دعاء البطراوي - لنصـفيـن..

اليوم كُسر كوب الفخار الذي أحبه، سقط من يدي فانشق لنصفين، وتناثرت بقايا الشاي التي كانت بداخله على الأرض، تسمرت نظرتي المتأسية عليه، إنه عندي منذ سنوات، أتفاءل به، وحينما انتقلت لبيتي الجديد، أخذته معي، ولم أفكر أن أغيره مطلقا رغم أن دولاب مطبخي ممتلئ عن آخره بأكوابٍ تماثله!

بدأت في لملمة أشلائه، ومسحت الأرضية شاعرة بكآبة غير مفهومة! فهو مجرد كوب قديم، آض لونه الزاهي باهتا، وتآكلت حوافه، وضاعت ملامح رسوماته التي كانت لفتاة صغيرة حالمة... تقف على أطراف أصابعها كأنها راقصة باليه، وتحيطها العديد من القلوب، لم يتبقَ منها سوى قلب أحمر صغير بداخله أول حرف من اسمي (A )

أطلقت زفرة من أعماقي، أحاول طرد ذلك الحزن الذي اجتاحني، فحريٌ بي الانتهاء من المهام المنزلية قبل وصول فايز، تزوجنا منذ عدة شهور فقط تحت ضغط هائل من الأهل والأصدقاء، نصحوني بضرورة الزواج لأنني لا زلت صغيرة، وابني كريم يحتاج أبا بديلا حتى لا يشعر بيتمه.

فايز رجل طموح ذو مركز كبير، تفكيره عاقل ومتزن، يعرف ماذا يريد بكلمات محددة، منظم كثيرا، لا مجال لديه لأي خطأ، لذا أقل هفوة تقلق مزاجه، وتجعله عصبيا للغاية، فيخاصمني لأسباب من وجهة نظره عظيمة، ومن وجهة نظري تافهة! بعكس أحمد _زوجي الأول الذي توفي في حادث سيارة، كان هادئا.. كسولا... فوضويا، يعيش في حاله، ولا يحب المشكلات، يمكن أن يتنازل عن حقه في سبيل روقان البال! صفات كانت تغيظني في بعض الأحيان واعتبرها سلبية وتهربا من المسؤولية، لكنه كان ودودا.. لطيفا.. سخي اليد.. ذا لسانٍ حلو، يعرف كيف يمتص غضبي بكلمة وقبلة.

اتصلت بأمي للاطمئنان عليها وعلى كريم الذي يبيت عندها ثلاثة أيام، ويأتيني باقي الأسبوع حسب اتفاقي مع فايز، أسأل ابني عن أخباره بالمدرسة، يتجاهل أسئلتي، يراوغني بصوتٍ مؤثر بأنه يشتاق إلي كثيرا، ويريد أن يعيش معي جميع الأيام كما في السابق، ترتعش شفتاي، أشعر بتشتتي وضياعي أمام مشاعره الجياشة، تنتهي المكالمة وقلبي معلق في مكان آخر.

أصب الشاي في كوبي الجديد، تتواثب ذكرياتي السابقة، فأشرد بعيدا،
أرتشف قليلا من الشاي، أجد طعمه متغيرا وغير مستساغ...
فأزيحه من أمامي،
وأنفجر باكية.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى