إلى إدارة موقع أنطولوجيا السرد العربي المحترمين،
يمثل هذا التعريف الموسّع للموقع إعلانًا ثقافيًا واضح المعالم لمشروع رقمي يسعى إلى تجاوز فكرة “المجلة الأدبية” التقليدية، نحو بناء فضاء معرفي مفتوح يمكن وصفه بوصف أدق بأنه أنطولوجيا ثقافية شاملة للسرد والفكر الإنساني. وهو مشروع، من حيث التصور، ينتمي إلى حقل “الموسوعات التفاعلية” التي لا تكتفي بالنشر، بل تسعى إلى إعادة تنظيم الذاكرة الأدبية العربية ضمن فضاء رقمي متعدد الأصوات والاتجاهات.
أول ما يلفت الانتباه في هذا التصور هو التأكيد الصريح على الاستقلالية التامة للموقع، من حيث عدم الانتماء السياسي أو المؤسسي أو التمويل الخارجي. وهذه النقطة تمثل ركيزة أساسية في بناء المصداقية الثقافية، لأنها تضع المشروع في خانة “المبادرات المدنية للمعرفة”، حيث تُدار المعرفة بوصفها فعلًا تطوعيًا لا يخضع لإملاءات السلطة أو السوق. غير أن هذا الاستقلال، لكي يكتسب فعاليته المعرفية الكاملة، يحتاج إلى منظومة داخلية واضحة لضبط المعايير العلمية والتحريرية، بما يضمن ألا يتحول الانفتاح الواسع إلى تشتت في الهوية أو تداخل في المرجعيات.
أما على مستوى البنية الموضوعاتية، فإن القائمة المقدمة تعكس رؤية موسوعية غير تقليدية، تقوم على مبدأ توسيع مفهوم الأدب ليشمل الحياة بكل تفرعاتها الجمالية والاجتماعية والمعرفية. فالموقع لا يكتفي بالأجناس الأدبية الكلاسيكية، بل يمتد ليشمل الأدب الشعبي والهامشي، أدب السجون والمنفى، الأدب المقارن، الأدب العالمي، الفلسفة، علم الاجتماع، الأنثروبولوجيا، بل وحتى العلاقات بين الأدب وحقول تبدو بعيدة ظاهريًا مثل الرياضة، الطب، والهندسة.
هذا التوجه يعكس وعيًا حديثًا بطبيعة الدراسات الثقافية التي لم تعد تفصل النص الأدبي عن سياقه الحضاري، بل تراه بوصفه شبكة دلالية ممتدة داخل المجتمع والتاريخ والخيال الجمعي. كما أن إدراج موضوعات مثل أدب المنسيين، أدب المنتحرين، أدب الحرب، وأدب السجون، يدل على نزعة إنسانية نقدية تعيد الاعتبار للهامش بوصفه مركزًا بديلًا للمعنى، لا مجرد هامش تابع.
وفي المقابل، فإن هذا الاتساع الهائل في الحقول الموضوعية يطرح تحديًا منهجيًا بالغ الأهمية، يتمثل في ضرورة بناء هيكل تصنيفي داخلي دقيق يضمن تمايز الحقول وعدم تداخلها بشكل يضعف القيمة التحليلية للمحتوى. فالموسوعية، لكي تكون علمية وليست مجرد تراكم، تحتاج إلى “عقل تنظيمي” يوازن بين الشمول والانضباط، بين الحرية في الاختيار والدقة في التوصيف.
كما أن إدراج موضوعات حساسة أو إشكالية (مثل الأدب الإيروسي أو نقد الفكر الديني أو موضوعات الصراع الأيديولوجي) يضع المشروع أمام مسؤولية إضافية، تتمثل في ضرورة تقديم هذه الموضوعات ضمن إطار نقدي معرفي واضح، يميز بين الدراسة العلمية وبين الاستعراض أو التناول غير المنضبط، حفاظًا على مستوى الموقع الأكاديمي والثقافي.
من جهة أخرى، يُحسب للمشروع توجهه نحو أرشفة التجارب الأدبية الإنسانية في تنوعها الجغرافي واللغوي، من الأدب العربي إلى الفارسي والتركي والصيني والياباني والأفريقي والروسي، وهو ما يعكس انفتاحًا مهمًا على مفهوم الأدب بوصفه تراثًا إنسانيًا مشتركًا، لا مجرد إنتاج قومي أو لغوي مغلق.
أما قرار عدم تخصيص ركن للقصة القصيرة جدًا والخاطرة، فهو خيار لافت يحتاج إلى توضيح منهجي إضافي، خاصة في ظل الانتشار الكبير لهذه الأشكال في الأدب المعاصر، إذ إن استبعادها قد يُفهم إما بوصفه موقفًا جماليًا نقديًا، أو بوصفه اختيارًا تحريريًا قائمًا على معايير نوعية خاصة.
في المحصلة، يمكن القول إن “أنطولوجيا السرد العربي” كما يتجلى في هذا التعريف، هو مشروع ثقافي طموح يسعى إلى إعادة تشكيل العلاقة بين الأدب والمعرفة، وتحويل الموقع من منصة نشر إلى أرشيف حيّ للذاكرة السردية العربية والإنسانية. غير أن نجاح هذا المشروع سيظل مرهونًا بقدرته على تحقيق توازن دقيق بين ثلاثة عناصر أساسية: الانفتاح الموسوعي، والصرامة المنهجية، والهوية التحريرية الواضحة، بحيث يصبح هذا الاتساع مصدر قوة معرفية، لا مجرد وفرة موضوعاتية.
الدكتور زهير شاكر
يمثل هذا التعريف الموسّع للموقع إعلانًا ثقافيًا واضح المعالم لمشروع رقمي يسعى إلى تجاوز فكرة “المجلة الأدبية” التقليدية، نحو بناء فضاء معرفي مفتوح يمكن وصفه بوصف أدق بأنه أنطولوجيا ثقافية شاملة للسرد والفكر الإنساني. وهو مشروع، من حيث التصور، ينتمي إلى حقل “الموسوعات التفاعلية” التي لا تكتفي بالنشر، بل تسعى إلى إعادة تنظيم الذاكرة الأدبية العربية ضمن فضاء رقمي متعدد الأصوات والاتجاهات.
أول ما يلفت الانتباه في هذا التصور هو التأكيد الصريح على الاستقلالية التامة للموقع، من حيث عدم الانتماء السياسي أو المؤسسي أو التمويل الخارجي. وهذه النقطة تمثل ركيزة أساسية في بناء المصداقية الثقافية، لأنها تضع المشروع في خانة “المبادرات المدنية للمعرفة”، حيث تُدار المعرفة بوصفها فعلًا تطوعيًا لا يخضع لإملاءات السلطة أو السوق. غير أن هذا الاستقلال، لكي يكتسب فعاليته المعرفية الكاملة، يحتاج إلى منظومة داخلية واضحة لضبط المعايير العلمية والتحريرية، بما يضمن ألا يتحول الانفتاح الواسع إلى تشتت في الهوية أو تداخل في المرجعيات.
أما على مستوى البنية الموضوعاتية، فإن القائمة المقدمة تعكس رؤية موسوعية غير تقليدية، تقوم على مبدأ توسيع مفهوم الأدب ليشمل الحياة بكل تفرعاتها الجمالية والاجتماعية والمعرفية. فالموقع لا يكتفي بالأجناس الأدبية الكلاسيكية، بل يمتد ليشمل الأدب الشعبي والهامشي، أدب السجون والمنفى، الأدب المقارن، الأدب العالمي، الفلسفة، علم الاجتماع، الأنثروبولوجيا، بل وحتى العلاقات بين الأدب وحقول تبدو بعيدة ظاهريًا مثل الرياضة، الطب، والهندسة.
هذا التوجه يعكس وعيًا حديثًا بطبيعة الدراسات الثقافية التي لم تعد تفصل النص الأدبي عن سياقه الحضاري، بل تراه بوصفه شبكة دلالية ممتدة داخل المجتمع والتاريخ والخيال الجمعي. كما أن إدراج موضوعات مثل أدب المنسيين، أدب المنتحرين، أدب الحرب، وأدب السجون، يدل على نزعة إنسانية نقدية تعيد الاعتبار للهامش بوصفه مركزًا بديلًا للمعنى، لا مجرد هامش تابع.
وفي المقابل، فإن هذا الاتساع الهائل في الحقول الموضوعية يطرح تحديًا منهجيًا بالغ الأهمية، يتمثل في ضرورة بناء هيكل تصنيفي داخلي دقيق يضمن تمايز الحقول وعدم تداخلها بشكل يضعف القيمة التحليلية للمحتوى. فالموسوعية، لكي تكون علمية وليست مجرد تراكم، تحتاج إلى “عقل تنظيمي” يوازن بين الشمول والانضباط، بين الحرية في الاختيار والدقة في التوصيف.
كما أن إدراج موضوعات حساسة أو إشكالية (مثل الأدب الإيروسي أو نقد الفكر الديني أو موضوعات الصراع الأيديولوجي) يضع المشروع أمام مسؤولية إضافية، تتمثل في ضرورة تقديم هذه الموضوعات ضمن إطار نقدي معرفي واضح، يميز بين الدراسة العلمية وبين الاستعراض أو التناول غير المنضبط، حفاظًا على مستوى الموقع الأكاديمي والثقافي.
من جهة أخرى، يُحسب للمشروع توجهه نحو أرشفة التجارب الأدبية الإنسانية في تنوعها الجغرافي واللغوي، من الأدب العربي إلى الفارسي والتركي والصيني والياباني والأفريقي والروسي، وهو ما يعكس انفتاحًا مهمًا على مفهوم الأدب بوصفه تراثًا إنسانيًا مشتركًا، لا مجرد إنتاج قومي أو لغوي مغلق.
أما قرار عدم تخصيص ركن للقصة القصيرة جدًا والخاطرة، فهو خيار لافت يحتاج إلى توضيح منهجي إضافي، خاصة في ظل الانتشار الكبير لهذه الأشكال في الأدب المعاصر، إذ إن استبعادها قد يُفهم إما بوصفه موقفًا جماليًا نقديًا، أو بوصفه اختيارًا تحريريًا قائمًا على معايير نوعية خاصة.
في المحصلة، يمكن القول إن “أنطولوجيا السرد العربي” كما يتجلى في هذا التعريف، هو مشروع ثقافي طموح يسعى إلى إعادة تشكيل العلاقة بين الأدب والمعرفة، وتحويل الموقع من منصة نشر إلى أرشيف حيّ للذاكرة السردية العربية والإنسانية. غير أن نجاح هذا المشروع سيظل مرهونًا بقدرته على تحقيق توازن دقيق بين ثلاثة عناصر أساسية: الانفتاح الموسوعي، والصرامة المنهجية، والهوية التحريرية الواضحة، بحيث يصبح هذا الاتساع مصدر قوة معرفية، لا مجرد وفرة موضوعاتية.
الدكتور زهير شاكر