الكامل للإنسان العادي؛ ذلك الإنسان الذي يعيش بعيداً عن الأضواء ويحمل فوق كتفيه أعباء الحياة اليومية. أبطال محمود رمضان ليسوا أبطالاً استثنائيين أو أسطوريين بالمعنى التقليدي، لكنهم البشر في صورتهم الأكثر هشاشة وإنسانية:
الطفل المظلوم في جحيم غزة.
المرأة الحالمة ببيت بسيط يُسقف بضوء القمر.
الصديق الذي استنزفته الخيبة وجحود البشر.
الإنسان الشقيان الذي فقد ملامحه وتطابقه مع ذاته تحت وطأة الزمن.
ولهذا تكتسب قصائده طاقة وجدانية عالية، لأن القارئ يرى مرآته النفسية والاجتماعية داخل النصوص.
و التميز الفني لديوان «زرع السنين» لا يتأتى فقط من نبل مضامينه، إنما من ترسانة التقنيات الحديثة التي توظفها القصائد ومنها:
البساطة الخادعة (السهل الممتنع)): يستخدم الشاعر مفردات عامية يومية دارجة جداً ومألوفة للأذن المصرية (الدايه، المريلة، بنت الجيران، الأكرة، بير السلم، لمبة) لكنه يثبت لنا كيف يشحن هذه المفردات العادية بظلال مجازية بالغة الوعورة والعمق، لتتحول "الأكرة" إلى رمز لامتلاك مفتاح الحرية والتغيير، و"بير السلم" إلى رمز للتهميش والسقوط في قاع النسيان.
العين السينمائية والمونتاج المشهدي المتوازي: الشاعر يكتب بعين "مخرج" وليس بعين شاعر تقليدي؛ فقصائده حافلة بحركة الكاميرا واللقطات المتتابعة. يتجلى ذلك بعبقرية في قصيدة «ملامح» عبر المونتاج المتوازي؛ حيث نرى الشاب يبتسم للطير الذبيح الذي اصطاده، وفي ذات الكادر واللحظة الزمانية نرى "الدنيا وهي تنشن عليه لتصطاد حلمه".
بصت الطير اللي كان بيبصلك
قبل اصطياده
وابتسامتك ليه
وهو سايل دمه
ساقط م الحياه
في الوقت نفسه
الدنيا كانت
طالعه بتنشن عليك
تقتل الحلم ف عنيك
والزمن
يهضم في أيامك
دلوقتي قاعد
مامعكش غير دخان سيجارتك
وبتشرب القهوه وحيد (1)
وفي قصيدة (كان إنسان) نرى كاميرا تتتبع البطل من القهوة إلى المدخل المظلم للبيت الهلكان:
شفته / وحده / ماشي
وحده
حتى قعدته ع القهوة
كان قاعد وحده
ولقيته مروح
ف مشيت ورا منه
لحد دخوله
ف مدخل ضلمه
ف بيت هلكان
وسألت ... ؟
قالوا واخد أوضه
في بير السلم
مين وياه ؟
قالوا عايش وحده
مع إنه
عاش طول عمره
يوزع
ع المخاليق
من ماله
من جسمه
من فكره
وبيحرق دمه عشانهم
البناء الدائري (الترجيع التعويذي)): يعتمد الشاعر بكثافة على قفل القصيدة بنفس المعنى الذي بدأت به أو في المقطع الأول (كما في: كان إنسان، صور تايهين، ملامح، رضا، همسه). هذا التكرار يخدم غرضين سيكولوجيين: إما تأكيد حتمية المأساة وحصار الواقع الدائري، أو العمل كـ "تعويذة" لتثبيت الحلم ومنعه من التلاشي والفرار.
التناقض الصارخ والتعمية المجازية :يبرع الشاعر في جمع الأضداد في سطر شعري واحد لتجسيد العجز والوقوف في نقطة الشلل، مثل قوله في قصيدة (بقيت أقول حاضر): "الحرف انا شايفه / قايد / ومش والع"، وقوله في «صور تايهين»: "ماشيين ومش ماشيين / في دوامات واقفين".
شعرية الوجع النبيل: الألم هنا طاقة معرفية وليس انكساراً سلبياً،. فهو يبتلع دموعه تحت الجفون كبرياءً وكرامة، ويقول في قصيدة (حنين) «أنا جدع» وهو ينهار من الداخل، ويسامح حتى بعد الخذلان التام، مما يمنح التجربة طابعاً أخلاقياً رفيعاً:
واقف كما
عود القصب
اللي مليان بالعطب
وبقول لِك
أنا جدع
ويكرر نفس المقطع في نهاية القصيدة كما قلنا للتأكيد
يتميز الشاعر أيضا في هذا الديوان بإحياء المجردات:
من أهم تقنيات الشاعر الفنية تحويل الأشياء المجردة إلى كائنات حية تتنفس وتتحرك:
النوم يقوم من النوم ويفتح شبابيكه وبيبانه.:
قام النوم
من النوم
فتح شبابيكه
وبيبانه
والشقاء عند الشاعر ينام في سريره مكسوراً. ... في قصيدة (وجبة الأحلام):
نام الشقا في سريره
آن الأوان / ياكل
من وجبة الأحلام
يركب
مركبه الفضي
ويعدي
من كوكب الإنسان
والرضا يلقي بشاله على صاحبه ويكحل بضيه عينه. في قصيدة (رضا):
وفضل يقول رضا
رضا / رضا / رضا
لحد "الرضا" ما جاله
رمى عليه شاله
وادا له شيء في إديه
كحل بضيه عينه
والجرح يعزف فيقول:
السنين عدت عليها
ناي حزين
جرحها بيعزف عليه
لحن الورود المقطوفين
والتاريخ ينام داخل تابوت:
تحت الجفون
نايم تاريخ
طويل طويل
جوّه التابوت
وللشاعر محمود رمضان فلسفة موحدة لرموزه:
البيت: رمز الأمان، والونس، والملجأ الوجودي.
الضوء والنور: رموز الحقيقة، والبراءة الأولى، واليقين.
العصافير: رموز الأحلام الطائرة، والحرية الساقطة في فخاخ الصيادين.
البئر: رمز الحصار النفسي، والعزلة، والتهميش الوجودي.
نصوص منتقاة لنرى كيف تتماهى هذه الرؤى فنيّاً وسيكولوجيّاً:
في قصيدة "بحر الحياه": يفتتح الشاعر هذا النص برفض جازم لفلسفة الاستسلام: "النجاه / عمرها ما كانت / في البكا / ولا في السكوت". إنه يطرح موقفاً وجودياً يرى النجاة فعل مقاومة لا انكسار، حاصراً الخيارات في ثنائية حادة: " ما لإما اعدى / لا إما أموت. ويبني رؤيته من داخل التجربة الحياتية :
بيتي كان
برد الشتا
والفضا
والطريق كان المدى
وتصل الصورة لذروتها المجازية البليغة في قوله:
كان طعامي
أي شيء يدخل في جوفي
كنت باكل أي حاجه
حتى خوفي
ليتحول الخوف من شعور نفسي إلى مادة يتم التغذّي عليها للتعايش مع الرعب اليومي. كما نرى فلسفة البقاء والحذر كقانون في قوله:
علمتني الدنيا أنام
والحذر قاسم العيون
مفتوحه عين
والتانيه نايمه
على كوم كبير م الهموم
رغم الزحام
والدوشه وطنين البشر
موازنة دقيقة بين الانتباه والحاجة للراحة في عالم لا يمنح الأمان الكامل.
ونجد تراجيديا الفداء وسقوط الأقنعة في قصيدة "مسامحك"::الممتلئة بالوجع الإنساني، يتناول فيها الشاعر تجربة العطاء غير المشروط وما يترتب عليه من خذلان وجحود. التسامح هنا حالة وجودية لا مجرد فضيلة عابرة. يرسم الشاعر صورة مدهشة للقهر الصامت:
بقيت أنت تصرخ
ويعلى صراخك
وانا برجلي بنزل في بير السكات
واقول زي بعضه
ح تبقى أنت والليالي عليه
كفاية اللي فيه
تتحول الأمنيات لديه إلى ضيف عابر يمر خاطفاً ولا يمكث. يتجلى التحول الدرامي المتقن في سقوط أقنعة الآخر الذي أتقن دور البطولة والشهامة في فيلم مكشوف: "فيلم اتقنت فيه البدايه / وكنت مأجل / ندالتك معايا / لأخر الحكايه". تبلغ القصيدة مرارتها حين يكتشف الشاعر جحود من مّد له طوق النجاة وصعد على أكتافه سلالم السعادة وحده ليبقى الشاعر وحيداً، واصفاً نبله المتأخر بـ :
ومديت إيديّه
بكل الطيابه الغبيه ف ضميري
بطوق النجاه
، ومع ذلك ينتصر القلب أخلاقياً بالعودة للغفران الدائري:
عموماً
براحتك
في كل الحالات
مسامحك
......... ما ياما سامحتك
ونرى أيضا الانتصار الأخلاقي للقلب المهزوم في قصيدة "طوق نجاه":
"طوق النجاة" الذي ينقذ الغارقين ثم يُنسى على الشاطئ بعد الإنقاذ: "خرجوا م الغرق / وقفوا على شط الحياه / لكن اختفى / طوق النجاه". يمارس الشاعر هنا النقد الاجتماعي للمجتمعات التي تسيء قراءة النبل وتخلط بين الطيبة والضعف: "
يكفيك يا قلبي
إن لما احتاجوا ليك
لما كانوا بيغرقوا
كنت ليهم
طوق نجاه
شافوا طيبتك
قالوا دا
إنسان ضعيف
لكن الشاعر يقلب الموازين عبر صورة شعرية مدهشة مستدعياً الذاكرة ككتاب مغلق: "
اشوف دموع في عيونك
ونْفِر
صفحات الكتاب اللي اتقفل
تضرب طراطيف الورق
في بعضها
يخرج هوا
شايل نزيف أجمل حروف
ثم انتصار روحي قاطع:
اتبسموا
جوه صفحات السعاده
في الحكايه
نسيوا
ما ينسوا
إنت اللي فايز في النهايه
و الكلمة في مواجهة الرصاص في قصيدة "صوت الحق"
نص مكثف يقوم على "قصيدة الومضة والطلقة الشعرية السريعة". يرتكز البناء النفسي للشخصية على إعلان ثقافة المواجهة المباشرة ورفض المواربة: "لأني سبع وابن سبع / قلتها في وشك مجاهره". يوظف الشاعر رمزية النور ببراعة: "طول عمري واضح / زى نور الشمس / يفرش العتمه بضياه". لتصل القصيدة لذروتها الفكرية والأخلاقية بتقديم حكمة إنسانية عامة تتجاوز القهر المادي: "صوت الحق / بيبقى أقوى من الرصاص"؛ فالرصاص يقتل الجسد لكن الكلمة الصادقة تهزم السلطة الزائفة وتحيل الباطل إلى سراب.
ثم يأخذنا الشاعر من براءة الملكوت إلى جحيم غزة في قصيدة "همسه"
تتحرك القصيدة في بناء درامي منطلق من مشهد سينمائي هادئ بعد منتصف الليل، ليرسم الطفولة كلحظة كشف صوفية مبكرة: "
ولسه
في الشوارع صوت
وضي عمود
بعد نص الليل
بيشبه
قمره همستلي وانا صغير
وكان لسه المدى قصير
ما بيني وبين
بيبان الضى في الملكوت
فتغوص به الذاكرة لـ "جذور الحروف" وتفرغ "جيوب المعنى". لكن هذا الصفاء يرتطم بصدمة الوعي وسقوط العالم الأخلاقي حين يرى الكون "بيشرب دم م الأشلاء". ينتقل الشاعر ليعلن التماهي الإنساني الكامل مع مأساة غزة التي أصبحت تفاصيلها زاداً ليومه: "بقيت بفطر / وبتغدى / وبتعشى.. بصوت أطفال جحيم غزة". ليلتقي طفل الذاكرة البريء بطفل غزة ذي السبع سنوات المقتول في نهاية الحلم، لتخرج صرخته الفاجعة في أرقى مفارقة شعورية:
لكن في نهاية
جميع أحلامي اللي كان فيها
مات فيها
وخرجت صرخته في سكات
وينقلنا الشاعر لنشاهد هول التآكل الإنساني وأسطرة الهامش في قصيدة "رضا"
اسم القصيدة وحده يحمل ثلاثة أبعاد متداخلة: البُعد الذاتي: اسم الشهرة للشاعر، مما يجعل القصيدة مواجهة مباشرة مع الذات أو مرآة عاكسة لرحلته الشخصية.- البُعد الصوفي/الفلسفي: "الرضا" كقيمة روحية واجه بها تقلبات الزمن، وتحول في النص من مجرد حالة نفسية إلى "كائن نوراني" ألقى عليه شاله.
والبعد الثالث خاص بالقصيدة كلها ومهنة الشاعر: فالشاعر يعمل في "النقاشة"، وهي مهنة أساسها الألوان، والترميم، وتغطية العيوب، ومنح الأماكن بهجة جديدة. المفارقة هنا أن الشاعر الذي يلون جدران الآخرين، يقف في القصيدة عاجزاً أمام جدران روحه التي "بهتت ألوانها".
يبدأ الشاعر بنفي التماهي بين المكان في الحاضر والمكان في الماضي:
"أيوه المكان هُوَّ / لكن / ما هُش هُوَّ / اللي كان أيام زمان"
هذه الافتتاحية الدائرية التي تنتهي بها القصيدة أيضاً، تعبر عن صدمة العودة. المكان الجغرافي ثابت، لكن "روح المكان" تغيرت بفعل الزمن ("وعام ورا عام ورا عام"). يستخدم الشاعر استعارات مكنية قاسية للتعبير عن فعل الزمن في الإنسان والمكان معاً:
"البرد كَل جسمه": قسوة الحياة والوحدة والفقر المادي أو العاطفي.
"حرق الحنين رسمه / وبهتت الألوان": هنا تظهر عين "النقاش" الفنان؛ الحنين يحرق رسوماته، والألوان الزاهية المبهجة تبهت وتتآكل بفعل الزمن، مما جعل الإنسان "صعب يتعرف حتى على نفسه".
ويصل الشاعر إلى ذروة التعبير عن الاغتراب في السطر الذي يقول فيه: "وحروف كتير وقعت / كانت بُنَا إسمه"
هذه الصورة من أجمل صور القصيدة؛ فالاسم (وهو الهوية) لم يعد متماسكاً. الحروف تتساقط كقطع الديكور أو طلاء الجدران القديمة المتآكلة. الإنسان هنا يتفكك، وما تبقى منه يبحث في "قبور النية" عن "لقِيَّة" (كنز مدفون) لعله يعود إلى زمن البراءة والأصالة.
وعندما يقول:
لكن ما هُش هُوَّ
اللي كان أيام زمان
فارس على فرسه
أيوه النبي حَارسُه
واسمه فتى الفتيان
يطوى الجبال كالريح
ويداوي في المجاريح
وينصر المقهور
يبني ليتيم السور
يحميه من الحرمان
أكتر من واحد في التاريخ لقب بلقب فتى الفتيان لكن سيدنا علي بن أبي طالب هو الأشهر بهذا اللقب في الوجدان الشعبي والتاريخي، وجاء اللقب ارتباطاً بالعبارة التاريخية الشهيرة التي نُودِيَ بها في غزوة أحد: "لا فتى إلا علي ولا سيف إلا ذو الفقار". من هنا، صار الإمام علي في الوعي والوعظ والوجدان الشعبي هو "فتى الفتيان" رمزاً للشجاعة، والفروسية، والنبل، والشهامة ونصرة المقهور (وهي نفس المعاني والصفات التي استدعاها الشاعر في قصيدته).
لكنه عندما قال:
يبني ليتيم السور
يحميه من الحرمان
فهذا تناص ديني وتاريخي آخر مع قصة سيدنا الخضر ونبي الله موسى عليه السلام في سورة الكهف، وتحديدًا في الآية الكريمة:
{فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ}، والتي فسرها الخضر لاحقاً بقوله: {وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا...}.
واستدعاء هذه الصورة النورانية (بناء السور لليتيم) يهدف إلى خلق مفارقة حادة مع الحاضر؛ فبعد أن كان هذا الفارس كـ "الخضر" يبني ويحمي ويصون الغيب واليتامى، دار عليه الزمن حتى أصبح هو نفسه شخصًا وحيدًا، متعبًا، بهتت ألوانه، ويبحث في "قبور النية" عن شيء يرمم به نفسه.
وفي القصيدة منطقة صوفية في وصف الرضا:
"وفضل يقول رضا / رضا / رضا / لحد "الرضا" ما جاله / رمى عليه شاله"
تحول "الرضا" هنا من اسم أو صفة إلى "شخص/مَخلَص" يأتي كالدرويش أو الولي الصالح ليمنح الشاعر صك الطمأنينة. "الشال" هنا رمز للستر والحماية. والنتيجة هي "الوميض" الذي كحل عينه ("كما كهارب قادت متعلقه في رمشه"). استخدام لفظ "كهارب" (الإنارة الشعبية في الأفراح) يضفي مسحة من البهجة المصرية الخالصة على لحظة الرضا الداخلي.
ومع ذلك فهو يرفرف في البئر وحيدا في قصيدة "حنين":
وهي مرثية وجدانية حادة تعتمد على الزراعة في المستحيل والارتواء من الوهم: "طول عمري ب ازرع / ف الليالي البور.. طول عمري بملا / ميتي / من سراب الآيالات". يجسد الشاعر تآكل الجسد والذات المستنزفة بفعل الوجع الداخلي عبر تشبيه بالغ الدقة: "سوس بياكل جتتي / وواقف كما / عود القصب / اللي مليان بالعطب". ورغم هذا العطب، يتحرك الكبرياء والجدعنة لكتمان الحزن وحبس الدموع تحت الجفون ويقول:
وبقول لك
أنا جدع
وكررها مرتين في القصيدة ليؤكد انه: جدع
. وفي مفارقة مأساوية، تتحول ابتسامة المحبوبة إلى حلم شعبي يتسلل عبر فتحات الشيش ليفترش فوق وجوه الشقيانين والحرافيش، بينما يظل الشاعر عاجزاً: "عمال برفرف من سنين / لا طلعت من بيري الحزين / ولا شفت في كفوفك / عشايا من الحنين"
ويأخذنا الشاعر إلى المرأة التي رآها على جانب الطريق قديسة الهامش وصوفية الواقع في الومضة الشعرية "هالة":
فقدم لنا كعادته بورتريهًا بديعًا لما يمكن تسميته بـ "القداسة الهامشية" عبر لوحة تشكيلية واقعية سحرية. تبدأ اللقطة بحركة بصرية خطيرة تعكس الفقر والعيش على الحافة المهددة بالموت: "وبتمشي تلم بواقي العيش الناشف / من بين قضبان القطر". لكن المفارقة تكمن في التحول الإشراقي الصوفي؛ فهذه المرأة الملقاة على الهامش تفيض عيناها بالحب لكل المخاليق، وتبث رسائلها للملائكة فوق قرص الشمس. ثم تتحول فضلات الطعام التي جمعتها برفق يديها إلى هبة وعطاء تنثرها لتطعم القطة وصغارها، في مشهد يثير الإجلال والدهشة، ويعلن انتصار الذات بالحب.
وسنختم هذه الدراسة بقصيدة "وجبة الأحلام": التي تيبس فيها العصفور أمام كتائب الشقاء:
تبدأ اللقطة بمفارقة سريالية مدهشة: "قام النوم / من النوم"، حيث تنطلق الأحلام كالعصافير البريئة في شوارعنا ليقتنصها "صياد الأماني". تتحول الأحلام إلى "وجبة" وغذاء روحي يعبر به الشاعر خارج كوكب الإنسان المحدود ليبني الواقع (بالطوب) ما كان مكتوباً في الغيب فيقول الشاعر:
نام الشقا في سريره
آن الأوان / ياكل
من وجبة الأحلام
يركب
مركبه الفضي
ويعدي
من كوكب الإنسان
يبني اللي كان مكتوب
بالطوب
ويذوّق المقادير
ويحني في الألون
. لكن مع بزوغ ضوء الصباح وفك طلاسم الخيال، تتقدم قوانين الواقع القاسية في هيئة عسكرية غازية تدهس البراءة: "مشيت كتايب الشقا / داست على الأحلام"، لينهار البنيان، ويتيبس العصفور في قفلة تراجيدية بالغة القسوة تعكس استسلام الحلم واستنزافه التام.
وهذا يدفعنا إلى الحديث عن:
الحلم في شعر محمود رمضان: فلسفة الحلم المؤجل
إذا كان لا بد من اختيار فكرة مركزية تحكم الديوان كله، فهي فكرة (الحلم المؤجل).
ففي معظم القصائد هناك حلم ما:
حلم بالأمان...
حلم بالحب...
حلم بالعدالة...
حلم بالنجاة...
حلم بالبيت...
حلم باستعادة الذات...
لكن هذا الحلم غالباً لا يكتمل. وعلى سبيل المثال:
في قصيدة «زرع السنين» يتهدم البيت قبل أن تُبنى طوبة فيه.:
السنين عدت عليها
ناي حزين
جرحها بيعزف عليه
لحن الورود المقطوفين
إتهد بيتها
من قبل ما تبني طوبه فيه
وفي «وجبة الأحلام» تستسلم الأحلام تحت أقدام كتائب الشقاء. :
وفي «حنين» يعيش الشاعر على سراب الأمنيات.
وفي «همسه» يموت الطفل في نهاية الأحلام.
وفي «رضا» يتحول المكان إلى مكان آخر، ويصبح الإنسان غريباً عن نفسه.
الشاعر لا يطرح رؤية تشاؤمية للحياة بقدر ما يقدم وعياً شديدا بطبيعة الوجود الإنساني؛ فالحياة في فلسفته ليست طريقاً ممهداً نحو السعادة، إنما هي معركة طويلة بين ما نحلم به وما يسمح به الواقع.
ليس من قبيل المصادفة أن تتكرر مفردة "الحلم" ومشتقاتها في شعر محمود رمضان بهذا الحضور الكثيف؛ فالحلم عنده ليس مجرد كلمة عابرة أو صورة شعرية متكررة، إنما هو بنية فكرية وجمالية تؤسس رؤيته للعالم. وقد سبق أن أشرتُ في قراءتي لديوان حدوتة الشط البعيد إلى أن محمود رمضان شاعر يحلم باستمرار، والأهم من ذلك أنه يدرك تمامًا أنه يحلم، كما يدرك في الوقت نفسه أن الواقع كثيرًا ما يسحق تلك الأحلام تحت وطأة الإحباط والقهر وخيبات الانتظار.
ويؤكد الإحصاء اللغوي لهذه الظاهرة مركزية الحلم في تجربته الشعرية؛ إذ وردت مفردة "الحلم" ومشتقاتها في الدواوين المتاحة لي على النحو الآتي:
• لا يحمل للكون ضغينة: 31 مرة.
• معزوفة لأقدم ناي: 35 مرة.
• حدوتة الشط البعيد: 45 مرة.
• دايمًا بتسأل ع الخلاص: 29 مرة.
• زرع السنين: 37 مرة.
وبذلك يبلغ مجموع ورود المفردة ومشتقاتها (حلم، أحلام، حلمه، حلمها، حلمانين... إلخ) في هذه الدواوين الخمسة 177 مرة، وهو رقم يكشف عن حضور استثنائي لهذه الثيمة في عالمه الشعري.
لماذا؟ لأن الحلم والشعر ينتميان إلى المنطقة نفسها من الوعي الإنساني؛ فكلاهما يخلق عالماً موازياً للواقع، ويمنح الإنسان فرصة مؤقتة للتحرر من قيوده. لذلك ليس غريباً أن يظل محمود رمضان يكتب الشعر ما دام قادراً على الحلم، أو أن يظل يحلم ما دام الشعر قادراً على إنقاذ روحه من جفاف الواقع.
لقد رأى الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه أن الإنسان يعيش بالأوهام الجميلة أكثر مما يعيش بالحقائق القاسية، لأن الحقيقة وحدها قد تكون غير قابلة للاحتمال (2).
لذلك أقولها وأنا شبه متأكد أن الذين لا يحلمون يصابون بالجنون أو ينتحرون
أما الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار فقد اعتبر أحلام اليقظة منبعاً للخيال الخلاق، ومصدراً لتشكيل العالم الشعري(3).
ومن هنا يبدو الحلم في قصائد محمود رمضان فعلاً إبداعياً يوازي فعل الكتابة نفسه، بل ربما كان الحلم هو الكتابة في صورتها الأولى.
وتتجاوز الأحلام عند الشاعر حدود الرغبة الفردية لتصبح وسيلة للمقاومة النفسية. فإريك فروم في كتابه اللغة المنسية- مدخل إلى فهم الأحلام - يرى أن «الحلم وسيلة يعمل بها العقل من خلال الأفكار والمشاعر والتجارب القاسية والمعقدة والمقلقة لتحقيق التوازن النفسي والعاطفي»(4). وهذا التفسير يكاد ينطبق تماماً على تجربة محمود رمضان؛ فقصائده تبدو أحياناً كأنها محاولات متكررة لترميم الذات في مواجهة عالم يزداد قسوة وغموضاً.
واللافت أن الشاعر لا يكتب من داخل الحلم الساذج الذي يظن إمكانية تحققه، بل من داخل ما يمكن تسميته بـ"وعي الحلم". إنه يشبه الإنسان الموجود في تلك المنطقة الفاصلة بين النوم واليقظة؛ حيث يكون العقل في أقصى درجات نشاطه، ويعرف المرء أنه يحلم، لكنه يواصل الحلم رغم ذلك. وهكذا يدرك الشاعر أن الواقع غالباً ما يخذله، وأن الوجوه المقنّعة والأقنعة الاجتماعية الكثيرة تحول بينه وبين تحقيق ما يتمنى، ومع ذلك لا يتوقف عن تشييد أحلام جديدة.
إن محمود رمضان يلجأ دائماً إلى خيمة الحلم، يأوي إليها كلما ضاقت به طرق الواقع، لكنه يفعل ذلك وهو يعلم أن هذه الخيمة لا تستند إلى أعمدة ثابتة، وأنها قد تنهار مع أول ريح. غير أن قيمتها لا تكمن في قدرتها على الصمود، بل في قدرتها على منح الشاعر لحظة مؤقتة من الدفء الروحي والأمل.
ومن ثم يمكن القول إن الحلم في شعر محمود رمضان هو استراتيجية وجودية لمواجهة العالم؛
إنه المسافة التي يخلقها الشاعر بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون، بين الواقع كما يراه والحياة كما يتمنى أن يعيشها.
ولذلك يتكرر الحلم في قصائده بهذا الإلحاح اللافت، لأنه جوهر التجربة الشعرية كلها.
و نصل في نهاية هذا التطواف النقدي إلى حقيقة ساطعة: إن ديوان (زرع السنين) للشاعر محمود رمضان هو أشبه بـ "لوحة تشريحية كبرى لنفسية الإنسان المعاصر"
نجح الشاعر باقتدار، ومن خلال ومضات شعرية مكثفة طويلة وقصيرة، في تفكيك مفاهيم فلسفية واجتماعية كبرى كالاغتراب، والزمن، والمسخ الوجودي، والقهر الاجتماعي، والحرية. وكتابته تنحاز للبساطة المشحونة بظلال المجاز الوعر.
محمود رمضان في هذا الديوان يزرع سنوات كاملة من عمره، يزرع وجعاً وحنيناً وأملاً؛ فنحن أمام شاعر يملك مشروعًا شعريًا متكاملاً، يغوص في تفاصيل النفس البشرية المطحونة، ويعيد صياغة الهزائم اليومية العادية في قالب شعري عامي يتسم بالبساطة الخادعة والعمق الفلسفي الجارح.
------------------------
هوامش:
1– محمود رمضان ، زرع السنين ، أشعار بالعامية المصرية ، الربيع للصحافة والإعلام ، 2026 م ، ص 83 .
2- فريدريش نيتشه، مولد التراجيديا، ترجمة عبد الغفار مكاوي، القاهرة: دار الثقافة للطباعة والنشر.
3- غاستون باشلار، شاعرية أحلام اليقظة، ترجمة جورج سعد، بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع.
4- إريك فروم، اللغة المنسية: مدخل إلى فهم الأحلام والحكايات والأساطير، ترجمة حسن قبيسي، ط1، الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1995
يحمل عنوان الديوان (زرع السنين) دلالة زمنية وفلاحية بامتياز؛ فالأيام سنبلة، والعمر حصاد، غير أن الشاعر يفاجئنا من خلال نصوصه بأن هذا "الزرع" غالباً ما يتبعثر بين المخاليق، أو يُهضم في ماكينة الزمن، ليظل الإنسان طوال عمره يزرع في أرض الزمن أملاً، ولو كان يدرك أن بعض الحقول قد لا تمنحه الثمار.
وإذا أردنا تفكيك الرؤية الفلسفية التي تحكم عالم محمود رمضان الشعري نجد أنها تتمحور حول مفهوم "جدلية العجز والوعي الذاتي"؛ فالإنسان في ديوانه ضحية لـ "وهم العجز" والاستسلام الداخلي. وتنقسم هذه الفلسفة إلى ثلاثة محاور أساسية تنبثق من القصائد:
جحود "المخاليق" والتفتت الذاتي: يعاني البطل عند محمود رمضان من "فائض عطاء" ينتهي به إلى عُزلة خانقة. فالإنسان يوزع ماله وجسمه وفكره، بيحرق دمه وفاءً للآخرين، ليفاجأ في النهاية بأنه يسكن وحيداً في "أوضة في بير السلم" بينما العالم يواصل صخبه. نلحظ ذلك بوضوح في قصيدة (كان إنسان) وقصيدة (مجاريح).
شراك الوجود والمسخ الوجودي: يرصد الشاعر كيف يتحول الإنسان بفعل الضغوط والركض خلف البقاء من كائن فاعل يملك حق الرفض إلى مجرد آلة مستسلمة تقول (حاضر) كآلية خنوع مبررة لحماية الذات، كما في قصيدة (بقيت أقول حاضر(، أو يتحول البشر إلى أشباح بلا جوهر فقدت الدفء والحنان، وصارت كصور فوتوغرافية جامدة معلقة على جدران دنيا "مش لينا" كما في قصيدة (صور تايهين).
الخلاص النوراني وصوفية الانعتاق: لا يغلق الشاعر أبواب الجحيم الدستوبي للواقع، إنما يقدم "مصل المقاومة" والتسامي الصوفي عبر قناتين: الخيال المقاوم الذي يعيد محاكمة التاريخ وفك شفراته المكتوبة بالخط الشيني المطموس عبر قصيدة (وجبة الأحلام)، والعشق والتسامي كما في قصيدتي (هالة) و(فرد قمري)
الحب عند محمود رمضان هو القوة الفيزيائية والروحية الوحيدة القادرة على إنبات أجنحة للإنسان ليطير بها فوق شوارع البازلت الجافة.
شاعر الإنسان البسيط:
من أبرز ملامح التجربة انحياز الشاعر الكامل للإنسان العادي؛ ذلك الإنسان الذي يعيش بعيداً عن الأضواء ويحمل فوق كتفيه أعباء الحياة اليومية. أبطال محمود رمضان ليسوا أبطالاً استثنائيين أو أسطوريين بالمعنى التقليدي، لكنهم البشر في صورتهم الأكثر هشاشة وإنسانية:
الطفل المظلوم في جحيم غزة.
المرأة الحالمة ببيت بسيط يُسقف بضوء القمر.
الصديق الذي استنزفته الخيبة وجحود البشر.
الإنسان الشقيان الذي فقد ملامحه وتطابقه مع ذاته تحت وطأة الزمن.
ولهذا تكتسب قصائده طاقة وجدانية عالية، لأن القارئ يرى مرآته النفسية والاجتماعية داخل النصوص.
و التميز الفني لديوان «زرع السنين» لا يتأتى فقط من نبل مضامينه، إنما من ترسانة التقنيات الحديثة التي توظفها القصائد ومنها:
البساطة الخادعة (السهل الممتنع)): يستخدم الشاعر مفردات عامية يومية دارجة جداً ومألوفة للأذن المصرية (الدايه، المريلة، بنت الجيران، الأكرة، بير السلم، لمبة) لكنه يثبت لنا كيف يشحن هذه المفردات العادية بظلال مجازية بالغة الوعورة والعمق، لتتحول "الأكرة" إلى رمز لامتلاك مفتاح الحرية والتغيير، و"بير السلم" إلى رمز للتهميش والسقوط في قاع النسيان.
العين السينمائية والمونتاج المشهدي المتوازي: الشاعر يكتب بعين "مخرج" وليس بعين شاعر تقليدي؛ فقصائده حافلة بحركة الكاميرا واللقطات المتتابعة. يتجلى ذلك بعبقرية في قصيدة «ملامح» عبر المونتاج المتوازي؛ حيث نرى الشاب يبتسم للطير الذبيح الذي اصطاده، وفي ذات الكادر واللحظة الزمانية نرى "الدنيا وهي تنشن عليه لتصطاد حلمه".
بصت الطير اللي كان بيبصلك
قبل اصطياده
وابتسامتك ليه
وهو سايل دمه
ساقط م الحياه
في الوقت نفسه
الدنيا كانت
طالعه بتنشن عليك
تقتل الحلم ف عنيك
والزمن
يهضم في أيامك
دلوقتي قاعد
مامعكش غير دخان سيجارتك
وبتشرب القهوه وحيد (1)
وفي قصيدة (كان إنسان) نرى كاميرا تتتبع البطل من القهوة إلى المدخل المظلم للبيت الهلكان:
شفته / وحده / ماشي
وحده
حتى قعدته ع القهوة
كان قاعد وحده
ولقيته مروح
ف مشيت ورا منه
لحد دخوله
ف مدخل ضلمه
ف بيت هلكان
وسألت ... ؟
قالوا واخد أوضه
في بير السلم
مين وياه ؟
قالوا عايش وحده
مع إنه
عاش طول عمره
يوزع
ع المخاليق
من ماله
من جسمه
من فكره
وبيحرق دمه عشانهم
البناء الدائري (الترجيع التعويذي)): يعتمد الشاعر بكثافة على قفل القصيدة بنفس المعنى الذي بدأت به أو في المقطع الأول (كما في: كان إنسان، صور تايهين، ملامح، رضا، همسه). هذا التكرار يخدم غرضين سيكولوجيين: إما تأكيد حتمية المأساة وحصار الواقع الدائري، أو العمل كـ "تعويذة" لتثبيت الحلم ومنعه من التلاشي والفرار.
التناقض الصارخ والتعمية المجازية :يبرع الشاعر في جمع الأضداد في سطر شعري واحد لتجسيد العجز والوقوف في نقطة الشلل، مثل قوله في قصيدة (بقيت أقول حاضر): "الحرف انا شايفه / قايد / ومش والع"، وقوله في «صور تايهين»: "ماشيين ومش ماشيين / في دوامات واقفين".
شعرية الوجع النبيل: الألم هنا طاقة معرفية وليس انكساراً سلبياً،. فهو يبتلع دموعه تحت الجفون كبرياءً وكرامة، ويقول في قصيدة (حنين) «أنا جدع» وهو ينهار من الداخل، ويسامح حتى بعد الخذلان التام، مما يمنح التجربة طابعاً أخلاقياً رفيعاً:
واقف كما
عود القصب
اللي مليان بالعطب
وبقول لِك
أنا جدع
ويكرر نفس المقطع في نهاية القصيدة كما قلنا للتأكيد
يتميز الشاعر أيضا في هذا الديوان بإحياء المجردات:
من أهم تقنيات الشاعر الفنية تحويل الأشياء المجردة إلى كائنات حية تتنفس وتتحرك:
النوم يقوم من النوم ويفتح شبابيكه وبيبانه.:
قام النوم
من النوم
فتح شبابيكه
وبيبانه
والشقاء عند الشاعر ينام في سريره مكسوراً. ... في قصيدة (وجبة الأحلام):
نام الشقا في سريره
آن الأوان / ياكل
من وجبة الأحلام
يركب
مركبه الفضي
ويعدي
من كوكب الإنسان
والرضا يلقي بشاله على صاحبه ويكحل بضيه عينه. في قصيدة (رضا):
وفضل يقول رضا
رضا / رضا / رضا
لحد "الرضا" ما جاله
رمى عليه شاله
وادا له شيء في إديه
كحل بضيه عينه
والجرح يعزف فيقول:
السنين عدت عليها
ناي حزين
جرحها بيعزف عليه
لحن الورود المقطوفين
والتاريخ ينام داخل تابوت:
تحت الجفون
نايم تاريخ
طويل طويل
جوّه التابوت
وللشاعر محمود رمضان فلسفة موحدة لرموزه:
البيت: رمز الأمان، والونس، والملجأ الوجودي.
الضوء والنور: رموز الحقيقة، والبراءة الأولى، واليقين.
العصافير: رموز الأحلام الطائرة، والحرية الساقطة في فخاخ الصيادين.
البئر: رمز الحصار النفسي، والعزلة، والتهميش الوجودي.
نصوص منتقاة لنرى كيف تتماهى هذه الرؤى فنيّاً وسيكولوجيّاً:
في قصيدة "بحر الحياه": يفتتح الشاعر هذا النص برفض جازم لفلسفة الاستسلام: "النجاه / عمرها ما كانت / في البكا / ولا في السكوت". إنه يطرح موقفاً وجودياً يرى النجاة فعل مقاومة لا انكسار، حاصراً الخيارات في ثنائية حادة: " ما لإما اعدى / لا إما أموت. ويبني رؤيته من داخل التجربة الحياتية :
بيتي كان
برد الشتا
والفضا
والطريق كان المدى
وتصل الصورة لذروتها المجازية البليغة في قوله:
كان طعامي
أي شيء يدخل في جوفي
كنت باكل أي حاجه
حتى خوفي
ليتحول الخوف من شعور نفسي إلى مادة يتم التغذّي عليها للتعايش مع الرعب اليومي. كما نرى فلسفة البقاء والحذر كقانون في قوله:
علمتني الدنيا أنام
والحذر قاسم العيون
مفتوحه عين
والتانيه نايمه
على كوم كبير م الهموم
رغم الزحام
والدوشه وطنين البشر
موازنة دقيقة بين الانتباه والحاجة للراحة في عالم لا يمنح الأمان الكامل.
ونجد تراجيديا الفداء وسقوط الأقنعة في قصيدة "مسامحك"::الممتلئة بالوجع الإنساني، يتناول فيها الشاعر تجربة العطاء غير المشروط وما يترتب عليه من خذلان وجحود. التسامح هنا حالة وجودية لا مجرد فضيلة عابرة. يرسم الشاعر صورة مدهشة للقهر الصامت:
بقيت أنت تصرخ
ويعلى صراخك
وانا برجلي بنزل في بير السكات
واقول زي بعضه
ح تبقى أنت والليالي عليه
كفاية اللي فيه
تتحول الأمنيات لديه إلى ضيف عابر يمر خاطفاً ولا يمكث. يتجلى التحول الدرامي المتقن في سقوط أقنعة الآخر الذي أتقن دور البطولة والشهامة في فيلم مكشوف: "فيلم اتقنت فيه البدايه / وكنت مأجل / ندالتك معايا / لأخر الحكايه". تبلغ القصيدة مرارتها حين يكتشف الشاعر جحود من مّد له طوق النجاة وصعد على أكتافه سلالم السعادة وحده ليبقى الشاعر وحيداً، واصفاً نبله المتأخر بـ :
ومديت إيديّه
بكل الطيابه الغبيه ف ضميري
بطوق النجاه
، ومع ذلك ينتصر القلب أخلاقياً بالعودة للغفران الدائري:
عموماً
براحتك
في كل الحالات
مسامحك
......... ما ياما سامحتك
ونرى أيضا الانتصار الأخلاقي للقلب المهزوم في قصيدة "طوق نجاه":
"طوق النجاة" الذي ينقذ الغارقين ثم يُنسى على الشاطئ بعد الإنقاذ: "خرجوا م الغرق / وقفوا على شط الحياه / لكن اختفى / طوق النجاه". يمارس الشاعر هنا النقد الاجتماعي للمجتمعات التي تسيء قراءة النبل وتخلط بين الطيبة والضعف: "
يكفيك يا قلبي
إن لما احتاجوا ليك
لما كانوا بيغرقوا
كنت ليهم
طوق نجاه
شافوا طيبتك
قالوا دا
إنسان ضعيف
لكن الشاعر يقلب الموازين عبر صورة شعرية مدهشة مستدعياً الذاكرة ككتاب مغلق: "
اشوف دموع في عيونك
ونْفِر
صفحات الكتاب اللي اتقفل
تضرب طراطيف الورق
في بعضها
يخرج هوا
شايل نزيف أجمل حروف
ثم انتصار روحي قاطع:
اتبسموا
جوه صفحات السعاده
في الحكايه
نسيوا
ما ينسوا
إنت اللي فايز في النهايه
و الكلمة في مواجهة الرصاص في قصيدة "صوت الحق"
نص مكثف يقوم على "قصيدة الومضة والطلقة الشعرية السريعة". يرتكز البناء النفسي للشخصية على إعلان ثقافة المواجهة المباشرة ورفض المواربة: "لأني سبع وابن سبع / قلتها في وشك مجاهره". يوظف الشاعر رمزية النور ببراعة: "طول عمري واضح / زى نور الشمس / يفرش العتمه بضياه". لتصل القصيدة لذروتها الفكرية والأخلاقية بتقديم حكمة إنسانية عامة تتجاوز القهر المادي: "صوت الحق / بيبقى أقوى من الرصاص"؛ فالرصاص يقتل الجسد لكن الكلمة الصادقة تهزم السلطة الزائفة وتحيل الباطل إلى سراب.
ثم يأخذنا الشاعر من براءة الملكوت إلى جحيم غزة في قصيدة "همسه"
تتحرك القصيدة في بناء درامي منطلق من مشهد سينمائي هادئ بعد منتصف الليل، ليرسم الطفولة كلحظة كشف صوفية مبكرة: "
ولسه
في الشوارع صوت
وضي عمود
بعد نص الليل
بيشبه
قمره همستلي وانا صغير
وكان لسه المدى قصير
ما بيني وبين
بيبان الضى في الملكوت
فتغوص به الذاكرة لـ "جذور الحروف" وتفرغ "جيوب المعنى". لكن هذا الصفاء يرتطم بصدمة الوعي وسقوط العالم الأخلاقي حين يرى الكون "بيشرب دم م الأشلاء". ينتقل الشاعر ليعلن التماهي الإنساني الكامل مع مأساة غزة التي أصبحت تفاصيلها زاداً ليومه: "بقيت بفطر / وبتغدى / وبتعشى.. بصوت أطفال جحيم غزة". ليلتقي طفل الذاكرة البريء بطفل غزة ذي السبع سنوات المقتول في نهاية الحلم، لتخرج صرخته الفاجعة في أرقى مفارقة شعورية:
لكن في نهاية
جميع أحلامي اللي كان فيها
مات فيها
وخرجت صرخته في سكات
وينقلنا الشاعر لنشاهد هول التآكل الإنساني وأسطرة الهامش في قصيدة "رضا"
اسم القصيدة وحده يحمل ثلاثة أبعاد متداخلة: البُعد الذاتي: اسم الشهرة للشاعر، مما يجعل القصيدة مواجهة مباشرة مع الذات أو مرآة عاكسة لرحلته الشخصية.- البُعد الصوفي/الفلسفي: "الرضا" كقيمة روحية واجه بها تقلبات الزمن، وتحول في النص من مجرد حالة نفسية إلى "كائن نوراني" ألقى عليه شاله.
والبعد الثالث خاص بالقصيدة كلها ومهنة الشاعر: فالشاعر يعمل في "النقاشة"، وهي مهنة أساسها الألوان، والترميم، وتغطية العيوب، ومنح الأماكن بهجة جديدة. المفارقة هنا أن الشاعر الذي يلون جدران الآخرين، يقف في القصيدة عاجزاً أمام جدران روحه التي "بهتت ألوانها".
يبدأ الشاعر بنفي التماهي بين المكان في الحاضر والمكان في الماضي:
"أيوه المكان هُوَّ / لكن / ما هُش هُوَّ / اللي كان أيام زمان"
هذه الافتتاحية الدائرية التي تنتهي بها القصيدة أيضاً، تعبر عن صدمة العودة. المكان الجغرافي ثابت، لكن "روح المكان" تغيرت بفعل الزمن ("وعام ورا عام ورا عام"). يستخدم الشاعر استعارات مكنية قاسية للتعبير عن فعل الزمن في الإنسان والمكان معاً:
"البرد كَل جسمه": قسوة الحياة والوحدة والفقر المادي أو العاطفي.
"حرق الحنين رسمه / وبهتت الألوان": هنا تظهر عين "النقاش" الفنان؛ الحنين يحرق رسوماته، والألوان الزاهية المبهجة تبهت وتتآكل بفعل الزمن، مما جعل الإنسان "صعب يتعرف حتى على نفسه".
ويصل الشاعر إلى ذروة التعبير عن الاغتراب في السطر الذي يقول فيه: "وحروف كتير وقعت / كانت بُنَا إسمه"
هذه الصورة من أجمل صور القصيدة؛ فالاسم (وهو الهوية) لم يعد متماسكاً. الحروف تتساقط كقطع الديكور أو طلاء الجدران القديمة المتآكلة. الإنسان هنا يتفكك، وما تبقى منه يبحث في "قبور النية" عن "لقِيَّة" (كنز مدفون) لعله يعود إلى زمن البراءة والأصالة.
وعندما يقول:
لكن ما هُش هُوَّ
اللي كان أيام زمان
فارس على فرسه
أيوه النبي حَارسُه
واسمه فتى الفتيان
يطوى الجبال كالريح
ويداوي في المجاريح
وينصر المقهور
يبني ليتيم السور
يحميه من الحرمان
أكتر من واحد في التاريخ لقب بلقب فتى الفتيان لكن سيدنا علي بن أبي طالب هو الأشهر بهذا اللقب في الوجدان الشعبي والتاريخي، وجاء اللقب ارتباطاً بالعبارة التاريخية الشهيرة التي نُودِيَ بها في غزوة أحد: "لا فتى إلا علي ولا سيف إلا ذو الفقار". من هنا، صار الإمام علي في الوعي والوعظ والوجدان الشعبي هو "فتى الفتيان" رمزاً للشجاعة، والفروسية، والنبل، والشهامة ونصرة المقهور (وهي نفس المعاني والصفات التي استدعاها الشاعر في قصيدته).
لكنه عندما قال:
يبني ليتيم السور
يحميه من الحرمان
فهذا تناص ديني وتاريخي آخر مع قصة سيدنا الخضر ونبي الله موسى عليه السلام في سورة الكهف، وتحديدًا في الآية الكريمة:
{فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ}، والتي فسرها الخضر لاحقاً بقوله: {وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا...}.
واستدعاء هذه الصورة النورانية (بناء السور لليتيم) يهدف إلى خلق مفارقة حادة مع الحاضر؛ فبعد أن كان هذا الفارس كـ "الخضر" يبني ويحمي ويصون الغيب واليتامى، دار عليه الزمن حتى أصبح هو نفسه شخصًا وحيدًا، متعبًا، بهتت ألوانه، ويبحث في "قبور النية" عن شيء يرمم به نفسه.
وفي القصيدة منطقة صوفية في وصف الرضا:
"وفضل يقول رضا / رضا / رضا / لحد "الرضا" ما جاله / رمى عليه شاله"
تحول "الرضا" هنا من اسم أو صفة إلى "شخص/مَخلَص" يأتي كالدرويش أو الولي الصالح ليمنح الشاعر صك الطمأنينة. "الشال" هنا رمز للستر والحماية. والنتيجة هي "الوميض" الذي كحل عينه ("كما كهارب قادت متعلقه في رمشه"). استخدام لفظ "كهارب" (الإنارة الشعبية في الأفراح) يضفي مسحة من البهجة المصرية الخالصة على لحظة الرضا الداخلي.
ومع ذلك فهو يرفرف في البئر وحيدا في قصيدة "حنين":
وهي مرثية وجدانية حادة تعتمد على الزراعة في المستحيل والارتواء من الوهم: "طول عمري ب ازرع / ف الليالي البور.. طول عمري بملا / ميتي / من سراب الآيالات". يجسد الشاعر تآكل الجسد والذات المستنزفة بفعل الوجع الداخلي عبر تشبيه بالغ الدقة: "سوس بياكل جتتي / وواقف كما / عود القصب / اللي مليان بالعطب". ورغم هذا العطب، يتحرك الكبرياء والجدعنة لكتمان الحزن وحبس الدموع تحت الجفون ويقول:
وبقول لك
أنا جدع
وكررها مرتين في القصيدة ليؤكد انه: جدع
. وفي مفارقة مأساوية، تتحول ابتسامة المحبوبة إلى حلم شعبي يتسلل عبر فتحات الشيش ليفترش فوق وجوه الشقيانين والحرافيش، بينما يظل الشاعر عاجزاً: "عمال برفرف من سنين / لا طلعت من بيري الحزين / ولا شفت في كفوفك / عشايا من الحنين"
ويأخذنا الشاعر إلى المرأة التي رآها على جانب الطريق قديسة الهامش وصوفية الواقع في الومضة الشعرية "هالة":
فقدم لنا كعادته بورتريهًا بديعًا لما يمكن تسميته بـ "القداسة الهامشية" عبر لوحة تشكيلية واقعية سحرية. تبدأ اللقطة بحركة بصرية خطيرة تعكس الفقر والعيش على الحافة المهددة بالموت: "وبتمشي تلم بواقي العيش الناشف / من بين قضبان القطر". لكن المفارقة تكمن في التحول الإشراقي الصوفي؛ فهذه المرأة الملقاة على الهامش تفيض عيناها بالحب لكل المخاليق، وتبث رسائلها للملائكة فوق قرص الشمس. ثم تتحول فضلات الطعام التي جمعتها برفق يديها إلى هبة وعطاء تنثرها لتطعم القطة وصغارها، في مشهد يثير الإجلال والدهشة، ويعلن انتصار الذات بالحب.
وسنختم هذه الدراسة بقصيدة "وجبة الأحلام": التي تيبس فيها العصفور أمام كتائب الشقاء:
تبدأ اللقطة بمفارقة سريالية مدهشة: "قام النوم / من النوم"، حيث تنطلق الأحلام كالعصافير البريئة في شوارعنا ليقتنصها "صياد الأماني". تتحول الأحلام إلى "وجبة" وغذاء روحي يعبر به الشاعر خارج كوكب الإنسان المحدود ليبني الواقع (بالطوب) ما كان مكتوباً في الغيب فيقول الشاعر:
نام الشقا في سريره
آن الأوان / ياكل
من وجبة الأحلام
يركب
مركبه الفضي
ويعدي
من كوكب الإنسان
يبني اللي كان مكتوب
بالطوب
ويذوّق المقادير
ويحني في الألون
. لكن مع بزوغ ضوء الصباح وفك طلاسم الخيال، تتقدم قوانين الواقع القاسية في هيئة عسكرية غازية تدهس البراءة: "مشيت كتايب الشقا / داست على الأحلام"، لينهار البنيان، ويتيبس العصفور في قفلة تراجيدية بالغة القسوة تعكس استسلام الحلم واستنزافه التام.
وهذا يدفعنا إلى الحديث عن:
الحلم في شعر محمود رمضان: فلسفة الحلم المؤجل
إذا كان لا بد من اختيار فكرة مركزية تحكم الديوان كله، فهي فكرة (الحلم المؤجل).
ففي معظم القصائد هناك حلم ما:
حلم بالأمان...
حلم بالحب...
حلم بالعدالة...
حلم بالنجاة...
حلم بالبيت...
حلم باستعادة الذات...
لكن هذا الحلم غالباً لا يكتمل. وعلى سبيل المثال:
في قصيدة «زرع السنين» يتهدم البيت قبل أن تُبنى طوبة فيه.:
السنين عدت عليها
ناي حزين
جرحها بيعزف عليه
لحن الورود المقطوفين
إتهد بيتها
من قبل ما تبني طوبه فيه
وفي «وجبة الأحلام» تستسلم الأحلام تحت أقدام كتائب الشقاء. :
وفي «حنين» يعيش الشاعر على سراب الأمنيات.
وفي «همسه» يموت الطفل في نهاية الأحلام.
وفي «رضا» يتحول المكان إلى مكان آخر، ويصبح الإنسان غريباً عن نفسه.
الشاعر لا يطرح رؤية تشاؤمية للحياة بقدر ما يقدم وعياً شديدا بطبيعة الوجود الإنساني؛ فالحياة في فلسفته ليست طريقاً ممهداً نحو السعادة، إنما هي معركة طويلة بين ما نحلم به وما يسمح به الواقع.
ليس من قبيل المصادفة أن تتكرر مفردة "الحلم" ومشتقاتها في شعر محمود رمضان بهذا الحضور الكثيف؛ فالحلم عنده ليس مجرد كلمة عابرة أو صورة شعرية متكررة، إنما هو بنية فكرية وجمالية تؤسس رؤيته للعالم. وقد سبق أن أشرتُ في قراءتي لديوان حدوتة الشط البعيد إلى أن محمود رمضان شاعر يحلم باستمرار، والأهم من ذلك أنه يدرك تمامًا أنه يحلم، كما يدرك في الوقت نفسه أن الواقع كثيرًا ما يسحق تلك الأحلام تحت وطأة الإحباط والقهر وخيبات الانتظار.
ويؤكد الإحصاء اللغوي لهذه الظاهرة مركزية الحلم في تجربته الشعرية؛ إذ وردت مفردة "الحلم" ومشتقاتها في الدواوين المتاحة لي على النحو الآتي:
• لا يحمل للكون ضغينة: 31 مرة.
• معزوفة لأقدم ناي: 35 مرة.
• حدوتة الشط البعيد: 45 مرة.
• دايمًا بتسأل ع الخلاص: 29 مرة.
• زرع السنين: 37 مرة.
وبذلك يبلغ مجموع ورود المفردة ومشتقاتها (حلم، أحلام، حلمه، حلمها، حلمانين... إلخ) في هذه الدواوين الخمسة 177 مرة، وهو رقم يكشف عن حضور استثنائي لهذه الثيمة في عالمه الشعري.
لماذا؟ لأن الحلم والشعر ينتميان إلى المنطقة نفسها من الوعي الإنساني؛ فكلاهما يخلق عالماً موازياً للواقع، ويمنح الإنسان فرصة مؤقتة للتحرر من قيوده. لذلك ليس غريباً أن يظل محمود رمضان يكتب الشعر ما دام قادراً على الحلم، أو أن يظل يحلم ما دام الشعر قادراً على إنقاذ روحه من جفاف الواقع.
لقد رأى الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه أن الإنسان يعيش بالأوهام الجميلة أكثر مما يعيش بالحقائق القاسية، لأن الحقيقة وحدها قد تكون غير قابلة للاحتمال (2).
لذلك أقولها وأنا شبه متأكد أن الذين لا يحلمون يصابون بالجنون أو ينتحرون
أما الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار فقد اعتبر أحلام اليقظة منبعاً للخيال الخلاق، ومصدراً لتشكيل العالم الشعري(3).
ومن هنا يبدو الحلم في قصائد محمود رمضان فعلاً إبداعياً يوازي فعل الكتابة نفسه، بل ربما كان الحلم هو الكتابة في صورتها الأولى.
وتتجاوز الأحلام عند الشاعر حدود الرغبة الفردية لتصبح وسيلة للمقاومة النفسية. فإريك فروم في كتابه اللغة المنسية- مدخل إلى فهم الأحلام - يرى أن «الحلم وسيلة يعمل بها العقل من خلال الأفكار والمشاعر والتجارب القاسية والمعقدة والمقلقة لتحقيق التوازن النفسي والعاطفي»(4). وهذا التفسير يكاد ينطبق تماماً على تجربة محمود رمضان؛ فقصائده تبدو أحياناً كأنها محاولات متكررة لترميم الذات في مواجهة عالم يزداد قسوة وغموضاً.
واللافت أن الشاعر لا يكتب من داخل الحلم الساذج الذي يظن إمكانية تحققه، بل من داخل ما يمكن تسميته بـ"وعي الحلم". إنه يشبه الإنسان الموجود في تلك المنطقة الفاصلة بين النوم واليقظة؛ حيث يكون العقل في أقصى درجات نشاطه، ويعرف المرء أنه يحلم، لكنه يواصل الحلم رغم ذلك. وهكذا يدرك الشاعر أن الواقع غالباً ما يخذله، وأن الوجوه المقنّعة والأقنعة الاجتماعية الكثيرة تحول بينه وبين تحقيق ما يتمنى، ومع ذلك لا يتوقف عن تشييد أحلام جديدة.
إن محمود رمضان يلجأ دائماً إلى خيمة الحلم، يأوي إليها كلما ضاقت به طرق الواقع، لكنه يفعل ذلك وهو يعلم أن هذه الخيمة لا تستند إلى أعمدة ثابتة، وأنها قد تنهار مع أول ريح. غير أن قيمتها لا تكمن في قدرتها على الصمود، بل في قدرتها على منح الشاعر لحظة مؤقتة من الدفء الروحي والأمل.
ومن ثم يمكن القول إن الحلم في شعر محمود رمضان هو استراتيجية وجودية لمواجهة العالم؛
إنه المسافة التي يخلقها الشاعر بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون، بين الواقع كما يراه والحياة كما يتمنى أن يعيشها.
ولذلك يتكرر الحلم في قصائده بهذا الإلحاح اللافت، لأنه جوهر التجربة الشعرية كلها.
و نصل في نهاية هذا التطواف النقدي إلى حقيقة ساطعة: إن ديوان (زرع السنين) للشاعر محمود رمضان هو أشبه بـ "لوحة تشريحية كبرى لنفسية الإنسان المعاصر"
نجح الشاعر باقتدار، ومن خلال ومضات شعرية مكثفة طويلة وقصيرة، في تفكيك مفاهيم فلسفية واجتماعية كبرى كالاغتراب، والزمن، والمسخ الوجودي، والقهر الاجتماعي، والحرية. وكتابته تنحاز للبساطة المشحونة بظلال المجاز الوعر.
محمود رمضان في هذا الديوان يزرع سنوات كاملة من عمره، يزرع وجعاً وحنيناً وأملاً؛ فنحن أمام شاعر يملك مشروعًا شعريًا متكاملاً، يغوص في تفاصيل النفس البشرية المطحونة، ويعيد صياغة الهزائم اليومية العادية في قالب شعري عامي يتسم بالبساطة الخادعة والعمق الفلسفي الجارح.
------------------------
هوامش:
1– محمود رمضان ، زرع السنين ، أشعار بالعامية المصرية ، الربيع للصحافة والإعلام ، 2026 م ، ص 83 .
2- فريدريش نيتشه، مولد التراجيديا، ترجمة عبد الغفار مكاوي، القاهرة: دار الثقافة للطباعة والنشر.
3- غاستون باشلار، شاعرية أحلام اليقظة، ترجمة جورج سعد، بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع.
4- إريك فروم، اللغة المنسية: مدخل إلى فهم الأحلام والحكايات والأساطير، ترجمة حسن قبيسي، ط1، الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1995