أ. د. عادل الأسطة - خربشات. ٢ تموز من كل عام

١
دولة اسرائيل وقراقوش :

لسميح القاسم مسرحية عنوانها " قراقاش " ينتقد فيها الدولة العبرية .
أمس تذكرت المسرحية ، فلقد استمعت إلى الحكم الصادر على السجين الفلسطيني ابراهيم حامد .
المحكمة حكمت عليه بالسجن 54 مؤبدا .
ترى هل ستعمر الدولة نفسها هذه المدة ؟
لا شيء يبقى على حاله . هكذا تعلمنا وبلاغة الزيادة النقصان . هذه حكمة كررها محمود درويش في جداريته مقتبسا إياها من العهد القديم ؛ عهد ابناء العمومة .
أبناء العمومة أيضا طريفون . إنهم مثلنا في هذا الجانب .
صباح الخير يا دولة اسرائيل وصباح الخير يا شارون ، ورحم الله زميلك ورفيق دربك اسحق شامير ، ورحم الله أيضا زوج خالتي أبا محمد .
٢٠١٢

٢
أمناء الفصائل الفلسطينية ونوابهم .. هل لديهم وعي إنساني؟ :

هل أمناء الفصائل الفلسطينية بيسارها ويمينها لديهم وعي وحس إنساني؟
هل يختلفون عن باعة الفجل والبطاطا والبفدونس ؟
هل يختلفون عن أبي وأمي اللذين لم يدرسا ماركس والقرآن الكريم وسارتر؟
أعتقد أن أمناء الفصائل الفلسطينية - بلا استثناء - ومثلهم أكثر - إن لم يكن كل - المثقفين والمتعلمين - أخص أساتذة الجامعات - لا يختلفون في وعيهم الاجتماعي عن أبي وأمي في هذا الجانب ، بل وعن سائقي الشاحنات وميكانيكيي السيارات الحديدية لا السيارات البشرية - هكذا قال لي ظالم المعلم -
هل أذهب إلى ما يذهب إليه ظالم ؟
ظالم قال لي أيضآ :
- أظن أن أبناء العمومة لا يختلفون عنا ، على الرغم من كراهيتهم للعرب ونعتهم بأنهم أبناء الصحراء .
ترى ما هي قصة ظالم ولماذا يذهب إلى ما يذهب إليه؟
أنا اسأل نفسي .
حين سألت ظالم عن السبب سألني السؤال الآتي
- ألم تصدر روايتك " تداعيات ضمير المخاطب " بمقولة ( هاينرش هاينة ) عن الحشرات البشرية؟
وأضاف :
- ها نحن صرنا ثلاثة أنا وأنت و( هاينرش ) .
هذا الصيف أخذت أدرس مساق البحث العلمي وتوقفت أمام ( ديكارت ) وما فعله بما تعلمه في المدرسة .
لقد أهمل ( ديكارت ) كل ما تعلم في المدرسة ، ليتعلم من الحياة ، ورأى أن المدارس تعلم الجهل .
- هل هذا صحيح ؟
انتظر إجابة من ظالم المعلم ، ولكن لماذا لم تخض أكثر في أمناء الفصائل يا ظالم ؟
٢٠١٢

٣
غسان كنفاني..فارس فارس ثانية :

لماذا تذكرت وأنا أعيد قراءة غسان كنفاني الشعراء غسان زقطان ومحمد الريشة ومحمود أبو الهيجاء ومحمود درويش والروائي إميل حبيبي ؟
ماذا لو كنت حادا مثل غسان كنفاني؟
هل هذا ما سأكتبه لمقالة الأيام يوم الأحد في ذكرى استشهاد غسان كنفاني ؟ ربما !
افرح يا محمد الريشة فسأضع اسمك إلى جانب اسم غسان كنفاني .
٢٠١٢

٤
في كل يوم لنا جثة :

هذا الصباح لم تكن لنا جثة واحدة ، بل كانت لنا جثتان ، واحدة في جنين ، والثانية في سعير في الخليل ، أم تراني ما زلت نائما وأحلم ؟
ابن جنين استشهد على أيدي قوات الاحتلال ، وابنة سعير /الخليل ، وهي ابنة 15عاما ، ظروف قتلها لم يفصح عنها .
وحربك حريان ، كتب محمود درويش في 70 ق 20 ، كانت الأول مع الاحتلال والثانية مع النظام العربي الذي كان يلاحق الثورة الفلسطينية ويحاصرها ، وأما الآن .......
هناك هدنة مع النظام العربي ، ولكن ليس هناك هدنة مع التخلف الاجتماعي .
مع التخلف أنت تعيش ، كما كتب غسان كنفاني في " الصغير يذهب الى المخيم ، زمن الاشتباك ، وكان يجب أن أعيش 25 سنة زمن الاشتباك ، مع التخلف طبعا .
٢٠١٤

٥
الوقوف على الأطلال :

هل يمكن القول إن الوقوف على الأطلال غدا فكرة محورية من محاور أدب العائدين ؟
وماذا عن أدباء ولدوا في المنفى ، مثل غسان زقطان ، وزاروا قرى آبائهم التي لم يشاهدوها قبل عودتهم في 1993 ؟
لناخذ مثلا غسان زقطان نفسه .
ولد غسان في 1954في أحد مخيمات اللجوء ، ولم ير قرية أبيه " زكريا " إلا بعد عودته اثر اتفاق اوسلو ، وحين زار قرية أبيه ، ووصف ، لأمه ، ما شاهده ؛ أمه التي كانت ما زالت تقيم في المنفى ، سألته عن أشياء لم يتحدث عنها ولم يرها على ما يبدو ، وهكذا غدا المكان نفسه ، في زمنين مختلفين ، مختلفا .
حين وقف غسان على أطلال قرية والديه ، لم يشاهد ما ظل عالقا في ذاكرة أمه التي عاشت في المكان ، وستزور المكان نفسه - أي قريتها زكريا - لاحقا .
هل يعد وقوف غسان على أطلال قرية والديه ، وقوفا على الأطلال ؟
وهل يمكن أن تدرج روايته " عربة قديمة بستائر " 2011 ضمن أدبيات الوقوف على الأطلال ؟
ستسجل إحدى طالباتي ، معي ، رسالة ماجستير ستدرس فيها موضوعا اقترحته عليها عنوانه " الوقوف على الأطلال في الادب الفلسطيني " وكنت كتبت ، في الأيام الفلسطينية ، دفترا عن الموضوع .
ربما يكون الموضوع لافتا ، بل إنه كذلك .
٢٠١٤

٦
في الحافلة :

كانت الحافلة شبه ممتلئة وكنت الراكب قبل الأخير ، وقد انتظر السائق حتى يكتمل العدد ، ولم يطل الانتظار .
كان الراكب الأخير امرأة معها ولدان لا يتجاوز أكبرهما الرابعة فيم كان الثاني أصغر بسنتين . الصغير بدأ يبكي ، ما دفع الراكب المجاور مقعده لمقعد الأم يداعب الطفل ، وبدلا من أن يطلب منه السكوت ويسترضيه ، قال :
- ابك ، وظلك اصرخ . كما تريد .
سكت الطفل لدقيقة تقريبا ،ما جعل الرجل يقول لأم الطفل :
- هكذا هم الأطفال ، وأنا عندي أطفال مثله ، وحين يصرخ أخاطب بهذه الطريقة:
- اصرخ اصرخ أكثر ، ولا أطلب منه الصمت ، لأنني لو فعلت فسيظل يصرخ ، وحين أشعره أنني غير مكترث بصراخه وعياطه وبكائه يصمت .
هل كان الرجل درس تربية أطفال ؟
لم تمر الدقيقة الثانية حتى عاد الطفل للبكاء والصراخ من جديد ، وهكذا لم تفلح النظرية التربوية للرجل ، وقد أدرك هذا ، فصمت ، وربما ما دفعه للصمت أكثر ان والدة الطفل التي كانت تبتسم ، ظلت تلتزم الصمت ، وتهدهد طفلها ، وما إن وصلت الحافلة إلى المكان الذي يهبط فيه الراكب ، حتى غادرها صامتا وربما خائبا من نظريته التربويه .
بم كنت أنا أفكر ؟
ربما كنت أتابع شابا يعرف اسم الطفل الأول ، ولطالما ناداه باسمه ليأتي ويجلس بالقرب منه ، ولكن هيهات،فقد ظل الطفل قريبا من أمه .
كنت شاهدا كما لو أنني أتابع مسلسلا ، ولم يكن المذياع مفتوحا ولم تكن الحاجة أم كلثوم تغني.
٢٠١٥

٧
32 / 6 / 1967
( حزيران الذي لا ينتهي ) 28

( ربع اقلب ، أم ربع شالوم ) :

بعد الحرب بفترة بدأ العمال يسافرون يوميا إلى مدن فلسطين المحتلة في العام 1948. يصحون مبكرين ، في الرابعة فجرا ، ويعودون في السادسة أو السابعة ، مساء ، منهكين . وفي نهاية الإسبوع ، يوم الجمعة يعودون بغلة وفيرة ، وما إن يبدأ نهار السبت حتى تجد المدينة ، نابلس ، عامرة ، كما لم تكن في أي يوم من أيام الأسبوع .
ينفق العمال مما كسبوا ويشترون ما لم يكونوا ، من قبل ، زمن الحكم الأردني ، يشترونه ، بخاصة اولئك الذين بدؤوا يعملون في الداخل ، ولم يترددوا للحظة .
فتحت المصانع الإسرائيلية أبوابها للرجال ، وللنساء ممن رغبن ، وأغدقت عليهم الأموال ، ولم يبخل هؤلاء على أنفسهم ، فإن الله يحب أن يرى أثر ( اسرائيل ) على الفلسطينيين ، العبيد الجدد للدولة الجديدة . ( اشير هنا إلى روايتي سحر خليفة " الصبار " 1976 و " عباد الشمس " 1979 / 1980 . إنهما أفضل ما كتب عن تلك الأيام )
كانت شوارع نابلس تكتظ بالناس ، بخاصة من العمال ، وأخذت الحركة التجارية تزدهر . أكل الناس الدجاج واللحوم ، واشتروا الفواكه ، واشتروا الملابس أيضا ، وجاء الصحفيون ، زرافات ووحدانا ، وأخذوا يسألون الناس عن أوضاعهم الجديدة وعن رضاهم عنها ، بل وأخذوا يسألون الناس إن كان الوضع أفضل مما كان عليه زمن الحكم الأردني ، وهل يفضل الناس الحكم السابق على الاحتلال أم أنهم يفضلون العهد الجديد ؟
( سبعين شالوم ولا اقلب ) قال بعض الناس ممن تحسنت أحوالهم ، ولما كنت لاحظت أن أحوالنا تحسنت قليلا ، فقد أبديت رأيي ، مرة ، لأحد الصحفيين ، دون أن يكون السؤال موجها إلي شخصيا . لقد وجدتني أصغي وأجيب - ربما لاعتبار أنني سأكون بعد أربعين عاما شخصا يسأل عن رأيه ، ربما ، فلم أكن يومها اتجاوز الخامسة عشرة من عمري ، ولم أكن أعرف خمسي من طمسي ، أو كوعي من بوعي -- أيضا حتى الآن لا أعرف الكوع من البوع ، ومرفق اليد من الساق --. والآن أضحك كثيرا من وعيي السياسي المبكر ، الوعي الذي لم أكتسبه حتى اللحظة .
( سبعين شالوم ،ولا اقلب ) ولم تكن ، يومها ، المستوطنات قد بدأت تقام ، ولم تكن المظاهرات ضد الاحتلال ، خلافا لغزة ، بدأت .
لم ترق تلك الأيام ، وأحوال نابلس ، يوم السبت ، لم ترق للشاعرة فدوى طوقان ، فكتبت قصيدة وجهتها للشاعر عبد اللطيف عقل ، تعبر فيها عن شعورها بالامتعاض والحزن في أيام السبت ، حيث العمال في الشوارع يشترون ويتلفظون بعض المفرادات العبرية ( شالوم،خواجة ، هكول بسيدر ) ، -- عنوان القصيدة " تفاءل معي " وفيها تبدو السخرية في أشعار فدوى ، وهي نادرة --
( لقد فتح الاحتلال " المبارك " / -
أبواب رزقه /
ومتعه بعد طول الهوان بحقه/
وهذا رخاء عظيم !! /
فبارك على العالمين ) ورد عليها عبد اللطيف عقل بقصيدته " الصمت والارتحال "
( تفاءل معي /
تهكمت ، يلذعني السوط )
ولم ترق قصيدة فدوى وموقفها من العمال هؤلاء للشاعر فوزي البكري ، الشاعر الصعلوك ابن القدس ، الذي وقف إلى جانب العمال ، فدافع عنهم وكتب قصيدته " شريط على الهدية ، وهاجم الشاعرة والطبقة البرجوازية التي تنتمي إليها ، وظهرت قصيدتا فدوى وعقل في ديوانه ( هي أو الموت ) 1973 وظهرت قصيدة البكري في ديوانه ( صعلوك من القدس القديمة ) 1982. كان البكري قاسيا جدا وساخرا من الشاعرة التي تمنت أن تأتي نساء فيتنام ليلدن لنا مقاتلين ، وكانت المقاومة الفيتنامية في ذروتها -
( شبعتم فلا غرو أن تسخروا /
بأهل الرصيف /
فمال الصمود /
يشل الزنود /
ويبهت في العين لون الرغيف /
شواء وحلوى )
سارى نفسي ، في حزيران ذاك ، فقد تشابهت الأشهر ، سأرى نفسي أكرر ( سبعين شالوم ، ولا اقلب ) ، ولم أكن ، مثل أكثرنا ، بعيد نظر ، ولم أر الأمور جيدا إلا بعد أن زرعت الضفة بالمستوطنات ، وإن كنت أخذت أشارك ، في فترة مبكرة ، في المظاهرات ضد الاحتلال .

2./ 7 / 2016

٨
بدأت الأمور في غزة :

- لا وجود لغسان كنفاني ويجب إسقاط اسمه عن المدرسة أو الشارع .
انتقلت الأمور إلى جنين :
- هدم نصب خالد نزال .
في 70 ق 20 كتب أحمد دحبور " يا فلسطين التي تغتال في عمان ثانية ".
ترى هل لسان حاله :
- " يا فلسطين التي تغتال عاشرة في غزة وجنين "
وكان مظفر النواب كتب :
- " لقد منعوا دفن طفل من اللاجئين بمقبرة في ظاهر الشام /
- يا أرض غزة فاسترجعيها لئلا مقابرهم تستفز " .
أكيد لو رغب أهل كنفاني في نقل جثمانه إلى غزة أو أهل معين بسيسو في الشيء نفسه لاعترض أمراء غزة ، فهذان ملحدان كافران.
ربما يحدث الشيء نفسه في الضفة ، وقد يسأل أخوك عن نصيبه من الميراث ثم يعترض على الصلاة عليك أو دفن جثمانك في مقابر المسلمين والمسيحيين واليهود .
لا بد من العودة إلى رواية جبور الدويهي
" شريد المنازل " .
الله المستعان به .
2 / 7 / 2017

٩
جوخة ٤٤ :
جوخة الحارثي : شجرة الريحان وموت أم عبدالله ، ( حول الشخصية في الرواية )

هل تعد شخصية أم عبدالله شخصية ثانوية أم شخصية رئيسة ؟
هذا يعيدنا إلى كتب النقد الأدبي الخاصة بالجنس الروائي لنقرأ عن الفرق بين الشخصية الرئيسة والشخصية الثانوية .
لا تحضر والدة عبدالله الراوي الرئيس في الرواية وإحدى شخصياتها الأساسية ، لا تحضر في الرواية حضورا لافتا ، فلقد اختفت ولم نصغ لها ولم نقرأ عن زواجها وأسرتها وحياتها مع زوجها أو عن ولادتها واحتضان ابنها كما قرأنا مثلا عن ميا زوجة عبدالله أو عن ظريفة وأمها وغيرهن من الشخصيات .
تحضر والدة عبد الله من خلال أسئلة ابنها عنها . مرة يسأل عبدالله عمته عن أمه فتشيح بإشارة ، وثانية يسأل عنها ظريفة فتتظاهر بعدم المعرفة ، ولا نعرف السر ، كما لاحظنا إلا من خلال مسعودة التي صارت تتذكر الماضي السحيق بسبب إصابتها بالزهايمر ، ولو لم تصب به لظل السر في أعماقها خوفا من أن يقتلها التاجر سليمان سيدها .
يلح طيف والدة عبدالله عليه ولا يستطيع أن ينسى أنه ولد من أم اختفت في طفولته . إن الأم تظل ملازمة له ، فهل هي إذن شخصية ثانوية ؟
يرى بعض النقاد أن ثمة روايات كان حضور بعض الشخصيات فيها حضورا عابرا ولكنه حضور حكم مجمل الرواية ، ويعد هؤلاء النقاد مثل هذه الشخصيات شخصيات رئيسة لا شخصيات ثانوية ، وأعتقد أن أم عبدالله البيولوجية واحدة من الشخصيات الرئيسة في الرواية ، على الرغم من أنها ظلت مجهولة الأصل والفصل والملامح الشخصية ، وعلى الرغم من أنها لا تتكلم ولا تحاور ولا تربي ابنها .
إن كان ما روي عن علاقتها بغير زوجها صحيحا ، فهي التي حكمت حياته كلها : تركته بلا أبناء إلا عبدالله وجعلته يعود ليتخذ ، من جديد ، من ظريفة ، وربما غيرها من الإماء خليلات له ، بعد أن تزوج نتيجة لوم أخته له لصلته بالعبدات .
وربما رأى عبدالله في ميا التي أحبها الأم التي افتقدها ، فهو لم يتزوج من خولة التي كانت أصغر منه ، وخولة هي من اختارها والده لتكون زوجة له ، وإنما اختار ميا الأكبر منه سنا والأقل من أختها جمالا .
يسأل عبدالله عمته حين تخبره أن شجرة الريحان هي من قتلت أمه :
" - كيف يا عمتي ؟ كيف تقتل شجرة الريحان ؟ "
ويعيد السؤال على ظريفة :
" - كيف ماتت أمي بشجرة الريحان يا ظريفة ؟ "
وتجيبه :
" - لا أعرف ".
لقد نشأ عبدالله طفلا لا يعرف شيئا عن أمه ، ولكنه ظل يسأل عنها وظلت تحضر في مواطن كثيرة .
يحضر الحديث عن وفاتها في الصفحة ١٩٩ ، وفيها تلميح إلى سمها من عمة عبدالله " قال الناس في العوافي إن امرأة شابة وقوية مثل أم عبدالله لا يمكن أن تموت خلال يومين أو ثلاثة بلا حمى نفاس " و " قالت أخت التاجر سليمان إنها حرصت على إعداد طعام النفساء بنفسها ، لكن لون المسكينة تغير إلى الأزرق الكامد خلال أيام " .
ويحضر في الصفحة ٢٠٦ و ٢٠٧ حين تتكلم مسعودة .
" كان وزوجه ينامان في غرفتين منفصلتين منذ ولادتها عبدالله قبل ثلاثة أسابيع ، دقت أخته الباب ودخلت مباشرة ، اعتدل في فراشه : " خير ؟
" ، رمقته بنظرة طويلة : " حرمتك " . " شفتها هي وسليم عبد الشيخ سعيد تحت شجرة الريحان " .
٢ تموز ٢٠١٩ .

١٠
مجتمع النخبة والبذاءة :

في رواية زياد عبد الفتاح Ziad Abedelfattah "الرتنو " الصادرة عن مكتبة " كل شيء " في حيفا في العام ٢٠١٨ ، وتجري أحداثها في فندق "الرتنو " في رام الله ، حديث عن مجتمع النخبة من سياسيين وأدباء ومقاتلين قدامى / حرس قديم .
غالبا ما يعتقد الناس أن مجتمع النخبة هذا حلو اللسان وذو أخلاق عالية تترفع عن السباب والشتائم والخوض في موضوعات الجنس .
في روايته يقدم عبد الفتاح صورة مختلفة لهذا المجتمع هي الصورة الحقيقية تقريبا ، وأنا أعرفها حقا ، فقد شهدت مجالس تشبه مجلس الليلة التاسعة عشرة من ليالي كتاب أبي حيان التوحيدي " الإمتاع والمؤانسة " .
في فندق " الرتنو " حين يجتمع رواده والنازلون فيه تكون أحاديثهم " بالصلاة على النبي " ، فالنكت والشتائم والغيبة والنميمة والكلام البذيء واللاخلاقي و ... و ...
خذوا الفقرة الآتية :
" على أن الجلسات المسائية كانت أم الجلسات تدور خلالها حوارات ، تتناول شؤونا في السياسة والثقافة وتبادل معلومات وخبرات ، ولا تخلو من حديث عن الذكريات ، ومن طرف وحكايات ونكات تكون أحيانا بالغة البذاءة ، وقد تتمدد فتستعرض ما يجري ، وما لا يجري في مجتمع النخبة وحتى العالم السفلي " ص ٤٠ .

في العام ١٩٨٣ قررت أن أدرس رواية الطيب صالح " موسم الهجرة إلى الشمال " فاعترض والد طالبة بحجة أنها رواية غير أخلاقية فكيف تدرس في كلية الآداب ؟
أحد زملائي - رحمه الله - قال لي :
- يا أستاذ كيف تدرسها ؟ والله إنني أخجل من وضعها في مكتبتي .
مرت الأيام وإذا بزميلي وزميل آخر يجتمعان كل صباح ويروي كل منهما آخر النكت الأخلاقية جدا جدا ، وقد فوجئت بما سمعت ، وفيما بعد ، حين أخذت أشارك في مؤتمرات في العالم العربي كنت أصغي إلى مثل هذه النكت الأخلاقية تروى بسرور واضح . ( كتبت عن شيء من هذا في نصي " ليل الضفة الطويل " ١٩٩٣ ) .
على فكرة فإن الفيلسوف الإسرائيلي الكبير ( لايبوفيتش ) الذي صرخ عاليا ضد الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة وطالب بعد ١٩٦٧ بالانسحاب منهما ، لأنه رأى في الاحتلال خرابا أخلاقيا ، كان يتابع أفلام البورنو بشغف .
كان ( لايبوفيتش ) لا يرى في مشاهدة أفلام البورنو تخريبا للأخلاق ، فما يدمر الأخلاق هو الاحتلال .
٢ تموز ٢٠١٩

١١
أنا والجامعة : برنامج الدكتوراه ثانية ٤٠ :

تأجل افتتاح برنامج الدكتوراه في القسم عشر سنوات وأكثر ، تقاعد خلالها ما لا يقل عن خمسة من الأساتذة ، ولكنهم ظلوا يحاضرون كأعضاء هيئة تدريس غير متفرغين .
خلال هذه السنوات العشر اقترح أحد أعضاء القسم ، في اجتماع لرئيس الجامعة مع مدرسي كلية الآداب ، افتتاح برنامج دكتوراه لغة عربية ، ما دفعني للاعتراض ثانية ، مكررا وجهة نظري القديمة وهي أنه ينبغي إعادة النظر في برنامج الماجستير .
إن فكرة إعادة النظر في برامج دراسات عليا طبقتها جامعات عربية في بلدان مجاورة لاحظ مدرسوها ضعف برنامجهم وخريجيهم ، فأوقفوا العمل في البرنامج لعام أو عامين ، ثم استانفوا البرنامج بعد وضع شروط جديدة .
الفكرة السابقة نفسها عرفت فكرة قريبة منها وأنا أدرس في ألمانيا ، فقد أخذ قسم ممن هم برتبة أستاذ دكتور ( بروفسور ) في ألمانيا الشرقية يهربون من بلدهم ، ملتجئين إلى ألمانيا الغربية ، ولم تعترف هذه برتبهم إلا بعد أن يعاد أستذتهم ( Rehabilitation ) ، وقد حضرت بنفسي محاضرة أستاذة هاجرت من ألمانيا الشرقية ودرست في جامعتي ( Bamberg ) لتمنح درجة الأستاذية من جديد . إنها الأستاذة ( Wiebke Walter ) التي كتبت مؤلفات عن " المرأة في الإسلام " و " ألف ليلة وليلة " وكنت أحيانا أقرأ معها بعض النصوص العربية حين تشكل عليها بعض المفردات المكتوبة بحروف عربية وهي ليست عربية .
قبل أعوام قليلة اشترطت وزارة التربية والتعليم / التعليم العالي على الجامعات ، إن كنت دقيقا ، ألا يتم افتتاح أكثر من برنامج دكتوراه في الجامعات - يعني لا يجوز أن يفتتح في الأرض المحتلة برنامجا دكتوراه في تخصص اللغة العربية في جامعتين مختلفتين ، وإن لم تعارض الوزارة التنسيق بين جامعتين لافتتاح برنامج دكتوراه موحد .
كانت إدارة الجامعة على علم وطيد بهذا ، فرئيس الجامعة له صلة وثيقة بوزارة التعليم العالي ، كونه رئيس جامعة ورئيس وزراء أيضا .
أخذ رئيس الجامعة القرار السابق بالحسبان ، وخشي أن تسبق جامعة أخرى غير جامعة النجاح جامعته التي ظل محتفظا برئاستها ، إلى جانب كونه رئيس وزراء ، فقرر افتتاح برنامج الدكتوراه في النجاح ليخصها به حتى يكون لها السبق ، فتفاخر باختلافها عن غيرها وبتميزها ووجود برامج دكتوراه فيها .
والحق إن فكرة المنافسة بين الجامعات فكرة لم ترق لي إطلاقا ، وما زالت لا تروق لي ، وهذا شيء آخر .
عندما عرض موضوع برنامج الدكتوراه على القسم وافق جميع أعضاء هيئة التدريس إلا أنا ، وكنت ما زلت أطالب بإعادة النظر في برنامج الماجستير الذي بدأ قويا ثم ترهل لأسباب عديدة كثيرة قد تكون وردت فيما سبق ، ويضاف إليها تدني مستوى قسم من الطلبة المقبولين الجدد . كانت الجامعة تقبل عددا محدودا من المتقدمين للبرنامج بتقدير جيد جدا على الأقل ، ثم صارت تقبل كل من يتقدم للدراسة ، وصار امتحان القبول شكليا ، ولم تفرمل سياسة القبول إلا بعد احتجاجات على مستوى طلاب من جامعات أخرى .
طلب مني أن أشارك في وضع مخطط برنامج الدكتوراه ، فلم أوافق ، وعندما طالبت الإدارة تبيان الأسباب بكتاب خطي ، كتبت وجهة نظري ، والكتاب فيما أعتقد ما زال موجودا .
تلخصت وجهة نظري في أمور عديدة منها أن أكثر حملة درجة الأستاذية غير مؤهلين للإشراف والتدريس ، وأن من هم برتبة أستاذ مشارك لا يختلفون عنهم أيضا . ومنها أن نصاب من هم برتبة أستاذ دكتور اثنتا عشرة ساعة تدريس ، عدا تدريسهم مساقات إضافية ، وتدريسهم في جامعات أخرى .
اشترطت شخصيا ، لكي أدرس الدكتوراه أن يكون نصابي التدريسي تسع ساعات فقط ، وألا أحضر إلى الجامعة إلا ثلاثة أيام ، فالحضور اليومي دون مبرر يستنزف الطاقة ، ومن الأسباب أيضا عدم قبول عدد كبير من الطلاب ، وهذا ما لم توافق عليه الإدارة .
رفضت الإدارة تخفيف العبء التدريسي ، ولم توافق على الدوام ثلاثة أيام فقط ، وقبلت في الدفعة الأولى خمسة عشر طالبا أضيف إليهم لاحقا عشرة طلاب آخرون ، ولا أظن أن هناك أساتذة أكفاء يشرفون على هذا العدد ، أساتذة لديهم مناهج دراسية نقدية أفادوها من الجامعات التي درسوا فيها . طبعا حين أدرج مساق دكتوراه تحت اسمي لم أعترض ؛ لأنني ما زلت عضو هيئة تدريس تجبره القوانين على ذلك ، وحين سحب المساق لم أكترث ولم أشعر بأسى أو حزن ، وحين سئلت بعد إنهاء عملي أن أدرس مساقا واحدا في البرنامج كررت شروطي لمواصلة التدريس : تسع ساعات أسبوعيا فقط وبعقد سنوي ودون أن أسأل من أي طرف ، لا من رئيس القسم ولا من العميد ولا من رئاسة الجامعة . هكذا كنت أثمن نفسي عموما .
ما سبق لا يعني أن برامج الدكتوراه في كثير من الجامعات العربية أفضل ، فأكثر أعضاء هيئة التدريس في القسم هم من خريجي تلك الجامعات ، وكثير من أبحاثهم لا قيمة كبيرة لها ، وكثير من الرسائل التي أشرفوا عليها ليست لها قيمة علمية كبرى ، والاقتباسات العلمية من هذه الرسائل يمكن أن يقول بالدليل ما أذهب إليه .
حين غادر الدكتور وليد سيف الجامعة الأردنية مستقيلا كتب في سيرته " الشاهد المشهود " شيئا مقاربا لما أكتب ، وربما فصل أكثر حين كتب عن زملائه ، وإن لم تخني الذاكرة فإنه لم يشعر بالندم ، إذ استشهد بأبيات شعرية هي :
" نحن بنات طارق
نمشي على النمارق
إن تقبلوا نعانق
أو تدبروا نفارق
فراق غير وامق " .
حين أعطيت محاضرتي الأخيرة في الجامعة ، يوم الثلاثين من أيلول ، أعطيتها بفرح كما أعطيت محاضرتي الأولى .
٢ تموز ٢٠٢٠

١٢
" إعلان براءة " :
بنات يافا يدبكن في باب الساحة

أمس ظهرا جلست وحيدا في باب الساحة ، و" باب الساحة " عنوان رواية لسحر خليفة صورت الانتفاضة الفلسطينية الأولى . صدرت الرواية في العام ١٩٩٠ ، ولا أعتقد أن أحدا من رواد المكان أو المترددين عليه ، إلا قلة تعد على أصابع اليد ، يذكر الرواية ومؤلفتها ، وحتى أنا نادرا ما أتذكر الكاتبة وروايتها وأنا في المكان .
ثمة مقاعد يجلس عليها الرواد ، وثمة بضع شجرات زرعتها بلدية نابلس قبل بضع سنوات كبرت بسرعة ، فصارت تظلل المقاعد والجالسين عليها فيحلو في الصيف اللاهب الجلوس ، وحسنا فعلت البلدية .
وأنا جالس ، التفت إلى معرض صور أقيم منذ أسبوع ، وما جذب الأنظار أكثر تجمع سبع فتيات تتراوح أعمارهن ما بين العاشرة والرابعة عشرة وتتشابه ملابسهن تقريبا وبأيديهن العلم الفلسطيني ، وبصحبتهن شباب تتراوح أعمارهم ما بين الثلاثين والأربعين يرتدون أيضا ثيابا سودا .
استبد بي فضول المعرفة . هل أسألهن أم أسأل الشباب ؟ وماذا لو أجابوني :
- لماذا تسأل ؟
- هل أنت موظف بلدية مسؤول عن المكان ؟
وتشجعت وسألت أصغرهن إن كن من فلسطين يزرن نابلس بصحبة المرافقين .
الفتاة الصغيرة أجابت أنها نابلسية ، وعندما سألت البقية أجبن بأنهن من مخيم بلاطة ، وهنا أردت أن أعرف إن كن يعرفن مدن الأجداد التي هاجروا منها ، فسألتهن مجددا :
- من أين أنتن من فلسطين ؟
فأجبن :
- من يافا .
والفتاة الصغيرة التي خجلت من تعريف نفسها بأنها من مخيم عادت وتشجعت وقالت إنها من المخيم .
فتيات شابات مثل الورود . فتيات جميلات وأنيقات في ملابس الدبكة واللون الأسود أجمل الألوان ويليق بهن . " الأسود يليق بك " عبارة اختارتها الكاتبة الجزائرية أحلام مستغانمي عنوانا لإحدى رواياتها .
تشجعت وسألت الشباب عن مناسبة التجمع والقصد منه ، وعرفت منهم أنهم جميعا من مركز يافا الثقافي في مخيم بلاطة ، وقادنا الحديث إلى المخيم والمركز ونشاطه .
ما إن شغل أحد أعضاء المجموعة الستيريو ، ليصدح الغناء " فلسطيني ... فلسطيني " ، حتى بدأت الفتيات الدبكة وبأيديهن الأعلام يلوحن بها ، وكانت ساعة فرح ابتعدت فيها عن الأجواء الكابوسية التي تحياها فلسطين ، فمن حصار الأقصى والشيخ جراح وحرب غزة إلى مظاهرات قرية بيتا ، فحادثة اغتيال الناشط نزار بنات وتداعياتها ، إلى المسيرات والاحتجاجات في مدن الضفة الغربية . ثمة غم وهم ووجع رأس و " اللي بدو يعرينا إحنا بنعريه " وتشكيل اللجان واعتبار نزار شهيد الكلمة إلى ... إلى ... إلى الطفرة الهندية في الكورونا والحديث عن عودة قريبة إلى سياسة الإغلاق بسبب تزايد عدد الإصابات بالوباء إلى ... .
الخبر المزعج الذي سمعته أمس وقال لي إننا قد ندخل نفقا مظلما هو ما نقل عن والدة الشابة عهد التميمي وموقفها من ابنها الذي يعمل في أجهزة الشرطة الفلسطينية . الأم خيرت ابنها بين الاستقالة من عمله في أجهزة قتل بعض منتسبيها فلسطينيا على خلفية نشاط سياسي أو أن تتبرأ منه . هل وصلنا إلى هذا ؟
قبل عام نشرت في جريدة الأيام الفلسطينية مقالا عنوانه " إعلان براءة " أتيت فيه على قصيدة مظفر النواب " براءة " ، فلا تتفاجأوا إن قرأتم لي يوما كتابة لا أتبرأ فيها من فتيات الدبكة بالتأكيد ، وإنما من ... و البقية في روايتي " الوطن عندما يخون " .
هل صرت أهذي ؟
٢ تموز ٢٠٢١ .

١٣
الأمسيات الأدبية : عودة الحياة إلى سيرتها الأولى

أ . د عـــــــادل الأسطــــــة

في آذار من العام ٢٠٢٠ عقد نادي حيفا الثقافي النية على تكريم المرحوم الشاعر عبد الرازق رشيد أبو بكر " أبو رشيد " الذي صدر له في العام ٢٠١٤ عن وزارة الثقافة الفلسطينية ديوان " أريد " ، وتم الإعداد للندوة وطلب مني أن أشارك فيها بإلقاء كلمة عن شعر الشاعر الذي زاملته لعقود في جامعة النجاح الوطنية ، واستعددت وأعددت ولكن جائحة الكورونا حالت دون انعقاد الندوة ، فقد ألغيت الحجوزات ومنعت التجمهرات وأغلقت القاعات وطلب من ألناس أن يلتزموا بيوتهم وأن يتباعدوا فيما بينهم ، وصارت الندوات والمؤتمرات تنجز ، مثل التعليم ، من خلال ال ( zoom ) ، وهو ما شاركت به لهذه الجامعة أو تلك المؤسسة أو ذلك المعهد ، ولا أكتمكم القول إن الندوات والمؤتمرات فقدت نكهتها وبريقها وحيويتها .
مع بداية الشهر الماضي تقريبا بدأت المياه تعود إلى مجاريها وبدأت النشاطات الوجاهية تعقد من جديد ، وكان أن أحيا نادي حيفا الثقافي نشاطاته وفعالباته الوجاهية في حيفا وغيرها ، وكان أن حل ضيفا على نابلس ليحيي الأمسية من جديد ، فاجتمع الشمل الفلسطيني الثقافي وعاد كما كان ، وحضر الأمسية وزير الثقافة الدكتور عاطف أبو سيف ومحافظ طولكرم السيد عصام أبو بكر ابن الشاعر وجمع غفير اكتظت به قاعة فندق الياسمين . قلة من الحضور من تكمم مثلي ، فغالبية الحضور تطعم وصارت لديه حصانة صحية .
وأنا أقرأ ديوان الشاعر تساءلت :
- لماذا لم يصدر أبو رشيد - الذي كان صديقا للشاعر المرحوم عبد اللطيف عقل - ديوانه في حياته ؟
كتب أبو رشيد قصائد ديوانه على مدى خمسة عقود ، وكان تلميذا للشعراء الرواد مثل ابراهيم طوقان وعبد الكريم الكرمي ( أبو سلمى ) وعبد الرحيم محمود ، وهو المولود في مدينة قلقيلية علم في مدرسة حسن عرفة في يافا ولعب كرة القدم في فريقها ولجأ في العام ١٩٤٨ منها ليسيح في أرض الله الواسعة ، فيعلم في الكويت ، ويعود إلى نابلس ليعلم في مدرسة النجاح الوطنية ومعهدها وجامعتها ، وقد كان شعره شاهدا على حياته الشخصية والاجتماعية والوطنية وعلى انتمائه السياسي المبكر إلى حركة فتح التي رثى رمزها ، فقد توفي أبو رشيد في العام ٢٠١٢ - أي بعد ثماني سنوات من وفاة ياسر عرفات .
تبدو الطبعة الأولى من الديوان مثل الطبعة الأولى التي صدرت لاشعار عبد الرحيم محمود عن مكتبة بلدية نابلس . إنها طبعة تحتاج إلى إعادة نظر فيها من حيث الترتيب والتقسيم وتوخي الدقة أيضا .
صدر المشرفون على الديوان الديوان بقصيدة عنوانها " سنعود يوما " وكتبوا في صدرها الملاحظة الآتية " نظمت في مطلع الخمسينات " ولكن القصيدة تأتي على احتلال القدس وتشير إلى عدم تمكن المسلمين من الوصول إليها ، وتصف الحرم بأنه أسير يحتله الغزاة ، وأظن شخصيا أن القصيدة كتبت على دفعتين ، القسم الأول منها كتب في خمسينيات القرن العشرين ، فيما كتب القسم الثاني في أواخر ستينيات القرن العشرين .
ابو رشيد في أشعاره يبدو شاعرا كلاسيكيا يكتب القصيدة العمودية المنبرية ويسير على خطى الشعراء الاقدمين في الموضوعات وفي الشكل ، وهذا شيء طبيعي لشاعر نشأ على أشعار المتنبي .
كلام كثير يمكن أن يكتب عن شعر الشاعر ، ولكن اللافت أكثر فيما جرى هو أن الأمسيات الأدبية بدأت تعود إلى ما كانت عليه ، والسؤال هو :
- هل ستتعافى حركتنا الأدبية في الأشهر القادمة بعد بيات كوروني ترك أثره على جميع مناحي الحياة ؟
في حزيران الماضي صدر لي في عمان عن دار خطوط وظلال كتاب " الست كورونا " وحتى اللحظة لم أحصل على نسخة ورقية منه ، ومثل هذا الشيء لم يكن يحدث في زمن ما قبل الكورونا على الإطلاق .
مثل الأمسيات الأدبية هناك معارض الكتب ، فالمتابع لمعارض الكتب في العالم العربي يلحظ أنها منذ أشهر بدأت تقام من جديد وصارت تشارك فيها دور نشر من بلدان عديدة ، فهل سيقام عما قريب معرض الكتاب في فلسطين ؟
كان معرض الكتاب فرصة للاتصال المباشر بالكتاب الورقي ، وفرصة لعقد الندوات على هامشه والالتقاء بالأدباء الفلسطينيين وبعض الأدباء العرب ، وأيضا فرصة لإقامة الندوات . وقد يقول قائل إن الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية لا تساعد الآن ! قد !
في الأشهر التي استفحل فيها الوباء تعددت الآراء فيه: أهو حقيقة أم أنه مؤامرة ؟
غالبا ما كنت أنظر إلى ملاعب كرة القدم في أوروبا معيارا ، فالأوروبيون لا يمكن أن يكذبوا على أنفسهم في مجال الرياضة . كانت المباريات تجرى بلا جماهير والآن عادت الجماهير إلى الملاعب ، وكان هذا دليلي على أن الوباء حقيقة .

الجمعة والسبت
٢و٣ حزيران ٢٠٢١

١٤
في وداع الدكتور نهاد الموسى :

أمس غادر الدكتور نهاد الموسى هذه الفانية ، وفضله على أجيال تعلمت العربية كبير ، ولا أظن أن طالبا من طلابه لا يتذكره .
تتلمذت على يد الدكتور نهاد منذ كنت طالب بكالوريوس في الجامعة الأردنية بين ١٩٧٢ و١٩٧٦ ، فدرست معه مادتي الصرف والنحو ج . رسبت في الأولى وأعدتها لأحصل في المرة الثانية على أعلى علامة في الشعبة ، وعندما عدت إلى الجامعة نفسها لأدرس الماجستير درست معه موضوعا في النحو هو باب " الصفة " وفي أثناء دراستي الثانية تعرفت إليه عن قرب . كنا ستة طلاب درسنا المادة في مكتبة قسم اللغة العربية ، وكان يكرمنا ويطلب لنا القهوة والشاي ويعاملنا على أننا زملاء لاحقون له . في الأيام الماطرة كان يسألنا عن طريق عودتنا ويبدي استعداده ليقل من كان طريقه الطريق نفسه .
مرة وأنا أتحدث معه أمام مبنى قسم اللغات سألني عما أنوي فعله بعد الحصول على الماجستير ، فأجبته بأنني سأعود إلى نابلس أواصل حياتي فيها في السلك التعليمي ، فعقب مازحا :
- لو عاد بي العمر إلى مثل عمرك لسرت في طريق آخر .
كنت يومها جادا أرى أن البقاء في الوطن هو الفضيلة الأولى ، وكانت أبواب الثراء المفتوحة في دول الخليج على مصراعيها متاحة لمن هب ودب .
تقدير الدكتور نهاد لطلابه واحترامه لهم ومعاملتهم على أنهم زملاء لاحقون له ، وهو ما تحقق لبعضهم ، حكم سلوكي في تعاملي مع طلاب الماجستير في الجامعة إلا أقلهم .
عندما أخذت أشارك في المؤتمرات العلمية في الجامعة الأردنية صرت ألتقي باستمرار بالدكتور نهاد ، في مكتبه أيام عاد رئيس قسم وفي قاعات المحاضرات وفي قاعات الطعام وفي الرحلات الترفيهية بعد انتهاء المؤتمرات أيضا ، وهنا عرفت الكثير عن شخصيته المرحة التي تميل إلى الدعابة والفكاهة .
كان الدكتور علامة في نخصصه سعى باستمرار إلى تطوير نفسه علميا ، فسافر إلى جامعات عالمية ليقضي فيها سنوات تفرغه العلمية ، وأعطى جل وقته للاهتمام بالعربية ونحوها وصرفها .
عندما كنت ألتقي بطلابه الذين زاملوني في قسم اللغة العربية كنا نذكره بالخير وعندما يزوره هؤلاء في أثناء سفرهم للقائه كنت أطلب منهم أن يبلغوه تحياتي .
رحم الله الدكتور نهاد الموسى وأدخله فسيح جناته وإلى ذويه وإلى قسم اللغة العربية في الجامعة الأردنية تعازي الحارة .
الأستاذ الدكتور نهاد الموسى وداعا .
٢٠٢٢

١٥
فتاة نابلس ١٠

دبي في الرواية العربية

روايات عربية عديدة دار قسم من أحداثها في دبي ، ولا أملك شخصيا قائمة كاملة بها لأنني لم أقرأ الروايات العربية الصادرة كلها ، ولكن يمكن أن أذكر منها رواية " العاطل " للمصري ناصر عراق ، ورواية " حليب التين " للفلسطينية سامية عيسى ، وعندما قرأت الفصل السابع عشر من " فتاة نابلس " قلت إنها تصلح لأن تكون أيضا مادة لدراسة صورة دبي فيها ومقارنة الصورة بالصورة التي أظهرتها الرواية العربية للمدينة نفسها .
تصف الصفحات الأولى من الفصل الثامن في الرواية الأيام الأولى لأمير في المدينة الكوزومبوليتية / العالمية وتأتي على التعدد السكاني / الإثني فيها ، بل وتذهب إلى لندن والهايد بارك ورحلات الخليجيين إليهما في فصول الصيف منذ بدايات ٧٠ القرن ٢٠ .
ربما ما سيعطي للرواية مصداقية بهذا الجانب هو أن ( DEAN DILLEY ) أقام في دبي وعمل فيها مستشارا لشيوخها ، وبالتالي فإن وصفه للحياة الباذخة فيها والمباني الشاهقة والعصرية جدا ولفنادقها أيضا يبدو وصفا دقيقا .
ماذا سيقول الخليجيون حين يقرأون صورتهم في الرواية ؟
عندما عمل الكاتب السوري هاني الراهب في الكويت أستاذا جامعيا كتب عن حياته هناك ، وما كتبه لم يرق لأصحاب البلاد فعد ناكر جميل .
في دول الخليج الآن جامعات كثيرة وفيها مراكز دراسات وأبحاث وأقسام تدرس الأدب الإنجليزي والأمريكي وأعتقد أن الرواية تستحق أن تناقش ويناقش مؤلفها أيضا ، هذا إن لم تقدم مؤسسات الترجمة المدعومة حكوميا على ترجمتها ، فالفصول اللاحقة للفصل الثامن ، وهي فصول كثيرة وتشغل صفحات كثيرة من الرواية ، تأتي على الخليج العربي والحياة فيه ، بل وتأتي على إيران أيضا .
لو كان غسان كنفاني أو إدوارد سعيد على قيد الحياة فلربما تناولا الرواية واهتما بها ؛ الأول لأنه درس صورة العربي في الرواية الصهيونية ، والرواية الصهيونية لم يكتبها يهود وحسب ، إذ كتبها غربيون تعاطفوا مع اليهود ، والثاني لأنه كتب عن الاستشراق والثقافة والإمبريالية .
أعتقد أن أساتذة قسم اللغة الإنجليزية الجدد لن يقصروا في تناول الرواية والكتابة عنها .

دبي :
" - هل تعرف ماذا احب في دبي ؟ سأل ببلاغة
- إنها تملك وضوحا مطلقا . أجاب ، كما لو أنه حل أخيرا لغز نظرية جامدة .
- كل شخص هنا هو لغرض واحد . جمع المال . "
" You know what I like about Dubai ? " he asked rhetorically . " It has absolute clarity " he answered , as if finally solving the puzzle of string theory ." Everyone here for one purpose . Making money . There is no pretense about being a cultural center..... "

٢ / ٧ / ٢٠٢٣

( ملاحظة :
أعلمني دكتور عواد ابوزينة أن هناك رواية لقاسم توفيق عنوانها " الشندعة " ٢٠٠٧ تجري أحداثها هناك . يرجى قراءة المعلومة في التعليقات ) .

١٦
غزة ( ٢٧٠ ) :
حدث أمني صعب في نتساريم

آخر الأخبار تقول إن هناك حدثا أمنيا صعبا في نتساريم أسفر عن قتلى وجرحى في صفوف ضباط الجيش الإسرائيلي وجنوده وإن الطائرات تخليهم .
أهالي مخيم النصيرات القريب من موقع الاشتباك يطلبون من الله أن تمر الليلة بأقل الخسائر فالقصف عنيف .
إن تابعت صفحة مخيم النصيرات فسوف تقرأ عن مشاعر الناس هناك . عن خوفهم وقلقهم وعن أمنياتهم . ستقرأ أيضا كتابة تستحضر المثل " شر البلية ما يضحك " وذلك من خلال الأسلوب الذي يعتمده المشرف على الصفحة أسامة أبو عاصي Osama Abu Asi .
" ليلتنا أنس شكلها "
" الدلفري الليلة شغال "
" حدا يقول للجماعة إحنا في النصيرات مالناش خص "
" عادوا إلى قواعدهم بسلام "
" الاستطلاع منخفض جدا جدا في النصيرات . الزنانة شكلها بتقول لي اعمل قهوة هايني جاي "
ضاقت الأرض بأهل غزة الذين ما إن يبدأ نزوح جديد حتى يضطروا إلى نزوح آخر . حرب في شمال القطاع وحرب في رفح - جنوبه وكذلك في المنطقة الوسطى - خان يونس . من نار جهنم إلى نار جهنم ، وما عاد لقول نزار قباني حضور :
" إني خيرتك فاختاري
لا توجد منطقة وسطى
مابين الجنة والنار "
صار القطاع كله جحيما ، ولضيق مساحة البر فقد اقترح أسامة أن يردموا جزءا من البحر بالتراب لعل الناس تنصب عليه خيامها .
ضابط المدفعية يتسلى فيقصف والطيار يريد أن ينفذ المهمة فيفرغ حمولته فوق المباني والليل ..
هل هو ليل غزة الطويل أم ليل الاحتلال الإسرائيلي ؟
غدا يذوب الثلج ونعرف آخر الأخبار .
" اشتدي أزمة تنفرجي
قد أذن ليلك بالبلج "
وقد تفاءل بعض الغزيين أمس بالإفراج عن بعض الأسرى لدرجة أن بعض الكتاب ذهب إلى أن هناك شيئا ما يحاك في الظل
٢ / ٧ / ٢٠٢٤

١٧
غزة 635 :
صور الفلسطينيين التي أعادتني إلى صور اليهود

أمس شاهدت صورة الطفلة الغزاوية الفلسطينية آمال البيوك ابنة السبعة أعوام ؛ الطفلة التي تنهار ، أمام أعين والديها ، يوما بعد يوم ، دون أن يعرف أحد ما الذي ينهش جسدها الصغير . كان وزنها ٢٠ كغم وصار بفعل سوء تغذية حاد ١٠ كغم ، وعجزت الأجهزة الطبية عن تشخيص حالتها ( عن صفحة Amr Tabash )
وأمس قرأت عن ارتقاء الشاب أيوب أبو الحصين عن ٢٨ عاما وشاهدت صورته في لحظاته الأخيرة ، والسبب سوء تغذية ، وهو أول بالغ يرتقي شهيدا للسبب المذكور ( عن صفحة Gaza News ) .
والقصص كثيرة .
صورة آمال وأيوب أعادتني إلى شباط ١٩٨٨ ، ففي ذلك العام نظم لنا الألمان زيارة لمدينة برلين المقسمة في حينه إلى غربية وشرقية ، بقصد الرؤية بالعين الفرق بين العالمين ؛ الغربي الامبريالي والشرقي الاشتراكي .
كان من ضمن برنامج الزيارة زيارة مبنى ( الرايخستاغ ) / البرلمان الألماني ، وفيه شاهدنا صور الكارثة ( الهولوكست ) .
كانت عظام اليهود في معسكرات الإبادة ، من التعذيب ومن شدة الجوع ، تنقل إلى الحفر بعربات الحديد التي تشبه عربات نقل النفايات قديما - أي في أربعينيات وخمسينيات وستينيات القرن العشرين .
هل كنت أمس أعيش في ١ تموز ٢٠٢٥ أم كنت أعيش في العام ١٩٤٤ / ١٩٤٥ ؟ هل كنت أمس في نابلس أم كنت في برلين في مبنى البرلمان الألماني ؟
في ديوانه " حالة حصار " كتب محمود درويش يخاطب الإسرائيليين :
"
[ إلى قاتل : ] لو تأملت وجه الضحية
وفكرت ، كنت تذكرت أمك في غرفة
الغاز ، كنت تحررت من حكمة البندقية
وغيرت رأيك : ما هكذا تستعاد الهوية " .
المفارقة تكمن في أن الفلسطيني الذي هو أنا هو من تذكر وجه الأمهات اليهوديات في ( اوشفيتز ) و ( داخاو ) .
ما فيش فايدة يا سعد زغلول !
ما فيش فايدة يا محمود درويش !
٢ / ٧ / ٢٠٢٥

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى