إيناس محمد عتمان - الخروج من ملكوت الورق...

كان يظن أنه يسير والأيام تمشي بجانبه بإيقاعٍ منضبط، بل كان يتوهم أنه قائدها الذي يروض الساعات بمقود يقظته الصارمة. كان “عادل” يبعثر وجوده بعناية فائقة بين ضجيج النهار ومقام الصحوة المتعبة ليلًا، كمن يرسم حدود يومه على خارطة من يقينٍ مصطنع، ويقنع نفسه أن الحياة ليست سوى جدول بيانات يمكن إحكام قبضته عليه، إن هو أحسن التنظيم وأتقن السيطرة.
كان يعيش داخل نظام صارم صنعه بنفسه، نظام لا يسمح بالفراغ، ولا يترك مساحة للصدفة. حتى أنفاسه كانت تبدو وكأنها محسوبة بين بندٍ وآخر. لا شيء يحدث خارج الخطة، ولا شيء يُسمح له أن يتجاوز حدود “المهام”. ومع ذلك، كان في داخله فراغ صغير يتسع ببطء، لكنه كان يتجاهله كما يتجاهل الإنسان صوت ساعة لا يريد سماعه.
في تمام الثامنة صباحًا، كان يغلق باب العالم خلفه، وكأنه يقطع صلته بكل ما هو خارج إطار العمل، ثم يستوي على كرسيه الجلدي في صمت يشبه الطقس اليومي المقدس. أمام مكتبه، يبدأ التحول؛ يتضاءل جسده تدريجيًا تحت ثقل الأوراق، بينما تتسع الملفات أمامه حتى تصبح عالمًا موازيًا، أو “ملكوتًا” شاسعًا لا نهاية له. يغوص في لجة الأرقام والتقارير، يختفي خلف الشاشات والجداول، وكأن ملامحه الحقيقية تُمحى شيئًا فشيئًا مع كل ساعة تمر.
كان مديره يناديه من خلف الزجاج، لكن صوته يمر كأنه لا يملك جسدًا. والزملاء يعبرون المكان كظلال بشرية، لا يراهم إلا طرف عينه، ثم يختفون في الضباب نفسه. لم يكن غائبًا عن المكتب، لكنه كان غائبًا عن نفسه.
وفي إحدى المرات، استيقظ من غيبوبة الحبر على لسعة برودة مفاجئة. رفع رأسه ببطء، كمن يعود من مكان بعيد لا يعرف متى بدأه. التفت حوله، ليجد نفسه ما يزال متصلبًا في وضعه منذ الصباح؛ كتفاه مشدودتان، عيناه مثبتتان على شاشة لم تعد تُرى بوضوح، ويداه معلقتان فوق لوحة المفاتيح كأنهما نسيتا كيف تتحركان.
لم يتحرك قيد أنملة. حتى الزمن بدا وكأنه توقف احترامًا لذلك الجمود الطويل. أمامه كان كوب القهوة، الذي اعتاد أن يكون رفيق الساعات الثقيلة، قد تحول إلى بركة سوداء باردة، فقد حرارته ومعناه معًا. لم يذق منه رشفة واحدة، وكأن الزمن جرى في عروق الآخرين فقط، ونساه هو في مكانٍ معزول لا صوت فيه ولا حرارة.
حين دقت ساعة الانصراف، خرج من المبنى بجسد مثقل بملوحة الورق ورائحة الإرهاق. كانت المدينة قد بدأت تستعيد أنفاسها بعد يومٍ طويل، والشمس تزرع شعاعها الأخير في أزقة الشوارع كمن يودع شيئًا بصمت. فجأة، اختبأت خلف غيمة رمادية كثيفة، فانطفأ وهج الرصيف دفعة واحدة، كما لو أن أحدهم أطفأ العالم بزر خفي.
توقف عادل.
لم يكن التوقف جسديًا فقط، بل كان توقفًا داخليًا، لحظة انكشاف غامضة بين ما عاشه وما لم ينتبه إليه. تأمل ذلك الانسحاب المفاجئ للضوء، كأن الشمس لم تُهزم، بل انسحبت بإرادتها. تسلل برد غريب إلى أوصاله، ليس برد الطقس، بل برد الفكرة نفسها.
ثم وجد نفسه يهمس بصوت متهدج، كأن الكلمات خرجت من مكان لم يعد يملكه:
“هل سأصبح يومًا كتلك الشمس؟ أبذل كل هذه الحرارة، وأحرق أيامي في هذا المكتب، ثم في لحظة واحدة… أختبئ، ويُمحى أثري خلف غيمة عابرة من النسيان؟”
لم يقطع خيط انكساره إلا ضجيج “زمامير” السيارات المحتقنة في الزحام، صرخات الأبواق كانت أشبه بأوامر قاسية: تحرك… لا تتوقف… مر بسلام! عاد إلى جسده فجأة، وسار آليًا بين الأرصفة، لكن مشيته لم تكن كما كانت. كان يجر خطاه وكأنه يحمل داخله شيئًا أثقل من التعب، شيئًا يشبه السؤال الذي بدأ يتشكل بداخله دون أن يطلب إذنه.
في تلك الليلة، لم ينم كعادته. ظل يستعيد صورة الشمس وهي تختبئ، وكأنها أول مرة يراها فيها بهذا المعنى. لم يكن العمل هو ما يرهقه هذه المرة، بل ذلك الإحساس الجديد الذي تسلل إليه دون استئذان؛ أن الحياة قد تُعاش كاملة، دون أن تُرى.
في اليوم التالي، لم تكن الثامنة صباحًا كما كانت دائمًا. وقف عادل أمام باب المكتب، لكنه هذه المرة لم يشعر أنه يغلق العالم خلفه. كان هناك شيء ما قد انكسر في داخله، شيء لم يعد يسمح له بنفس الطاعة القديمة. دخل بخطوات أبطأ، أكثر وعيًا، كأن الأرض نفسها أصبحت أكثر حضورًا تحت قدميه.
جلس على كرسيه الجلدي، وضع كوب القهوة كما يفعل كل يوم، لكنه لم يتركه ليبرد هذه المرة دون انتباه. رفعه ببطء، استنشق بخاره بعمق، وشعر لأول مرة منذ سنوات بحرارته تلمس أطراف أصابعه، كأن شيئًا صغيرًا يعيده إلى جسده الحقيقي.
نظر إلى “ملكوت” الأوراق أمامه، لكنه لم يره ساحة حرب كما اعتاد، بل رآه كما هو: ورق. هشّ، قابل للتمزق، لا يملك القدرة على ابتلاع عمره كله. للمرة الأولى، لم يره تهديدًا لوقته، بل مجرد مهمة داخل يوم، لا أكثر.
حين ناداه مديره من خلف الزجاج، التفت هذه المرة. لم يتجاهل الصوت، ولم يختبئ خلف الشاشة. نهض بهدوء، ومشى نحو الباب كأنه يعبر مسافة بين نسختين من نفسه. فتح الباب ودخل، لكن الحوار هذه المرة لم يكن عن تقارير متأخرة ولا جداول ناقصة.
قال عادل، بصوت هادئ أربك صمت الغرفة:
“أتعلم يا سيدي… الشمس خلف الغيوم لا تنطفئ، هي فقط تختار أين تضع دفئها.”
ساد صمت قصير، لم يكن صمت ارتباك فقط، بل صمت إدراك مختلف. كأن الكلمات لم تكن موجهة للشخص الآخر وحده، بل له هو أيضًا، ولكل السنوات التي مر فيها دون أن يسأل نفسه سؤالًا واحدًا.
في ذلك اليوم، لم ينتظر ساعة الانصراف. ترك المكتب قبل موعده بساعة، وكأن شيئًا بداخله قرر أن يغادر قبل الجسد. خرج والزحام في ذروته، لكن “زمامير” السيارات لم تعد تثير فيه ذلك الضيق القديم. كان يسمعها، نعم، لكن كضجيج بعيد لا يخصه.
سار بلا هدف محدد، حتى وصل إلى الحديقة العامة التي كان يمر بها يوميًا دون أن يراها. جلس على مقعد خشبي متآكل، وترك عينيه تتبعان طفلًا يطارد فقاعات الصابون، يضحك كلما انفجرت واحدة في الهواء.
وفي تلك اللحظة، أخرج هاتفه الذي كان لا يتوقف عن رنين رسائل العمل، نظر إليه طويلًا، ثم أغلق الإشعارات كلها، وضبط منبهًا واحدًا فقط… ليس لموعد اجتماع، ولا لتقرير، بل لموعد الغروب.
جلس ساكنًا، وكأنه لأول مرة لا ينتظر شيئًا ليحدث، بل يعيش ما يحدث بالفعل. أدرك أن الحياة لم تكن بحاجة إلى قائدٍ يروضها، بل إلى من يسير معها دون أن يخنقها بمحاولات السيطرة.
ومنذ ذلك اليوم، لم يعد عادل ذلك الرجل الذي يطارد الساعات. صار فقط شخصًا يمشي بجانبها، يتقاسم معها رشفة قهوة ساخنة، وقليلًا من الضوء الذي لا يمحوه النسيان.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى