مصادفة وبلا تعمد وقفت أمام المرآة
لم تكن تبحث عن شيء سوى الفضول .
مشطت شعرها ببطء أغمصت عينيها حين دغدغت اسنان المشط فروة رأسها وبدأت احاسيس النساء تتدفق في عروقها المتيبسة وقبل أن تنزلق بعيدا لمحت خيطًا أبيض دقيقًا يتسلل بين السواد. توقفت يدها. اقتربت من المرآة. أفردت الشعر عن جبينها، فرأت شرخ فضي ابيض وسط سواد شعرها المتجعد .. شيبة مختبئة بدت في عينيها وكأنها جريمة مخفية ارتكبها الزمن في غفلة منها.
ابتسمت بسخرية.
لكن المرآة عادت ثانية و رأت قرب عينها خطًا رفيعًا يمتد بصمت . كان الذهول يتسلق أحاسيسها ويتركها بدوامة لا تنتهي إلا لتبدأ من جديد .
مسكت المرآة بكلتي يديها وجلست على الارض .
كانت غرفتها ضيقة، باردة، تغص بفوضى أشياء كثيرة .
الجدران التي رسمت عليها دودة الارضة خرائطها علقت عليها و بدون ترتيب قصاصات و صور من مجلات و جرائد قديمة فنانيين وفنانات و عارضات أزياء في يوم ما كنوا مشهورين . على الرف و قرب مرآتها الصغيرة زهرةٌ يابسة في كوبٍ زجاجي شاحب لم تذق الماء منذ زمن بعيد .
في الخارج كان الليل ينثر سواده على الأشجار ببطء، حتى بدت الأغصان عارية كأصابع كف ترفع الدعاء نحو السماء. السكون منتشر حتى العصافير التي تكومت داخل أغصان الأشجار صمتت تمامًا، كأن العالم ابتلع آخر الحروف قبل أن يلتحف بالظلام .
عيناها تدوران في فراغ المرآة والصمت فجأة بدت المرآة اثقل من حجمها ، أثقل بكثير حتى أن يديها لم تعد تقوى على حملها و كادت أن تسقطت كما سقطت تلك الأحلام التي هوت في خريف اجتاح الغرفة ومن فيها .. همست في نفسها
كم حلم مر دون الوقوف بمحطتي ؟
كم بابًا منسيا لم تطرقه علي يد ؟
كم مرة انتظرت أن تبدأ حياتي، من نقطة لا تنتهي إلى فراغ ؟
نهضت دون أن تعرف لماذا أو إلى أين اقتربت من النافذة.
لم يكن هناك أحد.
الشارع فارغ الا من الوحشة و الأشجار الساكنة . الليل يحكم قبضته مثل أجل ثابت.
عادت إلى المرآة.
تأملت شعرها مرة أخرى.
ثم شيئًا فشيئًا، بدأ وجهها يتغير الشيبة الواحدة ليست واحدة بل هناك الكثير تختبئ في الزوايا المجعد .
في البداية ظنت أن الضوء يخدعها.
لكن التجعيدة قرب عينها صارت أعمق وأوضح وأكثر تشعبا، لم تكن هذه التجاعيد وحيدة بل هناك أخر ظهرت عند طرف فمها.
ثم ثانية و ثالثة في جبينها ،
تراجعت مذعورة.
رفعت يدها إلى وجهها، احست بالرعب من الأوردة والشرايين النافرة فيها.كان وجهها ما يزال ناعمًا تحت أصابعها ، تحس بنظارته ونعومته التي كانت تعرفها ،أما في المرآة، فكانت امرأة أخرى تلبس ثوبها و تقف أمامها. امرأة أكبر سنًا و متعبة و حزينة. أغلقت عينيها بقوة وفتحتهما.
لكن المرأة بقيت هناك تنظر إليها بهدوء، كأنها كانت تعيش لحظة مواجهة . عيون المرأة التي في المرآة أكثر جدية منها . إبتسمت المرأة التي في المرآة ، أما هي فلم تبتسم.
تجمد الدم في عروقها.خطوة إلى الخلف ، ثم أخرى تائهة لكن المرأة داخل المرآة لم تتحرك معها.
ظلت واقفة.تبتسم ، و كأنها تعلن التمرد عليها ، عندها فقط فهمت أن السنوات التي ركضت بها لم تذهب بعيدا بل مختبئة خلف زجاج المرآة تنتظر أن تحين ساعة المواجهة .
في الخارج ازداد الليل كثافةً حتى اختفت هندسة الأشجار في الظلمة.
فجأة انطفأ المصباح و غرقت الغرفة في العتمة.
ولثانيةٍ واحدة، قبل أن يستقر الظلام فوق كل شيء، رأت المرأة التي في المرآة ترفع يدها ببطء.
وتغلق المرآة من الداخل.
ثم لم يبقَ في الغرفة سوى المرأة.
و زجاجة فارغة .. فارغة.
تمامًا.
علي عبيد عيسى
لم تكن تبحث عن شيء سوى الفضول .
مشطت شعرها ببطء أغمصت عينيها حين دغدغت اسنان المشط فروة رأسها وبدأت احاسيس النساء تتدفق في عروقها المتيبسة وقبل أن تنزلق بعيدا لمحت خيطًا أبيض دقيقًا يتسلل بين السواد. توقفت يدها. اقتربت من المرآة. أفردت الشعر عن جبينها، فرأت شرخ فضي ابيض وسط سواد شعرها المتجعد .. شيبة مختبئة بدت في عينيها وكأنها جريمة مخفية ارتكبها الزمن في غفلة منها.
ابتسمت بسخرية.
لكن المرآة عادت ثانية و رأت قرب عينها خطًا رفيعًا يمتد بصمت . كان الذهول يتسلق أحاسيسها ويتركها بدوامة لا تنتهي إلا لتبدأ من جديد .
مسكت المرآة بكلتي يديها وجلست على الارض .
كانت غرفتها ضيقة، باردة، تغص بفوضى أشياء كثيرة .
الجدران التي رسمت عليها دودة الارضة خرائطها علقت عليها و بدون ترتيب قصاصات و صور من مجلات و جرائد قديمة فنانيين وفنانات و عارضات أزياء في يوم ما كنوا مشهورين . على الرف و قرب مرآتها الصغيرة زهرةٌ يابسة في كوبٍ زجاجي شاحب لم تذق الماء منذ زمن بعيد .
في الخارج كان الليل ينثر سواده على الأشجار ببطء، حتى بدت الأغصان عارية كأصابع كف ترفع الدعاء نحو السماء. السكون منتشر حتى العصافير التي تكومت داخل أغصان الأشجار صمتت تمامًا، كأن العالم ابتلع آخر الحروف قبل أن يلتحف بالظلام .
عيناها تدوران في فراغ المرآة والصمت فجأة بدت المرآة اثقل من حجمها ، أثقل بكثير حتى أن يديها لم تعد تقوى على حملها و كادت أن تسقطت كما سقطت تلك الأحلام التي هوت في خريف اجتاح الغرفة ومن فيها .. همست في نفسها
كم حلم مر دون الوقوف بمحطتي ؟
كم بابًا منسيا لم تطرقه علي يد ؟
كم مرة انتظرت أن تبدأ حياتي، من نقطة لا تنتهي إلى فراغ ؟
نهضت دون أن تعرف لماذا أو إلى أين اقتربت من النافذة.
لم يكن هناك أحد.
الشارع فارغ الا من الوحشة و الأشجار الساكنة . الليل يحكم قبضته مثل أجل ثابت.
عادت إلى المرآة.
تأملت شعرها مرة أخرى.
ثم شيئًا فشيئًا، بدأ وجهها يتغير الشيبة الواحدة ليست واحدة بل هناك الكثير تختبئ في الزوايا المجعد .
في البداية ظنت أن الضوء يخدعها.
لكن التجعيدة قرب عينها صارت أعمق وأوضح وأكثر تشعبا، لم تكن هذه التجاعيد وحيدة بل هناك أخر ظهرت عند طرف فمها.
ثم ثانية و ثالثة في جبينها ،
تراجعت مذعورة.
رفعت يدها إلى وجهها، احست بالرعب من الأوردة والشرايين النافرة فيها.كان وجهها ما يزال ناعمًا تحت أصابعها ، تحس بنظارته ونعومته التي كانت تعرفها ،أما في المرآة، فكانت امرأة أخرى تلبس ثوبها و تقف أمامها. امرأة أكبر سنًا و متعبة و حزينة. أغلقت عينيها بقوة وفتحتهما.
لكن المرأة بقيت هناك تنظر إليها بهدوء، كأنها كانت تعيش لحظة مواجهة . عيون المرأة التي في المرآة أكثر جدية منها . إبتسمت المرأة التي في المرآة ، أما هي فلم تبتسم.
تجمد الدم في عروقها.خطوة إلى الخلف ، ثم أخرى تائهة لكن المرأة داخل المرآة لم تتحرك معها.
ظلت واقفة.تبتسم ، و كأنها تعلن التمرد عليها ، عندها فقط فهمت أن السنوات التي ركضت بها لم تذهب بعيدا بل مختبئة خلف زجاج المرآة تنتظر أن تحين ساعة المواجهة .
في الخارج ازداد الليل كثافةً حتى اختفت هندسة الأشجار في الظلمة.
فجأة انطفأ المصباح و غرقت الغرفة في العتمة.
ولثانيةٍ واحدة، قبل أن يستقر الظلام فوق كل شيء، رأت المرأة التي في المرآة ترفع يدها ببطء.
وتغلق المرآة من الداخل.
ثم لم يبقَ في الغرفة سوى المرأة.
و زجاجة فارغة .. فارغة.
تمامًا.
علي عبيد عيسى