علجية عيش.. الفتنة الطائفية هل هي مشروع سياسي أم صراع عقائدي؟



المذهب الزيدي هو أقرب المذاهب الإسلامية إلى السُنّة

تتشكل المجتمعات العربية من فسيفساء اجتماعية و دينية و سياسية متنوعة تجمعها هوية اللغة و الثقافة و التاريخ المشترك و الإمتداد الجغرافي، فهي محكومة بالتنوع المذهبي ( سُنّة، شيعة، علويين، دروز) كما هي محكومة بالتنوع المناطقي ( شمال، جنوب ، شرق ،غرب ) و بالتالي فهي بحاجة إلى التوازن السياسي و العيش المشترك في ظل التغيرات التي تشهدها الساحة العربية لأن الفتنة ليست دينية بل هي خلاف سياسي يستخدم الدين كأحد أدواته

يسيل الحبر كلما جاء الإحتفال بيوم عاشوراء عند الشيعة ، تتنوع فيها الكتابات و التعليقات فهذا من شيعته و ذلك من عدوّه و القرآن الكريم حافل بالقَصَصِ و منها قصة النبي موسى عليه السلام عندما دخل المدينة و وجدا رجلان يقتتلان، و غيرها من القصص، و مهما كانت صور الإختلاف بسبب التعددية الدينية أو المذهبية ، فكل ما نقرأه هنا و هناك و آراء الناس بمختلف مستوياتهم الفكرية، العلمية و الثقافية ، فإنها لا تخرج عن دائرة “ الفتنة “ و الفتنة الطائفية كما عرّفها باحثون و منهم الباحث المصري سامح فوزي تعبّر عن كراهية التعايش و الضيق من التنوع الديني و الرغبة في رؤية المجتمع أحادي في التوجه الديني، أما التعددية الدينية فهي تجسد الإمتداد الحضاري للمجتمعات على مدار قرون من التعايش الإسلامي مع الأديان الأخرى المسيحية و اليهودية و الحفاظ على الإستمراريو و التواصل طالما الثلاثة أهل كتاب.
WhatsApp-Image-2026-06-25-at-11.28.13-PM-2-750x430.jpeg

و الفتنة مشروع سياسي قبل أن يكون عقائدي، لأن الصراع له جذور عميقة في التاريخ الإسلامي ، بدأ بعد وفاة نبيّنا محمد (صلعم) ، فقد عرف التاريخ الإسلامي سلسلة من الإغتيالات من أجل السلطة بدءًا من مقتل الخليفة الثاني عمر ابن الخطاب ، ثم عثمان بن عفان ثم علي بن ابي طالب ثم ابنه الحسين وهم الذين نزلت فيهم الآية الكريمة “ أولئك هم خير البريّة” ، إلا أن الصراع استمر إلى غاية سقوط الخلافة الإسلامية ، فبخصوص مقتل الحسين ابن علي و فاطمة الزهراء بنت رسول الله (ص)، تقول الروايات أن ظاهرة التطبير انتقلت تاريخيا من بلاد لآخرى بين إيران و لبنان و أذربجان إلى أن وصلت إلى العراق لأن جريمة مقتل الحسين وقعت في “كربلاء” و صار المسلمون من الشيعة في العالم الإسلامي كله يَحُجُّونَ إليها ( كربلاء) كل عام يُّعَبِّرُون فيها عن ألم الحسين رضي الله عنه، من خلال ممارسة تعذيب الذات، و هو نوع من الطقوس عندهم جعلوها سُنّة ، كما تقول الروايات أن هذه الطقوس عرفت كذلك عند المسيحيين من الشباب الذين يعيشون داخل الدير، حيث يقومون بجلد ظهورهم ليشعروا بألم المسيح و هو يصلب.

فالفتنة إذن هي مشروع، تبقى مسألة إن كانت مشروع سياسي أو عقائدي فهذه فيها اختلاف بين المفكرين و المهتمون بالفكر الإسلامي ، إلا أن هناك من يرعاه (أي المشروع ) فكريا، و كما يُقال، يمدّونه بماء البقاء على مدار التاريخ، أما التعددية الدينية كما يقول سامح فوزي فهي هاجس يدعو لها عدد من المثقفين و النشطاء في الحقل السياسي، و الإثنان الآن على المحك، و تتميز بالتوتر و مساجلات بين مؤيد و معارض، بينما يرى طرف ثالث أنها تدخل ضمن الحريات الفردية، خاصة مع صعود التيار الإسلامي و كل طرف ينتقد الآخر و يتهمه بالإنحراف الفكري والعقائدي، و تجمع الآراء على أن الأمر يتعلق بممارسة الحرية الدينية في المجتمع، ففي كربلاء و من خلال الفيديوهات نرى كيف هم الشيعة منتظمون فلا يتعرضون للملاحقات الأمنية و هم يمارسون طقوسهم، لأنها لا تضر بأمن الدولة ، فهي بالنسبة لهم، حياة فردية و تدخل ضمن الحريات الفردية طالما هم ملتزمون باحترام النظام العام، للإشارة أنه ليس كل الشيعة يمارسون هذه الطقوس، فالعديد منهم يكتفون بزيارة العتبة الحسينية والعباسية المقدّسة عندهم، للتبرك بها، مثلما هو الشأن في دول المغرب العربي أين يزور الناس الأضرحة من أجل التبرك بها و يؤدون طقوسهم كما هو موجود عند العيساوة مثلا، حتى أننا نقرأ عن بعض المذاهب التي هي قريبة من مذاهب أهل السنّة كالمذهب " الزيدي" الذي هو قريب من مذهب السنة ، إذ أن الفقه الزيدي هو فقه حنفي، و هذا المذهب هو نسبة إلى الإمام زيد بن علي بن الحسين بن ابي طالب ، فقد بُنِيَ مذهبهم كما تقول الروايات على أساس “الإجتهاد” و التحرر الفكري و غالبا ما يُطلق عليهم اسم سُنّة الشّيعة و شيعة السُنّة و يعود السبب في ذلك إلى تفضيلهم الإمام علي بن ابي طالب و ولديه الحسن و الحسين على بقية الصحابة ، إلا أنهم يُقِرُّون و لا يعارضون خلافة ابي بكر الصديق و عمر و عثمان وفق قاعدة ما يعرف بجواز إمامة المفضول مع وجود الأفضل أو الفاضل.

فالمسلمون في العالم الإسلامي منقسمون بين سُنّة و شيعة، و الإسلاميين من السنة منقسمون كذلك بين ( سلفية دعوية و سلفية جهادية ، أحناف، صوفية و شوافع ) و الشيئ نفسه عند الإسلاميين من الشيعة ( أصوليين، مجددين مع أو ضد ولاية الفقيه) لكن لهم قاسم مشترك هو الدين و اللغة و تربط بينهم علاقات تاريخية كما نقرأه في العلاقة بين الجزائر و العراق أيام الإحتلال الفرنسي حين وقف العراق إلى جانب الثورة الجزائرية و دعمها ماليا و دبلوماسيا ، و لا تزال العلاقية بين البلدين قائمة سياسيا و دبلوماسيا إلى اليوم و لا أحد يتدخل في خصوصيات الآخر، و هذا يدعو إلى تعزيز اللحمة بين الشعوب العربية و ما يربطها من قواسم مشتركة.

علجية عيش

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى