الدينُ يسعى دائما إلى إسعاد الناس

الدين، سواءً كان سماوياً، céleste، أي مُنزَّلا على أحد الرسل، أو وضعيا non révélé، أي من صُنع الإنسان، إن لم يسعَ إلى إسعاد الناس، ويريد لهم الخيرَ، فهو مجرَّد نمط عيش. والمعروف عن الديانات، سماويةً كانت أم وضعية، فهي تسعى إلى إسعاد الناس وتريد لهم الخيرَ.

علما أن أي دين، سماوِيا كان أم وضعياً، يسعى، دائما، إلى إسعاد الناس، أي إلى أن يعيش الناس حياةً طيبة تكون فيها كرامة العيش هي الأساس. وكرامة العيش تتحقَّق، من خلال بناء مجتمع تسود فيه الديمقراطية. والديمقراطية لا تستقيم بدون عدالة ومساواة بين الناس، رحالاً ونساءً. والعدالة والمساواة لا يستقيمان بدون نشر الوعي. والوعيُ لا يستقيم بدون القضاء على الجهل l'ignorance والأمية l'analphabétisme. والوعي بالحقوق les droits والواجبات les obligations، يقود المواطنين (رجالاً ونساءً) إلى القيام بالأعمال التي تخدم الصالحَ العام l'intérêt général، أي الأعمال التي تنفع البلادَ والعبادَ. والأعمال الصالحة تضمن ليس فقط خدمةَ الصالح العام، ولكن، كذلك، تضمن الإستقرار َ النفسي la quiétude psychologique. هذا هو الهدف الأساسي من الدين.. كل دينٍ، سماوياً كان أم وضعياً، إن لم يسع إلى تحقيق الإستقرار النفسي والمادي، فهو، كما سبق الذكر، نمط عيش.

وفي هذا الصدد، لقد سبق أن قلتُ في عدة مقالات، بالنسبة للدين الإسلامي، أننا، نحن البشر، عندما نقرأ القرآن الكريم كله، من أول سورة إلى آخِرِ سورة منه، نلاحظ، أن هذا القرآنَ مُخصَّص (مُوجَّه)، بأكملِه، للإنسان، علما أن نفسَ القرآن يحمل رسالةَ الإسلام وينقُلها لنا، عبرَ آخِرِ الرسل والأنبياء، محمد (ص). والأدِلة على أن الإسلامَ، كدينٍ، جاء لإسعاد الناس، كثيرة، أذكر من بينها ما يلي :

أولاً، القرآن الكريم تطرَّق لجوانب مُتعدِّدة من حياة البشر. منها ما هو مُتعلِّقٌ بالعقيدة، ومنها ما هو مُتعلِّقٌ بمُمارسة هذه العقيدة، أي العبادات، ومنها ما هو متعلِّقٌ بالمعاملات، أي بتنظيم العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بين الناس، داخلَ المجتمعات.

ثانياً، الهدف من تَّخصيص القرآن للبشر، هو إسعادُهم. ومن أهّمِّ ما جاء به القرآن الكريم، في اتجاه إسعادِ الناس، أنه ترك الاختيارَ للناس لِيؤمنوا أو لا يؤمِنوا، بالدين المُنزّل على آخرِ الرسل والأنبياء، محمد (ص)، بعد أن بيَّن لهم ما لهم فيه خير وما لهم فيه شرّ. وأهم الآيات التي تبيِّن أنه، سبحانه وتعالى، يريد الخير للناس جميعآ، أذكر من بينها ما يلي :

1."يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ" (الآية رقم 185 من سورة البقرة).

2."مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ" (الآية رقم 6 من سورة المائدة).

3."وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا" (الآية رقم 27 من سورة النساء).

الآية ألأولى تُفيد بأن الله، عزَّ وجلَّ، أراد ويريد أن تكونَ الأمور الدنيوية سهلةً، أي بدون تعقيد. وإن كان هناك تعقيدٌ، فهو من صُنع الإنسان العاقل والمجبول على الفجور والتقوى.

الآية الثانية تُفيد بأن الله، سبحانه وتعالى، لا يريد التضييقَ على الناس المؤمنين حتى فيما أراده لهم من عبادات.

الآية الثالثة تبيِّن بأنه، سبحانه وتعالى، مستعد ليغفرَ للناس ما اقترفوه من ذنوب لأنه عادِلٌ، ولأنه، كذلك، هو الذي ألهَمَ النفس البشرية الفجور والتقوى. أي أنه يعرف أن الناسَ سيُذنبون. وكي لا يكون ظالِما لهم، فهو مستعد ليغفِرَ لهم ذنوبَهم.

في هذه الآيات الثلاثة، الله، سبحانه وتعالى، يُخاطب البشر. والبشر، جِينِياً génétiquement، مجبولون فِطرياً على الفجور والتقوي، أي أن طبيعةَ البشر تتأرجح بين فعل الخير وفعل الشر. إذن طبيعة (فطرة) البشر، سواءً في الماضي أو في الحاضر، ما دامت فطريةً، لم تتغير. وما دام الخطاب الإلهي، في الآيات الثلاثة، السابقة الذكر، موجهاً للبشر، وما دامت طبيعة (فطرة) البشر، لم تتغير، يجوز لنا أن ننقلَ الخطاب الإلهي من الماضي إلى عصرنا الحاضر.

وهذا يعني أن الإرادة الإلهية، هي الأخرى لم تتغير. بمعنى أن ما أراده الله، سبحانه وتعالى، من يُسرٍ ورفع الحرج حتى في العبادات والتوبة، صالحون لكل زمانٍ ومكانٍ. وهذا شيءٌ طبيعي، ما دام الله، عزَّ وجلَّ، عادلا ويحب الخير لجميع الناس.

والإرادة الإلهية الطيبة la volonté divine bienveillante لا تتوقِّف عند اليسر l'aise وعدم الحرج حتى في العبادات والتوبة. بل تمتد إلى تحريم كل ما من شأنه أن يسيءَ للفرد والمجتمعات، كالاعتداء على الأفراد والمحتمعات، وتحريم كل ما من شأنه أن يُفقدَ الوعيَ، وقتل النفس بغير حق… بل إنه، سبحانه وتعالى، أوصى برعاية الفقراء وبحماية الأسرة، عبر الزواج، وساوى بين الرجل والمرأة، وأوصى، كذلك، بالتضامن وبالتكافل، عبر الزكاة، والتعايش داخل المجتمعات. بل إنه حرَّم الحروب وأجاز الدفاع عن النفس، وحرَّم، كذلك، الكراهية والتَّعصُّب…

إذن، دين الإسلام والأديان الأخرى، سماويةً كانت أم وضعية، هدفها الأول والأخير، هو إسعاد الناس.

مثلا، إذا أخذنا بعين الاعتبار أحدَ الأديان الوضعية، كالديانة البوذية le bouddhisme، فإنها، هي الأخرى، تسعى إلى إسعاد الناس. وأهم شيءٍ، في هذا السَّعي، هو أنها توصي بالتَّعاطف la compassion أو l'empathie وإزالة أو توقيف الألم، و وضعتهما في صُلب عقيدتِها sa doctrine. كما إنها توصي بتطبيق المسلمات الخمس، أي لا تقتل، لا تسرق، لا تكذب، لاتَقُمْ بسلوك جنسي منحرِف أو لا تتناول مواد تُفقِد الوعيَ… كل هذه القواعد les règles تحمي الفردَ والمجتمعَ من الانحراف، ليحُلَّ محلَّها التفكير في الآخر l'altruisme وعدم اللجوء إلى العنف، ونَبْذ الكراهية la haine والعُدوانية l'agressivité…

قد يقول قائل إن الديانات الوضعية استلهمت من الإسلام قواعدَها ses règles ومبادئها ses principes. أجيب وأقول إن الديانات الوضعية، كالبوذية le bouddhisme والهندوسية l'hindouisme، تمَّ إنشاءُها قبل ظهور الإسلام بعدة قرون. الهندوسية، كديانةٍ وضعيةٍ، عمرُها يقارب 4000 سنة، بينما البوذية عمرها يقارب 2500 سنة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى