هناك مباريات تنتهي بصافرة... وهناك مباريات تبدأ بعدها.
لم تكن صافرة حكم مباراة مصر والأرجنتين هي التي أوقفت الزمن. بل كانت تلك الكرة التي سكنت شباك الأرجنتين للحظات، ثم انتُزعت منها كالسراب، لتسكن بعدها بثلاث دقائق شباك مصر، وهذه المرة بلا استئذان، بلا مراجعة، بلا سؤال.
بين الهدف الملغي والهدف المسجل، بين تلك الدقائق الثلاث، لم يخسر منتخب مصر مباراته فحسب، بل انفتح سؤال لم تغلقه صافرة الحكم، ولم تطفئه شاشات البار، ولم تمحوه بيانات الفيفا المعتادة.
لم تعد أزمة مونديال 2026 في هدف أُلغي، ولا في صافرة حكم، ولا في بطاقة حمراء أُعيد النظر فيها بعد نهاية مباراة. هذه كلها مشاهد. أما الفيلم الحقيقي، فهو أكبر بكثير. الفيلم يقول إن السياسة لم تعد تقف خارج الملعب، تنتظر صافرة النهاية كي تتحدث. لقد دخلت من المطار. من التأشيرة. من غرف البار. من لجان الانضباط. من اتصال رئيس دولة برئيس الفيفا. ومن المدرجات التي رفعت علم فلسطين، فجنّ جنون من يطالبون الرياضة بالصمت فقط عندما يكون اسم السياسة فلسطين.
مباراة مصر والأرجنتين لم تكن بداية الأزمة. كانت اللقطة التي كشفتها. في الدقيقة 78، كان الجمهور المصري على موعد مع فرحة عابرة: هدف في شباك الأرجنتين. لكن التقنية قالت "توقف". عودة إلى الماضي، إلى مخالفة قبل الهجمة، إلى تفاصيل دقيقة لا يراها إلا البار حين يريد أن يرى. هنا، لم يعترض أحد على القانون، القانون واضح. لكن السؤال كان: لماذا هذه اليقظة المفرطة هنا، وهذا الغياب التام بعدها بثلاث دقائق؟
في الدقيقة 81، سقط محمد صلاح في منطقة الجزاء، وتعالت أصوات اللاعبين المصريين، لكن الشاشة هذه المرة ظلت صامتة. الكرة الأرجنتينية وجدت طريقها إلى الشباك، وكأن المعيار تحول بين لقطة وأخرى. هنا لم يعد السؤال: هل أخطأ الحكم فقط؟ بل: لماذا يعمل القانون بكامل يقظته في لقطة، وينام في لقطة أخرى؟ امتد الغضب خارج الملعب، إلى البرامج الرياضية، وصفحات الصحف، ومنصات التواصل. لم يعد النقاش عن هدف ملغي، بل عن عدالة متكسرة، عن معيار مزدوج، عن إحساس راقبته الملايين بأن ثمة شيئاً ما في غرفة البار، أو في غرفة أبعد منها، كان يحرك الخيوط. وقد نقلت صحف دولية اعتراض حسام حسن والجهاز المصري على التحكيم، ليس بحدة الاتهام، بل بسؤال ظل مفتوحاً: هل كان المعيار واحداً حقاً؟
لكن هذه المباراة لم تأتِ من فراغ. قبلها بأيام، كان المونديال قد تلقى ضربة سياسية واضحة، لم تأتِ من مدرجات أو تأشيرات، بل من البيت الأبيض نفسه. تدخل دونالد ترامب في قضية البطاقة الحمراء لللاعب الأمريكي فولارين بالوغون، ثم جرى تعليق عقوبة الإيقاف بما سمح له بالمشاركة أمام بلجيكا. هنا، لم نعد أمام خطأ تحكيمي داخل ملعب، بل أمام سؤال يمس استقلالية الفيفا نفسها: هل يستطيع رئيس دولة مستضيفة أن يطلب مراجعة قرار انضباطي، فتستجيب المؤسسة التي تقول إنها تحمي حياد اللعبة؟ لم يكن الجدل في شخص اللاعب، بل في المبدأ. هل تبقى كرة القدم مستقلة تماماً عن الضغوط السياسية والإعلامية، أم أن الواقع، كما بدا واضحاً، أكثر تعقيداً من كل الشعارات البراقة؟
ثم نعود إلى بداية البطولة، إلى حيث تبدأ كل رحلة: المطار. منتخب إيران واجه أزمة تأشيرات. مسؤولون وإداريون وصحفيون لم يتمكنوا من الدخول، واضطر المنتخب إلى تغيير معسكره، بينما قال الفيفا إن قرارات الدخول من صلاحية الدولة المستضيفة. وحتى حكم صومالي اختير للبطولة مُنع من دخول الولايات المتحدة. أي حياد هذا، إذا كانت الدولة المستضيفة تستطيع أن تؤثر، عبر الحدود والتأشيرات، على حضور الحكام والوفود والصحفيين والمنتخبات؟ هنا تنهار الجملة القديمة: "الرياضة بعيدة عن السياسة". ليست بعيدة. لم تكن يوماً بعيدة. لكن الفيفا يريدها بعيدة فقط عندما يرفع لاعب علمًا، أو يهدي مدرب فوزاً إلى شعب تحت الإبادة، أو تدخل فلسطين إلى المدرجات.
أما عندما تتدخل الدولة المستضيفة في الدخول والمنع، فهذه إجراءات سيادية. وعندما يتدخل رئيس أمريكي في عقوبة لاعب، فهذه مراجعة إدارية. وعندما تتحول التأشيرة إلى جزء من مسار البطولة، فهذه شؤون تنظيمية. وعندما يعمل البار بمعيار ويغيب بمعيار آخر، فهذه تقديرات تحكيمية. لكن عندما يرفع حسام حسن علم فلسطين، فجأة يتذكر الجميع أن الرياضة يجب أن تبقى خارج السياسة. هذه هي الفضيحة الحقيقية. ليست أن السياسة دخلت المونديال. بل أن السياسة كانت داخله طوال الوقت، لكنهم أرادوا منع الشعوب وحدها من التعبير عنها. وكأن الصمت مطلوب من الضعفاء فقط، بينما الأقوياء يملكون حق الكلام، والتدخل، والتأشير، والتوجيه.
إسرائيل فهمت ذلك جيداً. لذلك لم تتعامل مع رفع حسام حسن لعلم فلسطين كحركة عاطفية بعد مباراة. تعاملت معه كاختراق رمزي. وحين خسرت مصر أمام الأرجنتين، ظهرت أصوات إسرائيلية تحتفل بالخسارة كما لو أنها رد على العلم، لا نتيجة مباراة. لم يكن الغضب من مصر وحدها، بل من أن فلسطين دخلت إلى لحظة الفرح العربي، ومن أن التطبيع لم يستطع محو الذاكرة الشعبية. وهنا تكشف المدرجات ما تخفيه الاتفاقيات. كانت إسرائيل تعتقد أن التطبيع غيّر الجغرافيا... فاكتشفت في المدرجات أن الوجدان لم يوقّع على الاتفاق. إسرائيل ظنت أن التطبيع أنهى الصراع العربي الإسرائيلي. لكنها تكتشف كل يوم أن الاتفاقيات توقعها الأنظمة، أما الوجدان فتكتبه الشعوب. قد تفتح اتفاقية سفارة. وقد تصنع تعاوناً أمنياً أو اقتصادياً. لكنها لا تستطيع أن تقنع الناس بأن الاحتلال أصبح طبيعياً. ولا أن تجعل شعباً يرى فلسطين تُباد، ثم يصفق لمن يريد إخراجها من الوعي.
مشكلة إسرائيل ليست مع علم رُفع. بل مع ذاكرة لم تسقط. ففي غزة، خرج نازحون من الخيام يحتفلون بفوز مصر، وكأن الكرة هناك تصنع ما تعجز عنه السياسة. وفي الضفة الغربية، احتفلت الجماهير بتأهل المغرب. وفي القدس، علت الهتافات للمنتخبات العربية. وفي ملاعب الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، ظهر العلم الفلسطيني في أيدي جماهير لم يجمعها دين واحد، ولا لغة واحدة، ولا قومية واحدة. هنا لم يعد الرمز الفلسطيني رمزاً محلياً، بل أصبح رمزاً أخلاقياً، وشاهداً على تناقض عالم يرفع شعار الحياد ويصنع الانحياز.
مشكلة الفيفا ليست في مباراة مصر والأرجنتين فقط. بل في أن مونديال 2026 كشف أن المؤسسة التي ترفع شعار الحياد لم تعد قادرة على إقناع أحد بأنها فوق السياسة. فإذا كان الرئيس الأمريكي قادراً على التأثير في مسار عقوبة. وإذا كانت الدولة المستضيفة قادرة على التحكم بمن يدخل ومن لا يدخل. وإذا كان البار قادراً على العودة إلى لقطة بعيدة لإلغاء هدف، وغير قادر على مراجعة لقطة سبقت هدفاً حاسماً. وإذا كان علم فلسطين وحده هو الذي يُعامل كخطر سياسي... فنحن لسنا أمام بطولة كرة قدم فقط. نحن أمام محكمة مفتوحة لزمن كامل.
زمن يقول إن ما بعد السابع من أكتوبر ليس كما قبله. ليس لأن فلسطين تغيرت وحدها. بل لأن العالم الذي كان يدّعي الحياد بدأ ينكشف. في الجامعات. وفي الشوارع. وفي السينما. وفي الموسيقى. والآن في الملاعب. لقد كان المونديال يريد أن يقدم نفسه كاحتفال كروي عالمي. لكنه تحول، من حيث لا يدري، إلى مرآة. مرآة للفيفا. وللدولة المستضيفة. وللتحكيم. وللإعلام. ولإسرائيل. وللشعوب التي قالت بطريقتها إن فلسطين لم تعد تقف خارج المشهد... بل أصبحت جزءاً من المشهد نفسه.
كانت في المدرجات.
وفي القلوب.
وفي الغضب.
وفي الأسئلة.
وفي كل مرة حاولوا أن يقولوا إن الرياضة بعيدة عن السياسة، كانت السياسة تخرج من مكان آخر، كأنها تقول: أنا هنا. دخلت قبلكم إلى الملعب. والفرق الوحيد أنكم لا ترونني إلا عندما أرفع علم فلسطين.
وربما كان السؤال الذي سيبقى بعد أن تُطوى صفحات هذه البطولة، وتُطفأ أضواء ملاعبها، ليس: من فاز بكأس العالم؟ بل: هل خرجت كرة القدم من هذا المونديال أكثر استقلالاً، أم أنها أضافت، إلى دفتر أخطائها، صفحة جديدة تثبت أن الكرة، حين تدور، تدور معها أوجاع العالم كله؟ ذلك سؤال لن تجيب عنه صافرة حكم، ولا شاشة بار، ولا بيان فيفاوي. بل سيجيب عنه التاريخ، حين يعيد قراءة هذه الأيام، ليس كأيام رياضة، بل كأيام كشفت فيها الكرة المستديرة، بغرابة، كل ما هو غير مستدير في هذا العالم.
فبعض البطولات تُمنح فيها الكؤوس...
أما هذه البطولة، فقد منحت العالم سؤالاً.
والأسئلة الكبيرة... لا يطلقها الحكم بصافرته، بل يكتبها التاريخ عندما يكتشف أن المباراة الحقيقية لم تكن يوماً داخل الملعب.
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
8/7/2026
لم تكن صافرة حكم مباراة مصر والأرجنتين هي التي أوقفت الزمن. بل كانت تلك الكرة التي سكنت شباك الأرجنتين للحظات، ثم انتُزعت منها كالسراب، لتسكن بعدها بثلاث دقائق شباك مصر، وهذه المرة بلا استئذان، بلا مراجعة، بلا سؤال.
بين الهدف الملغي والهدف المسجل، بين تلك الدقائق الثلاث، لم يخسر منتخب مصر مباراته فحسب، بل انفتح سؤال لم تغلقه صافرة الحكم، ولم تطفئه شاشات البار، ولم تمحوه بيانات الفيفا المعتادة.
لم تعد أزمة مونديال 2026 في هدف أُلغي، ولا في صافرة حكم، ولا في بطاقة حمراء أُعيد النظر فيها بعد نهاية مباراة. هذه كلها مشاهد. أما الفيلم الحقيقي، فهو أكبر بكثير. الفيلم يقول إن السياسة لم تعد تقف خارج الملعب، تنتظر صافرة النهاية كي تتحدث. لقد دخلت من المطار. من التأشيرة. من غرف البار. من لجان الانضباط. من اتصال رئيس دولة برئيس الفيفا. ومن المدرجات التي رفعت علم فلسطين، فجنّ جنون من يطالبون الرياضة بالصمت فقط عندما يكون اسم السياسة فلسطين.
مباراة مصر والأرجنتين لم تكن بداية الأزمة. كانت اللقطة التي كشفتها. في الدقيقة 78، كان الجمهور المصري على موعد مع فرحة عابرة: هدف في شباك الأرجنتين. لكن التقنية قالت "توقف". عودة إلى الماضي، إلى مخالفة قبل الهجمة، إلى تفاصيل دقيقة لا يراها إلا البار حين يريد أن يرى. هنا، لم يعترض أحد على القانون، القانون واضح. لكن السؤال كان: لماذا هذه اليقظة المفرطة هنا، وهذا الغياب التام بعدها بثلاث دقائق؟
في الدقيقة 81، سقط محمد صلاح في منطقة الجزاء، وتعالت أصوات اللاعبين المصريين، لكن الشاشة هذه المرة ظلت صامتة. الكرة الأرجنتينية وجدت طريقها إلى الشباك، وكأن المعيار تحول بين لقطة وأخرى. هنا لم يعد السؤال: هل أخطأ الحكم فقط؟ بل: لماذا يعمل القانون بكامل يقظته في لقطة، وينام في لقطة أخرى؟ امتد الغضب خارج الملعب، إلى البرامج الرياضية، وصفحات الصحف، ومنصات التواصل. لم يعد النقاش عن هدف ملغي، بل عن عدالة متكسرة، عن معيار مزدوج، عن إحساس راقبته الملايين بأن ثمة شيئاً ما في غرفة البار، أو في غرفة أبعد منها، كان يحرك الخيوط. وقد نقلت صحف دولية اعتراض حسام حسن والجهاز المصري على التحكيم، ليس بحدة الاتهام، بل بسؤال ظل مفتوحاً: هل كان المعيار واحداً حقاً؟
لكن هذه المباراة لم تأتِ من فراغ. قبلها بأيام، كان المونديال قد تلقى ضربة سياسية واضحة، لم تأتِ من مدرجات أو تأشيرات، بل من البيت الأبيض نفسه. تدخل دونالد ترامب في قضية البطاقة الحمراء لللاعب الأمريكي فولارين بالوغون، ثم جرى تعليق عقوبة الإيقاف بما سمح له بالمشاركة أمام بلجيكا. هنا، لم نعد أمام خطأ تحكيمي داخل ملعب، بل أمام سؤال يمس استقلالية الفيفا نفسها: هل يستطيع رئيس دولة مستضيفة أن يطلب مراجعة قرار انضباطي، فتستجيب المؤسسة التي تقول إنها تحمي حياد اللعبة؟ لم يكن الجدل في شخص اللاعب، بل في المبدأ. هل تبقى كرة القدم مستقلة تماماً عن الضغوط السياسية والإعلامية، أم أن الواقع، كما بدا واضحاً، أكثر تعقيداً من كل الشعارات البراقة؟
ثم نعود إلى بداية البطولة، إلى حيث تبدأ كل رحلة: المطار. منتخب إيران واجه أزمة تأشيرات. مسؤولون وإداريون وصحفيون لم يتمكنوا من الدخول، واضطر المنتخب إلى تغيير معسكره، بينما قال الفيفا إن قرارات الدخول من صلاحية الدولة المستضيفة. وحتى حكم صومالي اختير للبطولة مُنع من دخول الولايات المتحدة. أي حياد هذا، إذا كانت الدولة المستضيفة تستطيع أن تؤثر، عبر الحدود والتأشيرات، على حضور الحكام والوفود والصحفيين والمنتخبات؟ هنا تنهار الجملة القديمة: "الرياضة بعيدة عن السياسة". ليست بعيدة. لم تكن يوماً بعيدة. لكن الفيفا يريدها بعيدة فقط عندما يرفع لاعب علمًا، أو يهدي مدرب فوزاً إلى شعب تحت الإبادة، أو تدخل فلسطين إلى المدرجات.
أما عندما تتدخل الدولة المستضيفة في الدخول والمنع، فهذه إجراءات سيادية. وعندما يتدخل رئيس أمريكي في عقوبة لاعب، فهذه مراجعة إدارية. وعندما تتحول التأشيرة إلى جزء من مسار البطولة، فهذه شؤون تنظيمية. وعندما يعمل البار بمعيار ويغيب بمعيار آخر، فهذه تقديرات تحكيمية. لكن عندما يرفع حسام حسن علم فلسطين، فجأة يتذكر الجميع أن الرياضة يجب أن تبقى خارج السياسة. هذه هي الفضيحة الحقيقية. ليست أن السياسة دخلت المونديال. بل أن السياسة كانت داخله طوال الوقت، لكنهم أرادوا منع الشعوب وحدها من التعبير عنها. وكأن الصمت مطلوب من الضعفاء فقط، بينما الأقوياء يملكون حق الكلام، والتدخل، والتأشير، والتوجيه.
إسرائيل فهمت ذلك جيداً. لذلك لم تتعامل مع رفع حسام حسن لعلم فلسطين كحركة عاطفية بعد مباراة. تعاملت معه كاختراق رمزي. وحين خسرت مصر أمام الأرجنتين، ظهرت أصوات إسرائيلية تحتفل بالخسارة كما لو أنها رد على العلم، لا نتيجة مباراة. لم يكن الغضب من مصر وحدها، بل من أن فلسطين دخلت إلى لحظة الفرح العربي، ومن أن التطبيع لم يستطع محو الذاكرة الشعبية. وهنا تكشف المدرجات ما تخفيه الاتفاقيات. كانت إسرائيل تعتقد أن التطبيع غيّر الجغرافيا... فاكتشفت في المدرجات أن الوجدان لم يوقّع على الاتفاق. إسرائيل ظنت أن التطبيع أنهى الصراع العربي الإسرائيلي. لكنها تكتشف كل يوم أن الاتفاقيات توقعها الأنظمة، أما الوجدان فتكتبه الشعوب. قد تفتح اتفاقية سفارة. وقد تصنع تعاوناً أمنياً أو اقتصادياً. لكنها لا تستطيع أن تقنع الناس بأن الاحتلال أصبح طبيعياً. ولا أن تجعل شعباً يرى فلسطين تُباد، ثم يصفق لمن يريد إخراجها من الوعي.
مشكلة إسرائيل ليست مع علم رُفع. بل مع ذاكرة لم تسقط. ففي غزة، خرج نازحون من الخيام يحتفلون بفوز مصر، وكأن الكرة هناك تصنع ما تعجز عنه السياسة. وفي الضفة الغربية، احتفلت الجماهير بتأهل المغرب. وفي القدس، علت الهتافات للمنتخبات العربية. وفي ملاعب الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، ظهر العلم الفلسطيني في أيدي جماهير لم يجمعها دين واحد، ولا لغة واحدة، ولا قومية واحدة. هنا لم يعد الرمز الفلسطيني رمزاً محلياً، بل أصبح رمزاً أخلاقياً، وشاهداً على تناقض عالم يرفع شعار الحياد ويصنع الانحياز.
مشكلة الفيفا ليست في مباراة مصر والأرجنتين فقط. بل في أن مونديال 2026 كشف أن المؤسسة التي ترفع شعار الحياد لم تعد قادرة على إقناع أحد بأنها فوق السياسة. فإذا كان الرئيس الأمريكي قادراً على التأثير في مسار عقوبة. وإذا كانت الدولة المستضيفة قادرة على التحكم بمن يدخل ومن لا يدخل. وإذا كان البار قادراً على العودة إلى لقطة بعيدة لإلغاء هدف، وغير قادر على مراجعة لقطة سبقت هدفاً حاسماً. وإذا كان علم فلسطين وحده هو الذي يُعامل كخطر سياسي... فنحن لسنا أمام بطولة كرة قدم فقط. نحن أمام محكمة مفتوحة لزمن كامل.
زمن يقول إن ما بعد السابع من أكتوبر ليس كما قبله. ليس لأن فلسطين تغيرت وحدها. بل لأن العالم الذي كان يدّعي الحياد بدأ ينكشف. في الجامعات. وفي الشوارع. وفي السينما. وفي الموسيقى. والآن في الملاعب. لقد كان المونديال يريد أن يقدم نفسه كاحتفال كروي عالمي. لكنه تحول، من حيث لا يدري، إلى مرآة. مرآة للفيفا. وللدولة المستضيفة. وللتحكيم. وللإعلام. ولإسرائيل. وللشعوب التي قالت بطريقتها إن فلسطين لم تعد تقف خارج المشهد... بل أصبحت جزءاً من المشهد نفسه.
كانت في المدرجات.
وفي القلوب.
وفي الغضب.
وفي الأسئلة.
وفي كل مرة حاولوا أن يقولوا إن الرياضة بعيدة عن السياسة، كانت السياسة تخرج من مكان آخر، كأنها تقول: أنا هنا. دخلت قبلكم إلى الملعب. والفرق الوحيد أنكم لا ترونني إلا عندما أرفع علم فلسطين.
وربما كان السؤال الذي سيبقى بعد أن تُطوى صفحات هذه البطولة، وتُطفأ أضواء ملاعبها، ليس: من فاز بكأس العالم؟ بل: هل خرجت كرة القدم من هذا المونديال أكثر استقلالاً، أم أنها أضافت، إلى دفتر أخطائها، صفحة جديدة تثبت أن الكرة، حين تدور، تدور معها أوجاع العالم كله؟ ذلك سؤال لن تجيب عنه صافرة حكم، ولا شاشة بار، ولا بيان فيفاوي. بل سيجيب عنه التاريخ، حين يعيد قراءة هذه الأيام، ليس كأيام رياضة، بل كأيام كشفت فيها الكرة المستديرة، بغرابة، كل ما هو غير مستدير في هذا العالم.
فبعض البطولات تُمنح فيها الكؤوس...
أما هذه البطولة، فقد منحت العالم سؤالاً.
والأسئلة الكبيرة... لا يطلقها الحكم بصافرته، بل يكتبها التاريخ عندما يكتشف أن المباراة الحقيقية لم تكن يوماً داخل الملعب.
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
8/7/2026