رواية تتخيل هتلر الذي لم يكن
أحمد رجب شلتوت
أحمد رجب شلتوت
تسأل رواية "نصف هتلر الآخر" للكاتب والفيلسوف الفرنسي "إيريك إيمانويل شميت" سؤالًا يبدو في ظاهره بسيطًا، لكنه من أكثر الأسئلة إرباكًا للتاريخ: ماذا لو نجح هتلر في امتحان القبول بأكاديمية الفنون الجميلة في فيينا عام 1908؟
ذلك الحدث الصغير، لو تبدل، كان بمقدوره أن يكون سببًا في تغيير مصير العالم كله، ومن هنا تتخذ الرواية مسارين متوازيين؛ الأول هو التاريخ الذي نعرفه، حيث ترفض الأكاديمية قبول الشاب النمساوي، فيتحول تدريجيًا إلى الديكتاتور الدموي، والثاني هو تاريخ متخيل يقبل فيه هتلر في الأكاديمية، فيصبح رسامًا يعيش حياته العادية كأي فنان، تتخللها النجاحات والإخفاقات المعتادة، وعبر المسارين تسأل الرواية: هل كان هتلر شريرًا منذ البداية، أم أن العالم ساهم في صنع ذلك الوحش؟
يسعى "شميت" إلى بناء تجربة ذهنية تجعل القارئ شريكًا في إنتاج المعنى، فيقدم التاريخ باعتباره شبكة من الاحتمالات. وهو لا يفترض أن قبول هتلر في الأكاديمية كان سيمنع الحرب العالمية الثانية بالضرورة، وإنما يستخدم تلك الفرضية ليبين أن ما نعتبره اليوم قدرًا محتومًا لم يكن سوى احتمال تحقق بين احتمالات عديدة.
وهو كذلك لا يجعل من هتلر الرسام قديسا، ولا يرى أن هتلر التاريخي ولد شيطانً، فكلاهما له نفس الملامح النفسية، الحساسية المفرطة، الاعتداد بالنفس، الميل إلى الأحلام الكبرى، والقدرة على التأثير في الآخرين، ويكمن الفرق بينهما في أن أحدهما وجد منفذًا لتصريف طاقته في الفن، بينما كان منفذ الآخر في السياسة والعنف.
اعتمد "شميت" في روايته على تقنية السرد المتوازي، حيث يتقدم المساران جنبًا إلى جنب، فيتابع القارئ حياة "أدولف هتلر" كما عرفها التاريخ، وحياة "أدولف هـ." كما كان يمكن أن تكون، هذه التقنية تمنح الرواية إيقاعًا خاصًا؛ فكل حدث في أحد المسارين يستدعي مقارنة مباشرة بالحدث المقابل في المسار الآخر. وهكذا يعيش المتلقي حالة من الموازنة المستمرة بين مصيرين خرجا من نقطة واحدة ثم افترقا بسبب قرار واحد، وهكذا يجد القارئ نفسه راصدا باستمرار أثر الخيارات الصغيرة في تشكيل المصائر الكبرى.
لذلك تقابل الرواية بين الرسم والسياسة، في المسار المتخيل يصبح هتلر فنانًا يقبل الاختلاف، لأن الفن يقبل التعدد، أما في المسار التاريخي فإن السياسة عند هتلر تصبح فن القضاء على الاختلاف، هنا يبين "شميت" أن الفن يجعل الإنسان منفتحا على الآخرين، بينما تغلقه الإيديولوجيا داخل يقينه المطلق، ولهذا يتحول الرسام الفاشل إلى زعيم يؤمن بالنقاء العرقي؛ فكلا المشروعين يقوم على البحث عن صورة مثالية، غير أن الفن يقبل النقص، بينما السياسة الشمولية تحاول إزالة كل ما لا ينسجم مع المثال الذي صنعته. ولذلك يبدو الفن في الرواية تدريبًا على قبول العالم كما هو، بينما يتحول الحكم الشمولي إلى محاولة لإجبار العالم على أن يكون كما يتخيله الحاكم.
والرواية بالطبع تدين هتلر، ولكنها أيضًا توسع دائرة المسؤولية لتشمل المجتمع الذي صنع للكراهية بيئة مواتية، فالإذلال، والفقر، والفشل، والعزلة، وغياب الحب، كلها عوامل تتراكم داخل الشخصية حتى تصبح قابلة لاستقبال الأفكار المتطرفة، ولا يعني ذلك تحمي المجتمع مسئولية جرائم هتلر، لكنه شارك فيها بتهيئة البيئة التي سمحت للكراهية بالنمو، وهنا يرفض "شميت" التفسير الساذج الذي يقسم البشر إلى أخيار وأشرار. فالشر ليس جوهرًا ثابتًا، وإنما إمكانية كامنة قد تجد الظروف المناسبة لكي تنمو.
في الرواية تتحكم الصدفة في الأحداث، لكن الكاتب لا يجعلها قدرًا، بل يبين أنها تمنح الإنسان فرصة، أما ما يفعله بهذه الفرصة فهو مسئوليته وحده. لذلك نرى هتلر إنسانًا عاديًا لكنه يمتلك قدرة استثنائية على استغلال الفرص السانحة، وهذا الطرح يحذر من الاستسلام لفكرة أن الطغاة يأتون من خارج المجتمع، فالحقيقة أنهم يولدون من رحمه. فالديكتاتور لا يصنع نفسه وحده، بل يحتاج إلى جمهور يؤمن به، ومؤسسات تطيعه، ونخب تبرر حماقاته، وجماهير تبحث عن منقذ فتنقاد له.
إن هتلر التاريخي يعيش شعورًا دائمًا بالإهانة، ويعوض نقصه بتضخم الأنا، أما هتلر الرسام فيتعلم بالتدريج أن يقبل النقد، وأن يدرك حدود موهبته، وهنا يكمن الفارق الحقيقي بين الشخصيتين، فالنجاح الفني يمنحه الشهرة و القدرة على التعايش مع الفشل، فالفنان يدرك أن الفشل جزء من التجربة الإنسانية، وأن اللوحة يمكن إعادة رسمها، بينما لا يحتمل الشمولي الاعتراف بخطئه، لأن صورته عن نفسه تقوم على العصمة المطلقة. ولهذا تبدو الرواية، رغم انشغالها بتاريخ مضى، وكأنها تحذر من حاضر لا يزال قادرًا على إنتاج هتلر جديد كلما ضعفت المؤسسات، وارتفعت أصوات الكراهية، وتنامت الشعبوية، ولهذا فإن الرواية لا تخص ألمانيا وحدها، بل تخص كل مجتمع يسمح بتحويل المختلف إلى عدو.
أي أن "شميت" في النهاية لا يناقش شخصية هتلر بقدر ما يناقش قابلية التاريخ للتشكل بفعل اختيارات فردية تبدو في لحظتها هامشية. فالتاريخ ليس قوة غامضة تصنع مصائر البشر، وإنما هو حصيلة قراراتهم الصغيرة، وخياراتهم اليومية، وقدرتهم على مقاومة الكراهية قبل أن تتحول إلى قدر جماعي.