علي سيف الرعيني _|الالعاب الالكترونية: التداخل بين الحرب الواقعية والإفتراضية !!

في كثير من البيوت التي تعيش ويلات الحروب والصراعات، يجلس طفلٌ أمام شاشة هاتفه أو حاسوبه ليخوض معركة افتراضية شرسة، بينما تدوي في الخارج أصوات انفجارات حقيقية. هنا تتجسد مفارقة مؤلمة؛ فالطفل الذي يهرب من قسوة الواقع يجد نفسه يعيد إنتاج المشهد ذاته داخل عالم رقمي مصمم للمتعة والإثارة.
ومع مرور الوقت، قد يفقد الإنسان حساسيته تجاه مشاهد العنف المتكررة. فالموت الذي كان يثير الخوف والحزن يتحول إلى رقمٍ في لعبة، والدمار يصبح جزءًا من سيناريو مألوف يمكن إعادته بضغطة زر. لا يعني ذلك أن كل لاعب سيتحول إلى شخص عنيف، لكن الاعتياد المستمر على صور القتل والصراع قد يترك أثرًا خفيًا في الوعي وطريقة النظر إلى الحياة والآخرين.
أما الأسرة، فتقف أحيانًا عاجزة أمام هذا التغيير الصامت. فبينما يظن الوالدان أن أبناءهم منشغلون بالترفيه داخل منازلهم، قد يكونون في الواقع يقضون ساعات طويلة داخل عوالم مشبعة بثقافة القوة والسلاح والانتصار عبر الإقصاء أو الإبادة. ومع تراجع الحوار الأسري وتزايد العزلة الرقمية، يصبح من الصعب اكتشاف التأثيرات النفسية المتراكمة إلا بعد فوات الأوان.
وتزداد خطورة الأمر عندما تتزامن الألعاب الحربية مع واقع مليء بالنزاعات. فبدل أن تكون الحرب حدثًا استثنائيًا يجب رفضه ومقاومته، تتحول تدريجيًا إلى مشهد عادي يتكرر في الأخبار والألعاب معًا، فتتآكل مشاعر التعاطف ويضعف الإحساس بقيمة الحياة الإنسانية.
ويروى أن شابًا كان مولعًا بألعاب القتال الإلكترونية، يقضي ساعات طويلة يوميًا في خوض المعارك الافتراضية، ويعتبر القتل داخل اللعبة مجرد وسيلة للفوز وحصد النقاط. وفي إحدى الليالي، استيقظ على خبر مقتل أحد أقاربه في حادثة مرتبطة بالحرب. حينها وجد نفسه عاجزًا عن استيعاب الحقيقة؛ فالمشهد الذي اعتاد رؤيته آلاف المرات على الشاشة لم يكن هذه المرة مجرد شخصية تعود للحياة بعد ثوانٍ، بل إنسانًا حقيقيًا رحل بلا عودة. جلس أمام جهازه مطولًا، يتأمل شخصيات اللعبة وهي تسقط ثم تنهض من جديد، بينما أدرك لأول مرة أن الموت في الواقع لا يملك زرَّ إعادة تشغيل.
عند تلك اللحظة المؤلمة، انكسرت المسافة بين العالمين؛ بين حربٍ افتراضية تُمنح فيها أرواحٌ لا تنتهي، وحربٍ واقعية تخطف الأحبة وتترك في القلوب فراغًا لا يملؤه شيء. وهناك فقط بدأ يتساءل: هل كنا نلعب بالحرب، أم أن الحرب كانت تلعب بعقولنا بصمت؟
إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في منع التكنولوجيا أو رفض الألعاب الإلكترونية، بل في بناء وعيٍ إنساني قادر على التمييز بين التسلية وبين تطبيع العنف، وبين المنافسة المشروعة وبين تحويل الحرب إلى مشهد اعتيادي. فحين تصبح الحياة أقل قيمة على الشاشة، قد يصبح الحفاظ على قيمتها في الواقع أكثر صعوبة، وهذه هي الخسارة التي لا ينبغي لأي مجتمع أن يقبل بها!!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى