الفرق بين الوطنية الساذجة والوطنية الذكية

أنا شخصيا، أُفضِّل كلمةَ "الوطنية"، المترجمة إلى الفرنسية بpatriotisme على كلمة "المواطنة"، المترجمة إلى الفرنسية بcitoyenneté. لماذا؟ لأن كلمة "الوطنية"، إن أردنا تحليلَها تحليلاً عقلانيا، تشير لل"وطن الأم" la patrie، أي التربة أو التراب، بسمائه وهوائه وسهوله وجباله، والذي وُلِدَ فيه الشخصُ (رجلُ أو امرأةٌ) وترعرع فيه وهو طفل وشاب وكَهُلَ وشاخ فيه، أي قضى فيه عمرَه إلى أن وافته المنية.

وعندما نقارِن "الوطنية" و"المواطنة"، فإننا نجد بأن الأولى، أي "الوطنية" تُحرِّكها عاطفة الإحساس بالانتماء للوطن. بينما الثانية، أي "المواطنة" لها طابعٌ une connotation سياسي politique وقانوني juridique، إن لم نقل أخلاقي moral. ولهذا وحسب رأيي الشخصي، فهذان المفهومان متكاملان، عقلاً وعاطفةً. فالعاطِفة تحثُّ على الاستعداد لمزيدٍ من العمل، والعقل يُفكِّر لإنزال العمل على أرض الواقع.

ولهذا، فعندما أرى جحافلَ من البشر يحتفلون بانتصار المغرب على فريقي اسكتلندا وهايتي، أفرحُ مثلَهم وأُحسُّ بانتِمائي للوطن الأم la patrie يكبُر ويزداد حجما. كذلك الشأن، عندما أسمع مسؤولا يبشِّر الناسَ بخبر إنشاء معلمتي مينائي الناظور والداخلة…

لكنني أحزن عندما أسمع مسؤولا يُناوِر ويستعمِل الحِيلَ لا ستقطاب الأصوات في الانتخابات التَّشريعية المُقبِلة. وهذا هو ما فعله رئيس الحكومة الحالي، السيد عزيز أخنوش. قال : الساعة الإضافية التي عمِلت بها البلادُ منذ سنوات، سيتِم إلغاءها في آخِرِ الصيف الحالي. والحقيقة أن هذا الإلغاء ليس استِجابة لطلبات المواطنين، المُتكرِّرة. وإنما مُناورة سياسية une manœuvre politique يُرادُ بها "سحب الفراش le tapis من تحت أقدام حزب العدالة والتنمية" tirer le tapis de sous les pieds du parti de la lampe الذي جعل من إلغاء هذه الساعة موضوعا لحملتِه الانتخابية المقبِلة. هكذا يكون النفاق السياسي الذي أصبح واحِدا من العملات المتداولة التي تلجأ لها الأحزاب السياسية للتواصل مع الشعب المغربي.

والآن، دعوني أوضِّح للقارئ لماذا أشَرتُ، في عنوان هذه المقالة "للوطنية الساذجة" و"الوطنية الذكية"؟

الوطنية الساذجة هي الوطنية التي يُحسُّ المنتمون لها بانتمائهم للوطن، لكن بدون تشغيل العقل. وهذا يعني أن المنتمين لها، بحُكم سذاجتِهم، يقبلون أو يُصدِّقون كلَّ ما يسمعون أو يقرؤون أو يرون، أي بدون نقد critique أو نقاش débat. وأحزابُنا السياسية تتحمَّل جزئيا مسؤولية وجود هذا النوع من الوطنية. كيف ذلك؟

أثناءَ الخمسينيات والستينيات والسبعينيات والثمانينيات، كانت الأحزاب السياسية، القليلة العدد، عبارة عن "مدرسة" يتعلم فيها المنخرِطون "الوطنية" و"المواطنة"، وأشياء كثيرة كالنضال le militantisme والحقوق les droits والواجبات les obligations وأهمية السياسة…. اليوم، أصبحت الأحزاب السياسية عبارة عن كتلة أشخاص هدفُهم الأساسي، الأول والأخير، هو التَّسابُق للوصول إلى كراسي السلطة.

بل إن كل سياسي له حاجة في نفس يعقوب يريد تحقيقَها، بكيفية مشروعة أو غير مشروعة. ونفس الشيء ينطبِق على كلِّ مَن ينوي الانخراطَ في حزبٍ سياسي. إذن، ألأحزاب السياسية التي كانت، في الماضي، عبارة عن "مدارس تعليم وتعلُّم"، أصبحت اليوم عبارة عن مطياتٍ des tremplins يركبها الانتهازيون les opportunistes لتحقيق مآرِب des buts مشروعة وغير مشروعة. فما هو السبب الرئيسي في هذا الانقلاب في هوية الأحزاب السياسية؟

السبب الرئيسي، هو أن قيادات les dirigeants أحزابِنا السياسية لم يعودوا نسخةً طبقَ الأصل لقيادات الماضي القريب التي كانت بمثابة معلِّمين ومدرسين في "مدارس التعليم والتعلًّم" الحزبية. بمعنى أن القيادات الحالية أعماها الوصول إلى كراسي السلطة لحاجات في نفس يعقوب، مشروعة وغير مشروعة. بل جعلها تتخلى عن مبادئ الحزب وعن كل ما من شأنه أن يُعطِيَ للحزب مصداقيةً une crédibilité اجتماعية sociétale.

أما "الوطنية الذكية"، فهي الغائب أو لنَقُلْ الغائب النادر الوجود، الذي لا يُسمَع صوته أو يضيع في متاهات labyrinthes الانتهازية l'opportunisme والزبونية le clientélisme والمحسوبية le népotisme وكل الآفات التي أصبحت، بكل أسفٍ، جزأً لا يتجزَّأ من السياسة. و"الوطنية الذكية" هي السلاح الوحيد الذي يملكه المُثقَّفون لمواجهة "الوطنية الساذجة". لكن جلَّ المثقفين تركوا السياسة جانِباً وتفرَّّغوا للعمل في مجالاتِهم الفكرية. لكنهم تركوا البابَ مفتوحا على مصراعيه للانتهازية.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى